مراقبون يتوصلون لسبب قطع الأشجار .. السيسي يُصدّر الفحم إلى تل أبيب ويُخفِي أرقام الأجهزة

- ‎فيتقارير

في وقت تُظهر فيه بيانات التجارة الدولية أن الاحتلال الصهيوني استورد بالفعل كميات متزايدة من الفحم الخشبي المصري خلال السنوات الأخيرة، وهو ما اعتبره نشطاء ومراقبون قرينة تستوجب التحقيق في العلاقة بين قطع الأشجار داخل مصر وبين تجارة الفحم.

وأعاد نشطاء تداول عنوان فيديو للإعلامي نشأت الديهي يقول: "قطعنا قرابة مليون شجرة، لتصدير ٩٠ ألف طن فحم للخارج".

https://youtu.be/wiivlvpnpuA?si=QsFXCm_4_GTFlUe5

 

 

وأثار ملف قطع الأشجار في مصر موجة غضب واسعة بين نشطاء ومراقبين على منصة إكس، وربط حجم الأشجار التي جرى قطعها، بإنتاج وتصدير الفحم النباتي، وتحوّل النقاش من مجرد انتقاد لسياسات إزالة الأشجار إلى اتهامات سياسية واقتصادية مباشرة لعبد الفتاح السيسي، تتساءل عن المستفيد من الأخشاب التي تُزال من الشوارع والميادين والمحاور، وعن احتمال توجيه جزء منها إلى صناعة الفحم المخصص للتصدير.

وسمحت الدولة بقطع أعداد ضخمة من الأشجار، فما مصير الأخشاب الناتجة عن ذلك؟ وهل دخلت هذه الأخشاب في دورة تجارية أو صناعية انتهت بإنتاج الفحم وتصديره إلى الخارج؟

 

ويذهب بعض المنتقدين أبعد من ذلك، إذ يتهمون نظام السيسي بأنه لا يتعامل مع الأشجار باعتبارها ثروة بيئية ينبغي الحفاظ عليها، وإنما باعتبارها أصلًا يمكن تحويله إلى عائد مالي، حتى لو كان ذلك على حساب المدن التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء.

من أكثر المنشورات حدة في هذا السياق ما كتبه الفنان عمرو واكد، @ amrwakedالذي ربط بصورة مباشرة بين قطع الأشجار والتصدير إلى الكيان، متسائلًا عن جدوى إزالة الأشجار من المدن المصرية التي تعاني من الحرارة الشديدة.

وقال: "هل تتخيل أن دولة تقطع الأشجار في مدينتك التي تعاني من الحرارة الشديدة وشمس صيفية حارقة، وتحرمك من الظل الذي كان يخفف عنك، من أجل أن تصدر فحم للكيان؟"، معتبرا أنه يمثل "دنوًا وحقارة".

 

ولم يكتفِ بانتقاد قطع الأشجار، بل أرفق بمنشوره أرقامًا عن صادرات الفحم الخشبي المصري إلى الكيان محاولًا وضع الملف البيئي في سياق العلاقة التجارية والسياسية بين القاهرة وتل أبيب.

 

وبحسب الأرقام التي أوردها، بلغت صادرات الفحم الخشبي المصري إلى كيان الاحتلال.

 

    في 2022: نحو 5.49 مليون كيلوجرام بقيمة 4.16 مليون دولار.

    في 2023: نحو 6.06 مليون كيلوجرام بقيمة 4.71 مليون دولار.

    في 2024: نحو 7.92 مليون كيلوجرام بقيمة تقارب 6 ملايين دولار.

 

وبناءً على ذلك، يرى منتقدون للسيسي أن استمرار هذه التجارة، بالتزامن مع إزالة الأشجار، يطرح سؤالًا سياسيًا عن أولوية العائد التجاري على حساب البيئة والمصلحة العامة، خصوصًا في ظل الحرب في غزة.

 

لكن الاتهام الذي يطرحه هؤلاء النشطاء يتجاوز الأرقام التجارية نفسها: فهم يحملون السيسي والنظام الذي يرأسه المسؤولية السياسية عن استمرار هذه السياسات، باعتبار أن القرارات الكبرى المتعلقة بالأراضي العامة، والمحاور، والأشجار، والتصدير، والسياسة التجارية تقع في النهاية ضمن منظومة السلطة التي يترأسها.

فتحي أبو حطب: هل تتعمد مصر إخفاء حجم صادرات الفحم؟

 

وسأل الصحفي فتحي أبو حطب @FathyAbouhatab ما يتعلق بالبيانات الرسمية المصرية، متسائلًا عما إذا كانت مصر تتعمد إخفاء الحجم الحقيقي لصادراتها من الفحم.

