«كلهم واحد».. نازحو غزة يفقدون الثقة في انتخابات إسرائيل ويحلمون بنهاية الحرب

- ‎فيعربي ودولي

وسط خيام النزوح وأنقاض المنازل المدمرة، يتابع بعض الفلسطينيين في قطاع غزة نتائج الانتخابات الإسرائيلية بقدر من الاهتمام المشوب بالقلق، بينما يرفض آخرون الانشغال بها، بعدما فقدوا الثقة في إمكانية أن يؤدي تغيير الحكومات الإسرائيلية إلى إنهاء معاناتهم أو وقف الاعتداءات التي يتعرضون لها.

وبينما تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تشكيل حكومة جديدة، تبدو اهتمامات سكان غزة مختلفة تمامًا؛ فالأولوية بالنسبة إلى كثيرين منهم ليست هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، وإنما وقف القتل والدمار، والعودة إلى المنازل، وإنهاء النزوح، واستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.

وتكشف شهادات عدد من الفلسطينيين، خلال جولة ميدانية لاستطلاع آرائهم بشأن انتخابات الكنيست، عن تباين واضح بين من يعتبر أن جميع القيادات الإسرائيلية تتبنى سياسات متشابهة تجاه الفلسطينيين، ومن يأمل في أن يؤدي رحيل بنيامين نتنياهو إلى تخفيف حدة المأساة الإنسانية في القطاع.

 

«كلهم واحد».. فقدان الثقة في الأحزاب الإسرائيلية

بالنسبة إلى قطاع واسع من الفلسطينيين الذين عايشوا الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات، لا تمثل الانتخابات الإسرائيلية حدثًا يستحق المتابعة، بعدما ترسخت لديهم قناعة بأن تغير الأحزاب والحكومات لا يعني بالضرورة تغير السياسات تجاه الشعب الفلسطيني.

ويعبر الحاج أبو إسماعيل النحال، البالغ من العمر 65 عامًا، وهو من سكان رفح الذين اضطروا إلى النزوح، عن هذا الموقف بوضوح، مؤكدًا أنه لا يهتم بمتابعة الانتخابات الإسرائيلية أو معرفة الحزب الذي سيتولى تشكيل الحكومة المقبلة.

ويقول النحال: «قادة الاحتلال يعملون جميعهم من أجل مصالحهم، ولا يهتمون بمصالح شعبنا. إنهم واحد، كلهم مجرمون».

ويرى أن التجارب السابقة لم تمنح الفلسطينيين أسبابًا كافية للثقة في الوعود السياسية الإسرائيلية، معتبرًا أن المقاومة والضغط هما العاملان الأكثر تأثيرًا في تغيير سياسات الاحتلال.

ويستشهد بقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، الذي يربطه بما واجهته إسرائيل من مقاومة فلسطينية خلال سنوات احتلالها المباشر للقطاع.

وتعكس شهادة النحال حالة من انعدام الثقة في النظام السياسي الإسرائيلي، تتجاوز الخلافات بين الأحزاب اليمينية والوسطية، وتستند إلى تجربة طويلة من الحروب والحصار والتهجير.

 

أب فقد اثنين من أبنائه.. ويتمسك بالأمل

على جانب آخر من المشهد، كان أبو عمار أبو دقة يجر عربة صغيرة تحمل بعض متعلقات أسرته، في صورة تختصر جانبًا من معاناة النازحين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم خلال الحرب.

لكن خسارة أبو عمار لم تتوقف عند النزوح وفقدان الممتلكات؛ فقد قُتل اثنان من أبنائه الشباب خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لتصبح الانتخابات بالنسبة إليه مرتبطة بأمل محدود في ألا تتكرر المأساة التي عاشتها أسرته.

ويقول أبو عمار، مستعيدًا ما تعرض له القطاع: «نتنياهو أباد شعبنا، ولم يترك لا حجر ولا بشر ولا شجر».

ورغم الألم الذي يرافق حديثه، فإنه لا يغلق الباب أمام احتمال أن يؤدي تغيير القيادة الإسرائيلية إلى تحسن الأوضاع الإنسانية، مضيفًا: «في النهاية كلهم واحد، لكن يمكن أن يأتي واحد ألين من السابق».

وتكشف كلماته عن تناقض فرضته قسوة الواقع؛ فهو لا يثق في السياسات الإسرائيلية، لكنه يتمسك بأي احتمال يمكن أن يخفف معاناة الفلسطينيين ويمنح النازحين فرصة للعيش بعيدًا عن القصف والخوف.

ويؤكد أن الفلسطينيين يريدون الحياة والأمن والسلام، قائلًا: «الشعب الفلسطيني يحب الحياة والسلام، ويريد أن يعيش بأمان وسلام».

ويختتم حديثه بعبارة تحمل ما تبقى لديه من رجاء: «الله يغير الأحوال، وإن شاء الله يأتي الأحسن من عند الله».

 

غزة تراقب الانتخابات بحثًا عن فرصة للعودة

على خلاف غيره من النازحين الذين لا يهتمون بالانتخابات، يتابع سامي النجار، البالغ من العمر 53 عامًا، المشهد السياسي الإسرائيلي باهتمام، انطلاقًا من قناعته بأن نتائج الانتخابات قد تؤثر مباشرة في مستقبل قطاع غزة.

ويقول النجار: «دمار غزة كان بسبب نتنياهو، ونحن نهتم بهذه الانتخابات لأن حياتنا مرتبطة بدولة الاحتلال».

