البكالوريا المصرية.. طلاب في مواجهة منهج جديد ومعلمون يشكون من صعوبة المناهج “التدريب المتأخر”

- ‎فيتقارير

لم تُمنح الطالبة سلمى مصطفى فرصة حقيقية للاختيار بين نظام الثانوية العامة التقليدي ونظام البكالوريا المصرية، بعدما أعلنت المدرسة الخاصة التي تدرس بها، وتضم عدة مراحل تعليمية بمنطقة حدائق أكتوبر في الجيزة، مطلع العام الماضي، أنها لن تتمكن من توفير فصول لطلاب الثانوية العامة بالنظام القديم، وأنها ستدرّس نظام البكالوريا فقط.

وجدت سلمى وأسرتها نفسيهما أمام خيار واحد، فالتحقت بنظام البكالوريا، خصوصًا بعدما أقنعها أحد مدرسيها، الذي تثق في مشورته، بأن المستقبل سيكون لهذا النظام الجديد، لما يتيحه من خيارات أكثر وفرص متعددة لتحسين الدرجات.

لكن بعد بدء التعرف على المناهج، بدأت مخاوف سلمى تتزايد، خاصة بعدما أصبح المدرس نفسه ينتقد بعض جوانب المنهج الجديد.

تقول سلمى: «الأول كنت مقتنعة بنظام البكالوريا، نظام جديد بعدد مواد أقل، وفرص أفضل لتحسين الدرجات. دلوقتي حاسة إن المواد صعبة بعد ما شفتها على موقع الوزارة، ومع إني واخدة إنجليزي إضافي، بس حاسة المنهج ده أعلى من مستوى اللغة عندي».

وسلمى واحدة من نحو 832 ألف طالب مصري التحقوا بنظام البكالوريا خلال العام الدراسي الماضي، بحسب البيانات المتداولة عن أعداد الملتحقين بالنظام الجديد، الذي طُرح باعتباره بديلًا اختياريًا لنظام الثانوية العامة.

لكن مستقبل هؤلاء الطلاب أصبح محل قلق، مع شكاوى من بعض المدرسين بشأن توقيت إتاحة المناهج ومدى كفاية التدريب عليها، إلى جانب انتقادات تتعلق بمدى ملاءمة بعض محتوياتها لما تلقاه الطلاب خلال سنوات التعليم السابقة.

 

95% اختاروا البكالوريا

البكالوريا المصرية نظام اختياري بديل لنظام الثانوية العامة التقليدي، واستُحدث بعد اعتماد مجلس النواب مشروع تعديلات قانون التعليم.

وفي الصف الأول من البكالوريا، يدرس الطلاب 6 مواد أساسية هي: اللغة العربية، واللغة الأجنبية الثانية، والتاريخ المصري، والفلسفة والمنطق، والرياضيات، والعلوم المتكاملة.

أما في الصف الثاني، فيبدأ الطالب التخصص في واحد من أربعة مسارات: الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، وإدارة الأعمال، والآداب والفنون، مع إمكانية التبديل بين المسارات.

ويدرس الطالب في الصف الثاني مواد أساسية مشتركة، هي اللغة العربية والتاريخ واللغة الأجنبية الأولى، إلى جانب مادة تخصصية وفق المسار.

وفي مسار الطب وعلوم الحياة، يختار الطالب بين الرياضيات والفيزياء، بينما يختار طالب الهندسة وعلوم الحاسب بين الكيمياء والبرمجة، وطالب مسار الأعمال بين المحاسبة وإدارة الأعمال، وطالب الآداب والفنون بين علم النفس واللغة الأجنبية الثانية.

وبحسب تصريحات لقيادات في وزارة التربية والتعليم، اختار نحو 95% من الطلاب المتقدمين للمرحلة الثانوية نظام البكالوريا بدلًا من الثانوية العامة التقليدية، وسط شكاوى من طلاب وأولياء أمور قالوا إن بعضهم وجد نفسه مضطرًا إلى اختيار النظام الجديد خلال العام الماضي.

وفي الصف الثالث، يدرس الطلاب مادة التربية الدينية خارج المجموع، مع اشتراط نسبة نجاح لا تقل عن 70%، إلى جانب مواد التخصص.

ويضم مسار الطب وعلوم الحياة الأحياء والكيمياء، ومسار الهندسة وعلوم الحاسب الرياضيات والفيزياء، بينما يدرس طلاب مسار الأعمال الاقتصاد والرياضيات، وطلاب مسار الآداب والفنون الجغرافيا والإحصاء.

