دافع الشعب الفلسطيني عن وطنه طوال سبعة عقود لم يتسلل اليأس خلالها الي صدور المقاومين الذين يثقون ان الأرض لهم وان النصر لا بد ان يكون حليفهم، وكانت البداية عندما انطلقت احداث السابع من أكتوبر 2023 في هجوم علي قوات جيش الاحتلال في غلاف قطاع غزة المحاصر منذ عشرين عاما، مستخدمين أدوات بدائية واسلحة خفيفة ومتوسطة، تمكنوا من خلالها القضاء على فرقة غزة في جيش الاحتلال ما ترتب عليها تدميرًا شبه كامل للقطاع ومقتل اكثر من سبعين الف فلسطيني جلهم من النساء والأطفال وكبار السن، ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف آلة القتل الصهيونية، ورغم التوصل لاتفاق وقف اطلاق النار بعد عامين من الحرب غير المتكافئة إلا أنه ما زل القتل والاغتيال مستمرا ، حيث تم قتل اكثر من 900 فلسطينيي في القطاع.
وتشهد جبهة جنوب لبنان هذه الأيام حربا ضارية عقابا لها على دورها في الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، فاحتلت إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية وترفض الخروج منها، وقد أبدع رجال حزب الله بابتكار نوع جديد من المسيرات الانقضاضية يعتمد تقنية الالياف البصرية مما أحدث رعبا وخسائر كبيرة في صفوف جيش الاحتلال.
في تصعيد نوعي يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة المواجهة، بثت وسائل إعلام إسرائيلية مشاهد توثق تنفيذ حزب الله هجوماً مزدوجاً باستخدام طائرات مسيّرة انقضاضيه، استهدف قوات الاحتلال في جنوب لبنان، وأثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية والإعلامية في إسرائيل. ووفقاً للتقارير الإسرائيلية، بدأ الهجوم باستهداف قوة عسكرية إسرائيلية في إحدى مناطق جنوب لبنان، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة ستة آخرين. وخلال محاولة إخلاء المصابين، نفذ حزب الله ضربة ثانية بمسيّرة أخرى استهدفت موقع مروحية الإنقاذ والقوات المرافقة لها، في تكتيك يوصف بأنه “ضربة مركبة” تستهدف لحظات الضعف العملياتي.
وأظهرت مقاطع فيديو نشرتها هيئة البث الإسرائيلية وحسابات لصحفيين مشاهد توثق حالة ارتباك في صفوف الجنود، خلال محاولة مروحية عسكرية من طراز “بلاك هوك” إجلاء المصابين، فيما أطلق جنود الاحتلال نيراناً كثيفة باتجاه مسيّرة مفخخة اقتربت من موقع الهبوط. وبحسب تحليل الصور وتحديد الموقع الجغرافي، فإن الهجوم وقع في بلدة الطيبة بقضاء مرجعيون جنوب لبنان، على مسافة لا تتجاوز أربع كيلومترات من الحدود، ما يشير إلى قدرة حزب الله على استهداف نقاط حساسة في خطوط التماس الأولى، بما في ذلك مواقع الإخلاء الطبي التي يحرص الجيش الإسرائيلي على تأمينها بعناية.
203
الواقعة أثارت نقاشاً واسعاً في إسرائيل حول تطور قدرات حزب الله، إذ اعتبرت القناة 12 أن الحزب بات يعتمد المسيّرات المفخخة كسلاح رئيسي، بديلاً عن الصواريخ التقليدية، نظراً لدقتها وصعوبة رصدها. وكشفت تقارير إسرائيلية أن الحزب يستخدم نوعين من المسيّرات: الأولى تعتمد على موجات الراديو ويمكن التشويش عليها، بينما الثانية تُوجَّه عبر الألياف البصرية، وهي تقنية تجعلها محصنة ضد أنظمة الحرب الإلكترونية، وتتيح التحكم بها لمسافات تصل إلى 15 كيلومتراً.
في ذات السياق، وصفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الهجوم بأنه “تحدٍ تكتيكي لم يجد له الجيش الإسرائيلي حلاً حتى الآن”، مشيرة إلى أن منصات إطلاق هذه المسيّرات غالباً ما تكون بعيدة عن مناطق تمركز القوات الإسرائيلية. كما وجّه الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد انتقادات للحكومة، متهماً إياها بالتقليل من خطورة هذا التهديد، وعدم الاستفادة من الخبرات الأوكرانية المتقدمة في مجال مواجهة الطائرات المسيّرة.