ويرى أن استمرار نتنياهو في السلطة قد يعني استمرار السياسات التي أدت إلى الدمار الواسع في القطاع، بينما يأمل في أن يفتح تشكيل حكومة جديدة الباب أمام حلول سياسية أو إنسانية تخفف معاناة السكان.

ويعرب النجار عن أمله في أن يتمكن الجنرال الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت من تشكيل حكومة جديدة، وأن يُسهم ذلك في إيجاد حل للقضية الفلسطينية والأوضاع في قطاع غزة.

ويضيف منتقدًا نتنياهو: «دمّر غزة وفعل في القطاع ما لم يفعله أي رئيس حكومة إسرائيلية سابق، وها هو الآن يتوجه إلى الضفة الغربية».

ولا تنفصل توقعات النجار السياسية عن خسارته الشخصية؛ فقد دمّر الجيش الإسرائيلي منزله الواقع وسط مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، وأصبح حلم العودة إليه أحد أبرز دوافع اهتمامه بأي تغيير محتمل في الحكومة الإسرائيلية.

وبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بالمنافسة بين الأحزاب أو توزيع المقاعد داخل الكنيست، بقدر ما يتعلق بإمكانية أن تتوقف الحرب وتتوافر ظروف تسمح بإعادة الإعمار وعودة النازحين.

 

نتائج الانتخابات.. لا أغلبية حاسمة

بحسب الأرقام الواردة في النتائج الانتخابية المتداولة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية اكتمال فرز الأصوات، مع تصدر حزب الليكود بحصوله على 27 مقعدًا، يليه حزب «يشار» بـ21 مقعدًا.

وأظهرت الأرقام حصول الكتلة المؤيدة لنتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لكتلة التغيير، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا.

وتشير هذه الأرقام إلى عدم امتلاك أي من الكتلتين الرئيسيتين أغلبية منفردة تتيح لها تشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام مفاوضات وتحالفات برلمانية قد تحدد هوية رئيس الوزراء المقبل.

ويحتاج تشكيل الحكومة الإسرائيلية إلى تأمين دعم 61 عضوًا على الأقل من أصل 120 عضوًا في الكنيست، وهو ما يجعل موقف الأحزاب خارج الكتلتين الرئيسيتين عاملًا مؤثرًا في تحديد شكل الائتلاف المقبل.

لكن الحسابات البرلمانية لا تقدم وحدها إجابة عن السؤال الذي يشغل الفلسطينيين: هل ستؤدي نتائج الانتخابات إلى تغيير حقيقي في السياسات الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية، أم ستقتصر على إعادة توزيع السلطة بين القوى السياسية؟

 

اختلاف الأحزاب لا يضمن تغيير السياسات

رغم اختلاف البرامج السياسية للأحزاب الإسرائيلية، فإن تجارب الفلسطينيين مع الحكومات المتعاقبة جعلت قطاعات واسعة منهم تتعامل بحذر مع احتمالات التغيير.

فالقضية بالنسبة إلى سكان غزة لا تتعلق فقط بتغيير رئيس الوزراء، وإنما بمواقف الحكومة المقبلة من الحرب والحصار وإعادة الإعمار وحرية الحركة ومستقبل القضية الفلسطينية.

كما أن انتقال السلطة إلى حكومة جديدة لا يعني تلقائيًا تغيير السياسة الإسرائيلية، خصوصًا في ظل الخلافات الداخلية بشأن التسوية السياسية والأمن والاستيطان ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن هنا، تبدو مواقف الفلسطينيين الذين شملهم الاستطلاع الميداني انعكاسًا لاختلاف تجاربهم وتوقعاتهم؛ فالبعض فقد الثقة تمامًا في أي تغيير يأتي عبر الانتخابات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أن تغيير الحكومة، حتى إن لم يحقق حلًا شاملًا، قد يفتح نافذة لتحسين الأوضاع الإنسانية.

 

بين حسابات الكنيست ووجع النازحين

تكشف شهادات سكان غزة عن فجوة واسعة بين اهتمامات الأحزاب الإسرائيلية التي تتنافس على تشكيل الحكومة، وأولويات الفلسطينيين الذين يعيشون تداعيات الحرب.

فبينما ينشغل السياسيون الإسرائيليون بحسابات المقاعد والتحالفات، ينشغل أبو عمار أبو دقة بذكريات ابنيه اللذين فقدهما، ويحلم سامي النجار بالعودة إلى منزله المدمر في خان يونس، بينما لا يرى أبو إسماعيل النحال سببًا للثقة في أي قيادة إسرائيلية جديدة.

ولا يمكن اعتبار هذه الشهادات المحدودة استطلاعًا ممثلًا لجميع سكان قطاع غزة، لكنها تقدم صورة إنسانية عن تنوع المواقف داخل مجتمع أنهكته الحرب والنزوح.

وفي المحصلة، لا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية مجرد تغيير أسماء الوزراء أو انتقال السلطة من حزب إلى آخر، وإنما تغيير ملموس في حياتهم اليومية، يبدأ بوقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وإنهاء النزوح، والسماح بإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

وبينما تظل هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة رهينة التحالفات البرلمانية، يبقى مطلب سكان غزة أبسط من كل الحسابات السياسية: أن تتوقف معاناتهم، وأن يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم والعيش بأمان.