تتقاطع ثلاثة ملفات رئيسية في المشهد العقاري المصري في 2026؛ منها استمرار إجراءات توفير وحدات بديلة للمخاطبين بقانون الإيجار القديم، والارتفاعات المتفاوتة في أسعار الإيجارات الجديدة بالقاهرة، والجدل المتعلق بدور الدولة والصناديق التابعة لها والمطورين العقاريين في إدارة الأراضي وتوفير السكن.
وفي الوقت الذي قررت فيه الحكومة مد مهلة التقديم للحصول على وحدات بديلة ثلاثة أشهر إضافية، تكشف بيانات مرصد العمران عن تفاوتات كبيرة في أسعار الإيجارات بين أحياء القاهرة، مع ارتفاع سنوي في القيمة الإجمالية للإيجارات الجديدة يتجاوز معدل التضخم. وبالتوازي، تثير منشورات متداولة بشأن مشروعات عقارية ضخمة مزعومة تساؤلات حول ملكية الأراضي وشروط تخصيصها وآليات تمويل الوحدات المخصصة للإيجار.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا محوريًا حول فشل قانون الإيجارات الذي أصر عليه السيسي وبتصفيق برلمانته؛ وهل تتناسب برامج توفير السكن البديل مع تطورات سوق الإيجارات والقدرة الشرائية للمواطنين، وما مدى وضوح العلاقة بين سياسات الإسكان وإدارة الأصول العقارية العامة؟
مهلة التقديم للسكن البديل حتى 12 يناير 2027
ووافق مجلس وزراء السيسي، وفقًا للمعلومات الواردة في المادة المقدمة، على مد فترة تقديم طلبات الحصول على وحدات بديلة للمخاطبين بقانون الإيجار القديم لمدة ثلاثة أشهر إضافية، لتنتهي في 12 يناير 2027 بدلًا من 12 أكتوبر 2026.
ويأتي القرار في ظل استمرار تقدم المواطنين بطلبات الاستفادة من برنامج الوحدات البديلة، إذ بلغ عدد المتقدمين نحو 96.5 ألف مواطن، بإجمالي 106.6 ألف استمارة، وفقًا لتقرير وزارة الإسكان.
وتوزعت الاستمارات على النحو التالي:
- 104.7 ألف استمارة لوحدات سكنية.
- 1.8 ألف استمارة لوحدات غير سكنية.
- تصدرت القاهرة المحافظات من حيث عدد المتقدمين والاستمارات، تلتها الجيزة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الطلبات تتركز بدرجة كبيرة في الوحدات السكنية، وهو ما يجعل حجم المعروض الفعلي وشروط الاستحقاق وتوقيت التسليم عناصر أساسية في تقييم قدرة البرنامج على تلبية احتياجات المستفيدين.
15 ألف وحدة مرتقبة.. هل تكفي حجم الطلب؟
وفي المقابل، يوفر صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري نحو 15 ألف وحدة سكنية بالمدن الجديدة والمحافظات، ضمن برنامج للإيجار كان مقررًا طرحه في منتصف نوفمبر 2026، مع بحث إمكانية إتاحة وحدات إضافية من جهات حكومية أخرى.
وبالمقارنة الحسابية الأولية، يعادل هذا العدد نحو 15.5% من عدد المواطنين المتقدمين البالغ 96.5 ألفًا، أو نحو 14.1% من إجمالي الاستمارات المقدمة.
أسعار الإيجارات بالقاهرة.. متوسط 10 آلاف جنيه
في موازاة ملف السكن البديل، تكشف بيانات (مرصد العمران) عن تفاوت واضح في أسعار الإيجارات الجديدة للشقق السكنية غير المفروشة بالقاهرة خلال الربع الثالث من عام 2026، الممتد من يوليو إلى سبتمبر.
وبحسب البيانات الواردة في المواد المقدمة، بلغ متوسط الإيجار الشهري على مستوى القاهرة نحو 10 آلاف جنيه، فيما بلغ متوسط إيجار المتر المربع 80 جنيهًا شهريًا.
وتبرز أهمية المؤشر في أنه لا يكتفي بعرض المتوسط العام، بل يتناول التفاوتات بين الأحياء، والتغيرات الفصلية والسنوية، فضلًا عن اختلاف أسعار الوحدات داخل الحي الواحد.
حي (الزمالك) في الصدارة
ووفقًا للأرقام المنشورة في المواد المقدمة، جاء حي المرج عند أدنى مستويات الأسعار بمتوسط إيجار يبلغ 3500 جنيه شهريًا، في حين سجل الزمالك مستويات أعلى بكثير.
ويشير أحد التقارير إلى أن متوسط الإيجار في الزمالك بلغ نحو 21 ضعف متوسط المرج، بينما تشير مادة أخرى عن الأشهر التسعة الأولى من 2026 إلى أن الفارق وصل إلى نحو 31 ضعفًا.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرقمين لا يمكن التعامل معهما بوصفهما قياسًا واحدًا للفترة نفسها؛ إذ يلزم الرجوع إلى الجداول الأصلية للمرصد للتحقق من الفترة المرجعية وطريقة احتساب الفارق، قبل اعتماد نسبة موحدة في تقرير نهائي.
