أكبر ثالث دولة دائنة.. تضخم فاتورة القروض الصينية من 332 مليون دولار إلى 9.9 مليار$

- ‎فيتقارير

تكشف المقارنة بين نهاية 2015 ونهاية 2025 عن تحول كبير في طبيعة العلاقة التمويلية بين مصر والصين، فبعدما كان الدين الصيني لمصر محدودًا عند نحو 332 مليون دولار قبل زيارة شي جين بينغ الأولى إلى القاهرة، أصبحت الصين بعد 10 سنوات ثالث أكبر دولة دائنة لمصر، برصيد يبلغ نحو 9.9 مليار دولار.

 

وخلال هذه السنوات، انتقل التمويل الصيني من مجرد دعم للسيولة واحتياطي النقد الأجنبي إلى تمويل واسع لمشروعات البنية التحتية، خصوصًا العاصمة الإدارية والقطار الكهربائي وشبكات الكهرباء، إلى جانب تمويل البنك المركزي والبنوك الحكومية وإصدار سندات باليوان.

 

وبينما وفرت هذه القروض لمصر مصادر تمويل لمشروعات كبرى وسيولة أجنبية في فترات شهدت ضغوطًا على الاقتصاد، فإن نمو رصيد الدين الصيني يضيف التزامات جديدة إلى إجمالي الدين الخارجي، خصوصًا مع استمرار اللجوء إلى قروض جديدة لتمويل مراحل لاحقة من المشروعات القائمة.

قبل أكثر من عشر سنوات، وتحديدًا في 23 يناير 2016، استقبل عبد الفتاح السيسي نظيره الصيني شي جين بينغ في القاهرة، في زيارة جاءت بالتزامن مع احتفال البلدين بمرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.

وكانت مصر آنذاك تواجه أزمة حادة في العملة الأجنبية، بينما كانت احتياطيات النقد الأجنبي تحت ضغوط كبيرة، لتفتح الزيارة الباب أمام سلسلة من اتفاقيات التمويل والتسهيلات الصينية التي وفرت لمصر سيولة دولارية ويُسرًا في الحصول على تمويل لمشروعات البنية التحتية.

 

في نهاية عام 2015، وقبل زيارة الرئيس الصيني، كان إجمالي الديون الصينية المستحقة على مصر لا يتجاوز نحو 332 مليون دولار، لكن بعد عقد من الاتفاقيات والقروض والتسهيلات ومشروعات البنية التحتية والسندات المقومة باليوان، ارتفع حجم الالتزامات المستحقة للصين إلى نحو 9.9 مليار دولار بنهاية عام 2025، وفق أحدث بيانات للبنك المركزي المصري، وبذلك أصبحت الصين، بحسب هذه البيانات، ثالث أكبر دولة دائنة لمصر.

خريطة الدين الصيني

 

لم تكن قروض عام 2016 مجرد تمويل لمشروع واحد، وإنما شكلت بداية توسع كبير في أدوات التمويل الصينية لمصر، وخلال زيارة شي جين بينغ، وقعت القاهرة وبكين اتفاقيات لتوفير السيولة ودعم احتياطي النقد الأجنبي، من بينها تسهيل بقيمة مليار دولار من بنك التنمية الصيني لصالح البنك المركزي المصري، بهدف مواجهة ضغوط السيولة والمساعدة في دعم استقرار الاقتصاد الكلي.

 

وفي العام نفسه، وقّع البنك المركزي المصري اتفاقية لمبادلة العملات مع البنك المركزي الصيني لمدة 3 سنوات، وبحسب دراسة لمختبر الأبحاث «AidData» التابع لجامعة «ويليام آند ماري»، جرى أول سحب فعلي من الاتفاقية بقيمة 2.8 مليار دولار في عام 2017، واستمرت عمليات السحب خلال السنوات التالية حتى بلغ السحب نحو 2.6 مليار دولار في 2023.

