في غزة، لم تعد الحرب تُقاس بعدد الغارات أو حجم الدمار وحده؛ بل امتدت إلى تفاصيل الحياة الصغيرة التي يُفترض أن تكون بعيدة عن ساحات الصراع.
فحتى مياه الصرف الصحي التي تغرق بها شوارع القطاع، ومحطات تنقية المياه التي تحاول الصمود وسط انقطاع الكهرباء والوقود، والطائرات الورقية التي يصنعها الأطفال من بين الخيام، تحولت إلى ملفات أمنية وبيئية تُلاحق سكان قطاع غزة المحاصر.
خلف هذه التفاصيل تختبئ مأساة إنسانية أكثر قسوة؛ فالبنية التحتية التي كانت توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة تعرضت للتدمير، بينما وجد السكان أنفسهم أمام معادلة شديدة القسوة: منشآت مدمرة لا تستطيع العمل، ومياه ملوثة تُهدد الصحة العامة، وأطفال يحاولون صناعة لحظات من الفرح، فيما يُنظر حتى إلى ألعابهم باعتبارها مصدر تهديد أمني خطير.
محطات المياه.. أزمة تبدأ من غزة ولا تتوقف عند حدودها
خلال الأيام الماضية، تصاعد الجدل في دولة الاحتلال حول تعطل عدد من محطات تحلية مياه البحر، بعد ارتفاع كبير في عكورة المياه أدى إلى توقف خمس منشآت عن العمل.
وتحدثت تقارير إعلامية عن انتشار الطحالب المجهرية في مياه البحر المتوسط، مرجحة أن تكون منطقة دلتا النيل أحد مصادرها، بينما ربطت تقارير أخرى الظاهرة بتدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة من قطاع غزة.
وبعيدًا عن الجدل حول مصدر التلوث، تكشف الأزمة عن حقيقة أكثر وضوحًا: تدمير البنية التحتية في غزة لم يبقَ محصورًا داخل القطاع، بعدما أصبحت مياه الصرف الصحي واحدة من أكثر المشكلات إلحاحًا بالنسبة إلى السكان، وأحد مصادر الخطر البيئي في المنطقة بأكملها.
فالمحطات التي كانت تُعالج مياه الصرف الصحي في القطاع تعرضت لأضرار واسعة، بينما أدى انقطاع الكهرباء والوقود ونقص الإمكانات إلى تعطيل ما تبقى منها، لتتراكم المياه العادمة في مناطق مكتظة بالسكان والنازحين.
إعادة الإعمار.. حين يصبح حقًا مشروطًا
وسط هذه الظروف، دخل ملف الصرف الصحي والمياه إلى أجندة اللقاءات التي عقدها المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر ومسئولون في "مجلس السلام" مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وأُعلن عن تفاهمات بشأن ترميم شبكات المياه والصرف الصحي في غزة، في خطوة تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالحاجات الإنسانية الأساسية لسكان القطاع.
لكن المفارقة أن الحديث عن إصلاح هذه الشبكات جاء في ظل اشتراطات إسرائيلية تتعلق بإعادة الإعمار ونزع سلاح حركة حماس.
وهكذا وجد سكان غزة أنفسهم أمام واقع بالغ القسوة؛ فالماء النظيف والصرف الصحي، وهما من أبسط مقومات الحياة، باتا مرتبطين بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز احتياجات المدنيين الذين يعيشون وسط الركام.
أطفال غزة.. حتى الطائرات الورقية أصبحت خطرًا
وفي خضم هذا المشهد، لم يسلم أطفال القطاع حتى من ملاحقة الاحتلال لألعابهم البسيطة.
ففي الوقت الذي يبحث فيه الأطفال داخل الخيام ومراكز النزوح عن أي وسيلة للهروب من واقع الحرب، أثارت الطائرات الورقية التي يطلقونها في سماء غزة ردود فعل إسرائيلية غاضبة، بعدما هدد نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس باتخاذ إجراءات ضد إطلاق الطائرات الورقية والبالونات باتجاه المناطق المحاذية للقطاع.
بالنسبة إلى طفل يعيش تحت القصف والنزوح، قد تكون الطائرة الورقية مجرد قطعة ورق وخيط ومساحة صغيرة من السماء تمنحه لحظات من اللعب. لكن في نظر الاحتلال، تحولت هذه اللعبة إلى ملف أمني جديد.
وهكذا تتقلص المساحة المتاحة لأطفال غزة يومًا بعد يوم؛ فلا مكان آمن للعب، ولا سماء خالية من الخوف، وحتى الألعاب البسيطة يمكن أن تتحول إلى ذريعة جديدة للملاحقة.
عندما يعود الدمار إلى أصحابه
على مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت أزمة محطات التحلية نقاشًا واسعًا، خصوصًا مع ربطها من جانب بعض المتابعين بمياه الصرف الصحي الناتجة عن تدمير البنية التحتية في غزة.
ورأى ناشطون أن الحروب لا تتوقف عند الحدود السياسية، وأن تدمير شبكات المياه والصرف الصحي في منطقة ساحلية صغيرة ومكتظة مثل غزة يمكن أن تكون له تداعيات بيئية تتجاوز القطاع.
أما بالنسبة لسكان غزة، فالقضية أكثر قسوة من مجرد أزمة بيئية. إنها قصة مدينة مدمرة، ومحطات خرجت عن الخدمة، ومياه ملوثة، وأطفال نزحوا من بيوتهم ويحاولون صناعة ألعابهم من بقايا الحرب.
في غزة، لم يعد المدني يواجه الحرب فقط عندما تسقط القنابل، بل يواجهها أيضًا عندما يفتح صنبور المياه، أو يبحث عن دورة مياه آمنة، أو يخرج طفل بطائرة ورقية إلى مساحة صغيرة من السماء.
وبينما تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى ملفات أمنية، يبقى السؤال الإنساني الأهم: كم من الوقت يستطيع إنسان أن يعيش بلا ماء آمن، ولا صرف صحي، ولا كهرباء، ولا حتى مساحة صغيرة للعب دون خوف؟
ذلك هو الوجه الأكثر قسوة للحرب؛ حين لا تكتفي بتدمير البيوت، بل تمتد لتطارد أبسط أشكال الحياة.