وكتب، "هل تتعمد مصر إخفاء الحجم الفعلي لصادراتها من الفحم النباتي؟" ثم أشار إلى ما عرضه نشأت الديهي من وجود اختلاف بين الأرقام المصرية الرسمية وبين الأرقام التي تسجلها الدول المستوردة، ومنها الأردن و"إسرائيل" واليونان، سواء بالنسبة إلى الفحم أو منتجات أخرى.

 

وهنا يتحول الاتهام من مجرد إهدار الأشجار إلى اتهام أوسع للسلطة المصرية يتعلق بالشفافية: لماذا توجد فروق بين بيانات الدولة المصدرة وبيانات الدول المستوردة؟ وهل الأمر مجرد اختلاف في طرق التسجيل والتوقيت والتصنيف التجاري، أم أن هناك بالفعل صادرات لا تظهر كاملة في البيانات المصرية؟

 

المراقبون المنتقدون للسلطة يرون أن المسؤولية السياسية في هذه الحالة تقع على عاتق نظام السيسي، لأن الدولة هي التي تمتلك الأجهزة الجمركية والإحصائية والوزارات والجهات الرقابية القادرة على كشف المسار الكامل للأخشاب والفحم.

أين ذهبت الأشجار؟

 

وفي النقاش نفسه، ركزت الإعلامية رانيا بدوي @RaniaBadawy على السؤال المتعلق بمصير الأخشاب التي تنتج عن عمليات قطع الأشجار.

وطرحت أسئلة من بينها: أين ذهبت الأخشاب؟ ومن تسلمها؟ وهل تم بيعها في مزادات؟ ومن رسا عليه المزاد؟ وهل وصلت في النهاية إلى مصانع إنتاج الفحم؟

 

هذه الأسئلة يستخدمها المنتقدون للسلطة باعتبارها مدخلًا لتحديد المسؤولية الاقتصادية والإدارية عن عملية قطع الأشجار.

 

فوفق هذا الطرح، لا يكفي أن تقول الدولة إن الأشجار قُطعت لأسباب تتعلق بالمشروعات أو الطرق أو إعادة التخطيط الحضري؛ بل يجب أن تكشف المصير التجاري لكل كمية من الأخشاب الناتجة عن عمليات القطع.

 

ومن هنا يأتي الاتهام الموجه إلى نظام السيسي: أن غياب الكشف التفصيلي عن سلسلة ملكية الأخشاب ومصيرها يسمح، بحسب هؤلاء، بإخفاء المستفيدين الحقيقيين من عملية تحويل الأشجار العامة إلى سلعة.

والكمية ترتفع

 

الجانب الأكثر أهمية في الاتهامات المتداولة هو أن تصدير الفحم المصري إلى الكيان ليس مجرد ادعاء من النشطاء.

 

بيانات التجارة الدولية تسجل بالفعل واردات صهيونية من الفحم الخشبي المصري، مع ارتفاع الكميات المسجلة بين 2022 و2024.

 

وبحسب بيانات WITS/UN Comtrade، سجلت تل أبيب واردات من مصر في 2024 بنحو 7.917 مليون كيلوجرام بقيمة تقارب 5.998 مليون دولار.

 

وفي 2022 كانت الكمية نحو 5.489 مليون كيلوجرام، ثم ارتفعت في 2023 إلى نحو 6.060 مليون كيلوجرام.

 

 

 

https://wits.worldbank.org/trade/comtrade/en/country/ISR/year/2024/tradeflow/Imports/partner/EGY/product/440200

 

 

وهذا الارتفاع هو الذي يستند إليه النشطاء في القول "إن القضية ليست مجرد عملية تجارية هامشية، وإنما تجارة شهدت نموًا في الفترة التي سبقت واستمرت خلالها حرب غزة".

لكنه لا يفعل

ولا يتم التعامل مع هذه التجارة باعتبارها قرارًا صادرًا عن شركة خاصة فحسب، فالاتهام الموجه إلى السيسي هو أن السيسي يمتلك السلطة السياسية الكافية لإيقاف أو تقييد صادرات يرى أنها تتعارض مع المصلحة المصرية أو مع الموقف الشعبي من الاحتلال الصهيوني وأن استمرارها يعني، في نظر هؤلاء، قبول النظام بها.

 

ويذهب بعض النشطاء إلى اعتبار استمرار التجارة بعد 7 أكتوبر 2023 وبعد الحرب الصهيونية على غزة دليلًا على أن الأولوية لدى النظام هي المصالح الاقتصادية والعلاقات التجارية مع الكيان، وليس الاعتبارات الأخلاقية أو الشعبية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

 

وهذه، مرة أخرى، قراءة سياسية للوقائع وليست حكمًا قضائيًا، لكنها تمثل جوهر الاتهام الذي يوجهه هؤلاء النشطاء إلى السيسي.

مكافأة للكيان

 

واعتبار زيادة التجارة المصرية الصهيونية، أو استمرارها، نوعًا من "المكافأة الاقتصادية للاحتلال" في الوقت الذي كانت فيه الحرب على غزة مستمرة.