 

وتكشف دراسة «AidData» أن التمويل التنموي الصيني لمصر بلغ 16.9 مليار دولار خلال الفترة من 2000 إلى 2023، من خلال 132 مشروعًا ونشاطًا في صورة قروض ومنح قدمتها مؤسسات وجهات رسمية صينية، والأهم أن 93% من إجمالي هذا التمويل جاء خلال الفترة من 2014 إلى 2023، أي خلال السنوات التي شهدت توسع العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين وانضمام مصر إلى مبادرة «الحزام والطريق».

مليارات صينية لتمويل الأبراج

كان مشروع العاصمة الإدارية الجديدة أحد أبرز المستفيدين من التمويل الصيني، خصوصًا في قطاعات الإنشاءات والنقل والطاقة. ففي عام 2019، اتفقت وزارة الإسكان، نيابة عن هيئة المجتمعات العمرانية، مع مجموعة من البنوك الصينية بقيادة البنك الصناعي والتجاري الصيني «ICBC» على تمويل بقيمة 3 مليارات دولار، يغطي 85% من تكلفة إنشاء 20 برجًا في العاصمة الإدارية الجديدة، بينها البرج الأيقوني الذي تنفذه شركة «CSCEC» الصينية.

 

وكان من المفترض سداد التمويل على مدى 10 سنوات، بينما تحملت وزارة الإسكان 15% من تكلفة إنشاء الأبراج. ومع تأخر صرف الشريحة الأولى من القرض، والبالغة 834 مليون دولار، قدمت وزارة الإسكان في نوفمبر 2019 نحو 7 مليارات جنيه لضمان استمرار تنفيذ المشروع، وفق ما أورده التقرير.

 

ولم يقتصر التمويل الصيني على الأبراج، ففي عام 2017 حصلت الشركة المصرية لنقل الكهرباء على قرض صيني بقيمة 734 مليون دولار لتمويل خطوط نقل كهرباء بجهد 500 كيلوفولت، ضمن مشروع استهدف إنشاء خطوط بطول 1210 كيلومترات لاستيعاب ونقل إنتاج محطات الكهرباء الجديدة، بما في ذلك الربط الكهربائي بمحطة العاصمة الإدارية.

سلسلة قروض صينية تمتد حتى 2025

 

يمثل مشروع القطار الكهربائي الخفيف «LRT» واحدًا من أوضح نماذج اعتماد مشروعات النقل المصرية على التمويل الصيني. فمنذ عام 2017، دخلت الهيئة القومية للأنفاق في اتفاق مع تحالف يضم شركة هندسة السكك الحديدية الصينية وشركة «أفيك» الدولية القابضة لتنفيذ المشروع الذي يربط محطة عدلي منصور بالعاصمة الإدارية الجديدة.

 

وخلال السنوات التالية، صدرت عدة قرارات جمهورية للحصول على قروض صينية لتمويل مراحل المشروع. ففي عام 2018 صدر القرار الجمهوري رقم 496 بقرض قيمته 4.604 مليار يوان صيني، بما يعادل نحو 696 مليون دولار في ذلك الوقت، من بنك التصدير والاستيراد الصيني، لتمويل مشروعات السكك الحديدية. وفي العام نفسه صدر القرار رقم 497 للحصول على قرض آخر بقيمة 350 مليون يوان، بما يعادل نحو 52.9 مليون دولار.

 

وفي 2019، حصلت مصر بموجب القرار الجمهوري رقم 661 على قرض جديد من بنك التصدير والاستيراد الصيني بقيمة 461 مليون دولار، على أن يتم سداده باليوان الصيني، لتمويل المرحلة الثانية من مشروع القطار الكهربائي الخفيف.

 

ومكنت هذه التمويلات من تنفيذ محطات على مسار القطار تشمل عدلي منصور والعبور والمستقبل والشروق وبدر ومطار العاصمة ومدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة.
 

2024 و2025.. الاقتراض يستمر

لم تتوقف القروض الصينية عند المرحلتين الأولى والثانية من المشروع، ففي عام 2024 صدر القرار الجمهوري رقم 652 للحصول على قرض صيني بقيمة 1.465 مليار يوان، بما يعادل نحو 205.7 مليون دولار، لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف.