وحدات الإنقاذ تحت التهديد
الهجوم سلط الضوء أيضاً على هشاشة عمل وحدات الإخلاء الطبي، لا سيما الوحدة 669 التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، المتخصصة في عمليات الإنقاذ خلف خطوط القتال. ورغم أن هذه الوحدة نفذت عشرات عمليات الإخلاء منذ بداية المواجهات، فإن استهداف مروحياتها أثناء تنفيذ المهام يفرض تحديات جديدة، قد تعيق عمليات الإنقاذ وتزيد من كلفة العمليات العسكرية في حال تصاعد المواجهة.
وفي بيان سابق، أعلن حزب الله مسئوليته عن استهداف قوة إخلاء إسرائيلية في بلدة الطيبة بواسطة مسيّرة انقضاضيه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، في إطار ما وصفه بالرد على الهجمات الإسرائيلية التي طالت مناطق جنوب لبنان. ويعكس هذا التطور انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث لم تعد خطوط التماس التقليدية أو نقاط الإخلاء بمنأى عن الاستهداف، في ظل تصاعد الاعتماد على تقنيات يصعب اعتراضها، ما يضع الجيش الإسرائيلي أمام اختبار جديد في إدارة المعركة.
يتواصل النقاش الإسرائيلي حول التعامل مع مُسيَّرات حزب الله اللبناني، ورغم أنه يطلق 10-15 مسيرة يوميًا ويتم اعتراض معظمها، إلا أن إصابة واحدة تكفي لإحداث تأثير كبير.
وذكر المراسلان العسكريان لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، ألكسندرا لوكاش وإليشع بن كيمون، أنه "في ضوء تهديد طائرات حزب الله المسيّرة المفخخة التي لا يزال جنود الجيش الإسرائيلي وسكان الشمال يواجهونها"، وحذّر قائد لواء مناشيه السابق، العقيد أورين زيني، أن الخطر من المتوقع أن يصل أيضًا إلى المنطقة الوسطى. وعندما سُئل عما إذا كان تهديد الطائرات المسيّرة المفخخة قد يصل إلى كفار سابا، على سبيل المثال، في المستقبل، أجاب "بكل تأكيد، ولا مجال للشك على الإطلاق".
وأضاف زيني، في مقابلة مع المراسلين أن "كل من يشكك في هذا الأمر لا يفهم شيئًا عن الشرق الأوسط، ولذلك فالحل واحد ويتمثل بالتواجد المكثف لقوات الجيش داخل المنطقة، لأن الوضع ليس بسيطًا، بل يُمثل تحديًا حقيقيًا لها، مسألة الطائرات المسيّرة المتفجرة هذه تظهر فجأة، وتُفاجئ القوات، ونتيجتها ثمن باهظٌ جدًا في هذه المرحلة، لقد فقدنا عددًا من الجنود، هذا ثمنٌ باهظٌ جدًا، يستدعي منا أن نجد حلًّا لهذه المسألة قريبًا".
وأشار إلى أنه "بعد مرور عام أو عام ونصف تقريبًا مما سُمِّى "لبننة غزة"، وبصفتي قاتلت طوال سنوات خدمتي في القطاع، وشاهدت كيف تصل شحنات الشمال إلى غزة، فلا شك لديّ في أن هذا الأمر سيصل أيضًا إلى غزة والضفة الغربية، ثمة خطر حقيقي وملموس في هذا، ولذلك سيتعين إيجاد ردٍّ على هذا الأمر، وسيتم اتخاذ الرد نفسه في القطاعات الأخرى أيضًا، لأن للطرف الآخر هدفًا واحدًا واضحًا، وهو إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بقواتنا، وسكان الشمال، والمناطق المحيطة به".
وأوضح أن "اسرائيل مطالبة بأن تتخذ القرارات بنفسها، وأن تتوقف عن الاعتماد على عوامل أخرى، دون الانتقاص من قيمة أمريكا، وما قدمته لنا، لكن كل ما يتعلق بحدودنا، علينا إنجاز المهمة، حتى نسيطر على مركز الثقل والقوة، ونشن هجمات، ونهزم العدو هناك، سنشهد أحداثًا جديدة في كل مرة نراها، لأن التهديد المباشر يكمن في الشمال، نراه يوميًا من خلال الطائرات المسيرة المتفجرة، وإذا لم تُلحق الضرر بقواتنا، فستُلحق الضرر بمجتمعاتنا".
وختم بالقول إنه "بجانب سكان الشمال، يعمل الجنود في لبنان تحت وطأة الخطر، حتى دون خوض قتال فعلي، ويبذل حزب الله قصارى جهده لإخراج الجيش الإسرائيلي من القرى والخط الأصفر، ولذلك يلجأ إلى نيران الاستنزاف، ويتعلم طيارو الطائرات المسيرة المتفجرة من كل حادثة، ويطورون مهاراتهم، وانتقلوا إلى استخدام أسراب من الطائرات المسيرة، وطائرات تعمل ليلاً مزودة بأجهزة تصوير حراري".