 

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن القاهرة كان بإمكانها تقليل أو وقف بعض صور التجارة مع الكيان، خصوصًا المنتجات التي لا تمثل ضرورة استراتيجية للاقتصاد المصري، لكن النظام اختار، بحسب وصفهم، الإبقاء على العلاقات التجارية بل وتوسيعها.

 

وفي هذا السياق، يستشهدون بارتفاع إجمالي الصادرات المصرية إلى الكيان الصهيوني  من نحو 284 مليون دولار في 2024 إلى نحو 304 ملايين دولار في 2025 وفق بيانات التجارة الدولية المتاحة.

 

لكن من المهم التفريق بين زيادة إجمالي التجارة وبين زيادة صادرات الفحم تحديدًا. فلا توجد، في البيانات المتاحة التي تسمح بالجزم بذلك، قرينة كافية على أن الزيادة الإجمالية في 2025 كانت بسبب الفحم.

والقول إن صادرات مصر إلى الكيان في 2024 بلغت 145 مليون دولار غير دقيق؛ الرقم البالغ نحو 145 مليون دولار يرتبط بعام 2023 في بيانات التجارة المتاحة.

 

أما عام 2024، فتظهر بيانات UN Comtrade قيمة صادرات مصر إلى الاحتلال عند نحو 284 مليون دولار، فيما تقترب قيمة 2025 من 304 ملايين دولار.

 

https://tradingeconomics.com/egypt/exports/israel

 

 

وبالتالي، فإن وصف الانتقال من 145 مليون دولار إلى 307 ملايين دولار بأنه «تضاعف في 2025» يخلط بين عامي 2023 و2024.

 

بعض المنشورات تتهم نظام السيسي بأنه يصدر الفحم إلى الكيان بأسعار منخفضة بصورة غير مبررة، بما يجعل مصر تتحمل التكلفة البيئية بينما يحصل المستورد على المنتج بسعر منخفض.

 

لكن مجرد مقارنة قيمة الصادرات بالوزن لا تكفي لإثبات أن مصر تبيع «بأقل الأسعار العالمية»، لأن أسعار الفحم تختلف حسب النوع والجودة والرطوبة والتعبئة وشروط النقل والتسليم.

 

لذلك فإن الاتهام الأدق صحفيًا هو: النشطاء يطالبون بالكشف عن سعر بيع الفحم المصري للكيان ومقارنته بسعر صادرات مصر إلى الدول الأخرى وبأسعار المنافسين في الأسواق العالمية.

 

إذا ثبت وجود فرق كبير وغير مبرر في الأسعار، فسيصبح السؤال أكثر خطورة: من المستفيد من هذا الفارق؟

وفي 2024، تسجل البيانات الصهيونية  واردات من مصر بنحو 7.92 مليون كيلوجرام من الفحم الخشبي بقيمة تقارب 6 ملايين دولار، بينما تظهر البيانات المصرية أرقامًا أقل بكثير لصادرات الفحم إلى الكيان

 

https://wits.worldbank.org/trade/comtrade/en/country/EGY/year/2024/tradeflow/Exports/partner/ALL/product/440200

 

 

هذه الفجوة تستحق تفسيرًا رسميًا من الحكومة المصرية لا يظهر في الاعلام المحلي والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة من الجهات المصرية هو: لماذا تختلف الأرقام، وأي رقم يعكس الكميات الفعلية التي غادرت الأراضي المصرية؟

الأشجار المصرية تتحول إلى دولار  من الكيان

ويحمّل المراقبون عبد الفتاح السيسي شخصيًا المسؤولية السياسية عن استمرار المنظومة، باعتباره رأس السلطة التنفيذية وصاحب القرار السياسي الأعلى في الدولة، ويرون أن استمرار قطع الأشجار وتجارة الأخشاب والفحم لا يمكن فصله عن طبيعة السياسات الاقتصادية التي يتبناها النظام.

 

لكن الحلقة التي لا تزال تحتاج إلى وثائق حاسمة هي: هل الأشجار التي قُطعت في القاهرة والمدن المصرية هي بالفعل المصدر المباشر للفحم الذي وصل إلى تل ابيب؟

ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن استمرار التجارة يمثل انحيازًا للمصالح الاقتصادية والعلاقات مع الكيان على حساب البيئة المصرية والموقف الشعبي من الحرب في غزة، فيما يطرح آخرون شبهة وجود تفاوت أو غموض في بيانات الصادرات الرسمية.

والاتهام في جوهره ليس أن مصر فقط تبيع الفحم للكيان فحسب؛ بل أن الدولة، بحسب رواية منتقدي السيسي، تقوم بتجريد المدن المصرية من الأشجار التي توفر الظل وتخفف الحرارة، ثم تسمح بتحويل هذه الأشجار إلى قيمة مالية، بينما يذهب جزء من المنتج النهائي إلى الاحتلال.