 

وفي عام 2025 صدر القرار الجمهوري رقم 479 للحصول على قرض صيني جديد بقيمة 200 مليون دولار لتمويل المرحلة نفسها، ثم صدرا القراران رقما 480 و481 للحصول على قرضين إضافيين من بنك التصدير والاستيراد الصيني بقيمة 42 مليون دولار و90 مليون دولار على التوالي.

 

وتستهدف هذه التمويلات استكمال محطات المرحلة الثالثة في العاصمة الإدارية، ومنها محطات كاتدرائية الميلاد والقيادة الاستراتيجية والمدينة الرياضية والمحطة المركزية، في مشروع تنفذه شركات مقاولات صينية.

 

وبالتزامن مع زيارة شي جين بينغ إلى مصر في 2026، أورد موقع «اقتصاد الشرق مع بلومبرج» أن القاهرة تستعد لتوقيع اتفاقيتين جديدتين مع الصين بقيمة إجمالية تقدر بنحو 665 مليون دولار، لاستكمال أعمال وتوسعات مشروع القطار الكهربائي الخفيف.

لا تموّل المشروعات فقط.. بل تدعم السيولة المصرفية

 

توسع الاعتماد المصري على الصين لم يقتصر على تمويل البنية التحتية، فقد قدم بنك التنمية الصيني أكثر من 4.5 مليار دولار في تمويلات، منها نحو 2.9 مليار دولار في صورة قروض للبنك المركزي المصري والبنوك الحكومية والشركة المصرفية العربية الدولية «SAIB»  بحسب رصد "متصدقش."

 

ومن بين هذه التمويلات قرض بقيمة 989 مليون دولار حصل عليه البنك المركزي في عام 2023، وصُنف ضمن قطاع الدعم العام للموازنة، إضافة إلى تسهيلات وقروض مصرفية لبنك مصر والشركة المصرفية العربية الدولية بهدف توفير السيولة والعملة الأجنبية.

 

وفي أواخر عام 2023، اتجهت مصر إلى أداة تمويل صينية أخرى بإصدار سندات «باندا» مقومة باليوان الصيني لمدة 3 سنوات، بقيمة 3.5 مليار يوان، بما يعادل نحو 479 مليون دولار وقت الإصدار، لتمويل مشروعات وأولويات حكومية.

ولا تنتهي فاتورة الاقتراض عند رصيد نهاية 2025، المقدر ب9.9 مليار فوفق بيانات البنك المركزي، تستحق على مصر في 17 أكتوبر 2026 دفعة مرتبطة بسندات «باندا» والفوائد المستحقة عليها بقيمة إجمالية تبلغ 517.41 مليون دولار.

 

كما تكشف بيانات البنك المركزي عن ارتفاع وزن اليوان الصيني داخل محفظة الدين الخارجي المصري. فقد بلغ رصيد الالتزامات المقومة باليوان نحو 41.34 مليار يوان بنهاية ديسمبر 2025، بما يعادل نحو 5.91 مليار دولار، وهو ما يمثل 3.6% من إجمالي محفظة الدين الخارجي، مسجلًا زيادة بنسبة 72.15% خلال 3 سنوات فقط.

 

ولفتت منصة  حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats إلى  أن تريليون و40 مليار جنيه زيادة في الاقتراض خلال شهر واحد فقط،  مضيفة، "في بلدٍ يئنّ فيه الناس تحت الفقر والغلاء، ولا يجد الملايين قوت يومهم، وتنهار الخدمات أمام أعينهم، يواصل نظام السيسي ابتلاع مليارات الدولارات من الديون والاقتراض وكأن خزينة مصر بلا قاع".

وتساءلت "أين تذهب كل هذه الأموال؟  لا خدمات تليق بها، ولا إنتاج يبررها، ولا حياة أفضل للمصريين، هذه ليست إدارة دولة، و ليس مجرد عجز في الإدارة، هذه سرقة فجة و فسادٌ واستنزافٌ ممنهج لمال المصريين، ونهب لا يجوز الصمت عنها ومن حق الشعب المصري الذي أُفقر  أن يسأل السيسي وحكومته:  أين ذهبت أمواله؟  ومن استفاد من هذا النزيف؟   ومن سيحاسب؟".