استقالات واعتزال ورفض إجراء عمليات جراحية .. آخر تطورات صِدام الأطباء والحكومة

- ‎فيتقارير

يبدو أن أزمة الأطباء مع قانون المسؤولية الطبية، الذي يتيح حبس الأطباء نتيجة الإهمال أو التشخيص الخاطئ، في طريقها للتصاعد، ليقرر بعض الأطباء عدم إجراء أي عملية جراحية والاكتفاء بالكشف والتشخيص، حيث يرى الأطباء أن هذا القانون جائر، حيث بدأ هذا التصعيد بإعلان 5 من أعضاء مجلس نقابة الأطباء المصريين استقالتهم، احتجاجًا على قرار تأجيل الجمعية العمومية غير العادية، التي كانت مقررة الجمعة، التي سبق ودعا إليها المجلس للتصدي لمشروع المسؤولية الطبية الذي يناقشه البرلمان.

 

وتصاعدت الأزمة ليعلن العديد من الأطباء الكبار اعتزالهم مهن الطب والاكتفاء بالتدريس، وكان على رأس هؤلاء، رئيس الجمعية المصرية، الدكتور الحسيني جميل، اعتزاله ممارسة الجراحة والاكتفاء بالتدريس الجامعي فقط، بسبب تعديلات مشروع قانون المسؤولية الطبية الموافق عليها من لجنة الصحة بالبرلمان.

 

وقال الدكتور الحسيني في منشور له على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: “تخصصت جراحة قلب يومًا ما كان الطبيب المصري فيه سيدًا في مصر وفي دول العالم.. اليوم، وبعد أن تضافرت جهود المشرعين والمسؤولين عن الصحة في مصر، أصبحنا مجرمين.. أعمل في تخصص وفاة المريض فيه أو حدوث مضاعفات أو أخطاء جسيمة أو غير جسيمة كما أطلقوا عليها، رغم كل الاحتياطات والتجهيزات، وارد بنسب عالمية.

 

استقالات

 

وتقدم كل من إبراهيم الزيات، وأحمد السيد، وطارق منصور، وأحمد علي، وأحمد الهواري، باستقالاتهم من مجلس النقابة، واتهموا نقيب الأطباء أسامة عبد الحي بالانفراد بالقرار داخل النقابة، وأكدوا أن التعديلات التي أدخلتها لجنة الصحة على مشروع القانون غير كافية لحماية الأطباء وضمان بيئة عمل عادلة.

 

وأعلن الزيات استقالته على صفحته على «فيسبوك» وكتب: «كما وعدتكم جميعًا إذ فشلت أرحل، وبعد فشلنا في عقد جمعية عمومية طارئة لمصلحة الأطباء أعلن استقالتي».

كما كتب هواري على صفحته على «فيسبوك»: «شهادة للتاريخ لزملائي الأطباء، يشهد الله أنني كنت من الرافضين لقرار تأجيل الجمعية العمومية للأطباء، واحترامًا لزملائي ولحقهم عليّ أتقدم باستقالتي من مجلس النقابة العامة لأطباء مصر».

 

فيما قال علي: «أتقدم باستقالتي من مجلس نقابة أطباء مصر، ويعلم الله أنني لم أشارك في ما حدث ولم يتمّ اتخاذ قرار مجلس وفقًا لما جاء على صفحة النقابة».

وأضاف: «كلمة أخيرة للسيد النقيب والمجموعة التي انفردت بالقرارات في الفترة الأخيرة، لا يشرّفني الاستمرار أو العمل معكم». وأعلن السيد أيضًا استقالته، وكتب على صفحته على «فيسبوك» أنه على مدى 48 ساعة، حاول رفض تأجيل أو إلغاء أو أيّ مسمى لعدم عقد جمعية عمومية تحت أيّ مبرر وأثبت ذلك.

وأضاف: كنت وما زلت أرى مكسب الجمعية ليس في القانون، وإنما في إعادة توحيد الأطباء مرة أخرى وهذا ما كان ظاهرًا في الأيام الماضية.

 

وكتب يوسف: «أعلن استقالتي من مجلس النقابة العامة للأطباء، يعلم الله أنّني سعيت بما استطعت من جهد في أمور الزملاء الأطباء والسعي لحلّ المشكلات حرصًا على هذا الوطن والمجتمع وصالح الزملاء».

 

تأجيل الجمعية العمومية للأطباء

 

وكانت نقابة الأطباء أعلنت في بيان الخميس، تأجيل الجمعية العمومية الطارئة، التي كان مقررًا عقدها الجمعة لمناقشة مشروع قانون المسؤولية الطبية الذي يثير جدلًا كبيرًا بين الأطباء لمدة شهر، معللة القرار بضرورة انتظار المسودة النهائية لمشروع قانون المسؤولية الطبية.

 

وجاء قرار تأجيل الجمعية العمومية بعد جلسة مطولة للجنة الصحة في مجلس النواب برئاسة الدكتور أشرف حاتم، حيث تم تعديل بعض مواد القانون. وأكدت النقابة أنها حققت بعض التعديلات المهمة على مشروع القانون، مثل إلغاء عقوبة الحبس في الأخطاء المهنية، وإلغاء الحبس الاحتياطي للأطباء، وتوضيح تعريف «الخطأ الطبي» و«الخطأ الطبي الجسيم».

 

وكان رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب أشرف حاتم، أعلن حذف المادة 29 من مشروع قانون المسؤولية الطبية المقدم من الحكومة، والتي تقضي بجواز حبس مقدم الخدمة الطبية احتياطيًا في الجرائم التي تقع منه أثناء تقديم الخدمة، أو بسببها، باعتبار المادة محل اعتراض من جميع النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة الأطباء.