أما الأحياء التي ورد أنها تقع ضمن نطاق المتوسط العام للقاهرة، البالغ 10 آلاف جنيه شهريًا، فتشمل:
- روض الفرج.
- حدائق القبة.
- الساحل.
- السيدة زينب.
وبحسب تصريحات منسوبة إلى يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، فإن أربعة أحياء فقط من بين 25 حيًا توافرت عنها بيانات جاءت ضمن نطاق المتوسط العام، بينما تجاوزت الإيجارات في الأحياء التي تضم مجتمعات سكنية مسورة (كمبوندات) هذا المتوسط.
تفاوت داخل الحي الواحد
لا تتوقف الفجوة السعرية عند الحدود الجغرافية للأحياء، بل تمتد إلى المناطق المختلفة داخل الحي الواحد.
وفي وسط البلد، تتراوح الإيجارات الشهرية الواردة في المادة بين 4 آلاف جنيه و50 ألف جنيه، وفي المعادي، تبدأ من نحو 3 آلاف جنيه في منطقة الخبيري، وتصل إلى 70 ألف جنيه في منطقة السرايات.
وتوضح هذه الفروق أن متوسط الإيجار وحده لا يعكس بالضرورة التكلفة التي يواجهها الباحث عن مسكن؛ إذ تؤثر المنطقة الدقيقة ومساحة الوحدة ومستوى التشطيب والموقع والخدمات المحيطة في السعر النهائي.
ارتفاع سنوي بنسبة 25%.. والإيجارات تتجاوز التضخم
وأداء سوق الإيجارات خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 ذهب إلى أن الإيجارات الجديدة في القاهرة الكبرى ارتفعت بنحو 25% على أساس سنوي، متجاوزة معدل التضخم العام المسجل عند 12.8% في سبتمبر 2026، وفق الرقم المنسوب إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وإذا صحت قابلية المقارنة بين المؤشرين والفترتين المرجعيتين، فإن ذلك يعني أن الزيادة في الإيجارات تجاوزت التضخم بنحو 12.2 نقطة مئوية.
وقال مرصد العمران: "إن معدل زيادة إجمالي الإيجار اختلف عن معدل زيادة سعر المتر بتأثير تغير مساحات الوحدات المعروضة؛ فقد يؤدي طرح وحدات أكبر مساحة إلى ارتفاع الإيجار الإجمالي حتى إن لم يرتفع سعر المتر بالنسبة نفسها".
وتظهر هنا أهمية قراءة مؤشرات الإيجارات بصورة متكاملة، وعدم الخلط بين زيادة الإيجار الشهري للوحدة وارتفاع سعر المتر المربع.
بحسب الأرقام الواردة في المادة، سجل سعر إيجار المتر المربع تغيرات سنوية متباينة، من بينها:
- وسط البلد: ارتفاع بنحو 28%.
- السيدة زينب: ارتفاع بنحو 22%.
- المرج: ارتفاع بنحو 22%.
- الزمالك: ارتفاع بنحو 19%.
- المنيل والمعادي: انخفاض بنحو 12%.
- القاهرة الجديدة: انخفاض بنحو 7%.
- حي السلام: انخفاض بنحو 4%.
ويذكر التقرير أن مؤشر الربع الثالث استند إلى تحليل قرابة 5 آلاف إعلان لوحدات معروضة للإيجار عبر مواقع التسويق العقاري الإلكترونية، تغطي 26 حيًا سكنيًا ومدينة جديدة في القاهرة.
هل يكفي الدخل لتغطية السكن في القاهرة والحياة اليومية؟
وتطرح الأرقام السابقة سؤالًا آخر يتعلق بقدرة الأسر على تحمل الإيجار إلى جانب نفقات المعيشة الأساسية.
وتشير تقديرات موقع Numbeo إلى أن الايجارات تبلغ نحو 20 ألف جنيه شهريًا لشخص يعيش بمفرده دون الإيجار، ونحو 75 ألف جنيه لأسرة، كما تذهب المادة إلى أن توفير مستوى معيشي يتضمن الرفاهيات قد يتطلب ميزانية أعلى.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى التحقق من تاريخ التقدير، وحجم الأسرة المفترض، وبنود الإنفاق المحتسبة، وطريقة احتساب متوسط التكلفة؛ ولذلك لا ينبغي تقديمها باعتبارها ميزانية ثابتة تنطبق على جميع السكان.
وإذا استُخدم متوسط الإيجار العام البالغ 10 آلاف جنيه شهريًا لأغراض المقارنة الحسابية فقط، فإنه يعادل نصف تقدير نفقات الشخص الذي يعيش بمفرده دون إيجار، ويضاف إلى تلك النفقات بدلًا من أن يكون جزءًا منها.
أما بالنسبة إلى الأسر، فلا يمكن تحديد نسبة عبء الإيجار بدقة من دون معرفة مساحة المسكن المطلوب وموقعه وعدد أفراده ودخل الأسرة الفعلي.
وتتمثل المسألة الاقتصادية الأساسية في أن ارتفاع الإيجار لا يؤثر في تكلفة السكن وحدها، بل قد يقلص الأموال المتاحة للغذاء والنقل والتعليم والرعاية الصحية والادخار، خاصة لدى الأسر ذات الدخول المحدودة.