 

وأكد أن قرار الحذف جاء بعد توافق رئيس مجلس النواب حنفي جبالي، ووزير الصحة خالد عبد الغفار، وموافقة الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن الحائز للأغلبية في المجلس.

ولفت إلى توجيه رئيس المجلس للجنة الصحة بالعمل على تلبية مطالب النقابات الطبية المتخصصة أثناء مناقشة القانون، بهدف تحقيق التوازن بين توفير الحماية القانونية للمريض، وضمان بيئة عمل آمنة للأطقم الطبية تمكنهم من أداء رسالتهم.

 

وأضاف أن «الخطأ الطبي الجسيم له تعريف واضح في القانون، وعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة» مستطردًا بأن القانون ينص على الموافقة المستنيرة للمريض أو أهله بالمضاعفات المحتملة.

وسبق للنقابة إعلان رفضها لمشروع القانون لما تضمنه من مواد تقنن الحبس في القضايا المهنية، وذلك أثناء المناقشات التي جرت في لجنة الصحة في مجلس الشيوخ وشارك فيها النقيب العام للأطباء أسامة عبد الحي ونقيب الأسنان إيهاب هيكل.

 

وتمسكت النقابة بمجموعة من المطالب، منها رفض حبس الأطباء في القضايا المهنية، وإقرار وقوع المسؤولية المدنية على الطبيب حال التسبب في ضرر للمريض نتيجة خطأ، لكنه يعمل في تخصصه وملتزم بقواعد المهنة وقوانين الدولة، وتكون العقوبة هنا تعويضات لجبر الضرر وليس الحبس.

وتضمنت مطالب الأطباء أن تقع المسؤولية الجنائية على الطبيب فقط حال مخالفته لقوانين الدولة، أو عمله في غير تخصصه، أو قيامه بإجراء طبي ممنوع قانونًا.

 

عدم جواز الحبس الاحتياطي

 

وأكدت النقابة عدم جواز الحبس الاحتياطي في الاتهامات التي تنشأ ضد مقدم الخدمة الصحية أثناء تأدية مهنته أو بسببها؛ حيث إن مبررات الحبس الاحتياطي غير متوفرة في القضايا المهنية، وأن تكون اللجنة العليا للمسؤولية الطبية هي الخبير الفني لجهات التحقيق والتقاضي، وتتلقى كافة الشكاوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة الطبية بجميع الجهات المعنية وذات الصلة بتلقي شكاوى المواطنين بشأن الأخطاء الطبية.

 

بداية القصة

 

في 24 ديسمبر من العام الماضي 2024، وافق مجلس الشيوخ بشكل نهائي على (قانون المسؤولية الطبية وحماية المريض) تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب (الغرفة الثانية للبرلمان) لمناقشته وإقراره.

رفضت حينها نقابة الأطباء المصرية في بيان لها بشكل قاطع أمام مجلس الشيوخ أي مواد تقنن الحبس في القضايا المهنية أو الحبس الاحتياطي، وقالت إن لجنة الصحة بمجلس الشيوخ لم تستجب لأي من مطالب النقابة العادلة المطبقة في العالم كله.

 

كانت المواد 27 و28 محل الجدل الأكبر بعدما ساوت بالحبس والغرامة بين من يرتكب أخطاء طبية، ومن يرتكب أخطاء طبية جسيمة، كما اعترضت النقابة على المادة 29 التي أعطت جهات التحقيق الحق في حبس الطبيب احتياطيًا ومدّه على ذمة التحقيق.

كما اعترضت النقابة على المادة رقم 18 بجواز استعانة جهات التحقيق بتقرير اللجنة الفنية التي تفصل في درجة الخطأ الطبي أو حدوثه من قبل الطبيب أو نتيجة مضاعفات، مطالبة بأن يكون تقرير اللجنة ملزمًا، ودعت إلى جمعية عمومية طارئة في الثالث من يناير الجاري، لتأكيد رفضها مسودة القانون.

 

رواتب متدنية وظروف صعبة تدفعهم للهجرة

 

ودائمًا ما يشتكي الأطباء في مصر من تدني الرواتب، وظروف العمل السيئة خاصة في المستشفيات الحكومية، حيث يبلغ متوسط راتب الطبيب الشاب في مصر نحو 3700 جنيه مصري، بحسب تقرير لنقابة الأطباء المصرية صادر في أبريل 2022.

 

ووفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد تراجع عدد الأطباء في القطاع الحكومي المصري على نحو ملحوظ، إذ انخفض العدد من حوالي 113 ألف طبيب في عام 2014 إلى 73.4 ألف طبيب في عام 2020.

في المقابل، لم تؤدِّ زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب وإنشاء كليات جديدة إلى تخفيف الأزمة، بل ارتفعت أعداد الاستقالات، إذ بلغت حوالي 11,500 طبيب خلال المدة من 2019 حتى مارس 2022، وفق تقرير لنقابة أطباء مصر عام 2022.

 

وأرجعت دراسة للجامعة الأمريكية في القاهرة، نُشرت في نوفمبر 2024، أبرز أسباب هجرة الأطباء من مصر إلى ضعف البنية التحتية الصحية، والرواتب المتدنية، وظروف العمل غير الملائمة.

وذكرت الدراسة أن الأطباء يهاجرون إلى دول ذات أنظمة صحية متطورة، موضحة أن 56% من الأطباء المصريين يعملون في الخارج، مع تفضيلهم الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية لأسباب مهنية، ودول الخليج لأسباب مالية.