 

منهج اللحظة الأخيرة

لا تقتصر المخاوف على الطلاب، إذ يشكو معلمون أيضًا من ضيق الوقت الذي أتيح لهم للتعرف على المناهج الجديدة والاستعداد لتدريسها.

تقول مريم حمدي، مدرسة اللغة الإنجليزية: «مش ممكن المدرس يقدر يستوعب منهج كامل ويبقى فاهمه كويس ويقدر يشرحه للطلبة في 23 يوم بس».

وترى مريم أن الحديث عن تطوير التعليم الثانوي أغفل، في رأيها، أحد أهم عناصر العملية التعليمية، وهو المعلم.

وتقول إن بعض المدرسين سمعوا أن شركات الكتب الخارجية والملخصات حصلت على المناهج قبل وصولها إلى المعلمين بفترة مناسبة.

وفي المقابل، أعلنت وزارة التربية والتعليم تدشين برنامج "سفراء البكالوريا" لتدريب المعلمين على المناهج الجديدة، واستهدف البرنامج قرابة ألف قيادة تعليمية، بهدف نقل الخبرات إلى زملائهم داخل المديريات والإدارات التعليمية بمختلف المحافظات. كما توسع التدريب ليشمل معلمين في 15 أغسطس، أي قبل انطلاق الدراسة بأقل من شهر.

لكن مريم ترى أن أعداد المعلمين الذين حصلوا على التدريب لم تكن كافية، مشيرة إلى أن مدرستها، الواقعة في مركز طوخ بمحافظة القليوبية، لم يصلها التدريب حتى ذلك الوقت، مضيفة : «حتى اللي حضروا التدريب اشتكوا من سرعته وما قدروش يطّلعوا على المناهج اللي اتدربوا عليها».

ويعتبر الخبير التربوي الدكتور محمد خليل موسى أن عدم جاهزية بعض المعلمين بالشكل الكافي لتدريس المناهج الجديدة يمثل أحد التحديات التي صاحبت تطبيق النظام.

 

تدريب على الفلسفة أكثر من المنهج

ولا تتعلق المشكلة، بحسب المعلمين، بمدة التدريب فقط، وإنما بمحتواه أيضًا. تقول مريم إن المنهج الجديد في اللغة الإنجليزية أعلى من مستوى بعض الطلاب والمعلمين الذين لم يتلقوا تدريبًا تدريجيًا على طبيعة المهارات المطلوبة.

وتوضح: «المنهج مناسب لخريجي مدارس اللغات، لأنهم درسوا اللغة واتدربوا عليها، وهو مختلف تمامًا عن اللي درسه الطلاب قبل كده»، مضيفة أن المنهج طويل، ويضم كتابين مقسمين إلى 10 مفاهيم أو وحدات، إلى جانب القصة.

ويتفق مع هذا الطرح هيثم السيد، مدرس اللغة الإنجليزية، الذي نشر عبر حسابه على فيسبوك أسباب اعتذاره لطلابه عن تدريس منهج البكالوريا.

وأوضح أن المنهج يختلف عن الصورة التقليدية التي اعتاد عليها الطلاب في مناهج اللغة الإنجليزية بالتعليم الحكومي، مشيرًا إلى أن الاختلاف لا يتعلق بالصعوبة اللغوية وحدها، وإنما بطبيعة التطبيق وطريقة التفكير التي يتطلبها المنهج الجديد.

ويرى أن الكتاب يركز على مهارات مثل الشرح والتحليل والمقارنة والاستدلال بالأدلة، وهي مهارات تتطلب من الطالب أن يفكر باللغة الإنجليزية، بينما لم تكن مسيرته التعليمية السابقة قائمة على تأهيله بصورة تدريجية لممارسة هذه المهارات.

 

معلمو العلوم أيضًا في مواجهة المنهج الجديد

لا تقتصر الانتقادات على اللغة الإنجليزية، إذ يواجه معلمو المواد العلمية بدورهم تحديات تتعلق بحجم المناهج وطريقة الانتقال إليها.

يقول أحمد فاروق، مدرس الكيمياء بالمرحلة الثانوية: «المدرسين كانوا محتاجين على الأقل 3 أشهر لاستيعاب المواد الجديدة».

ويعمل فاروق في إحدى مدارس منطقة روض الفرج بالقاهرة، وحصل على تدريب تمهيدي حول البكالوريا وموادها الجديدة، لكنه يرى أن التدريب لم يكن كافيًا.

ويقول: «المحاضر ركز أكتر على شرح مزايا البكالوريا، وفلسفة منهج الكيميا في النظام الجديد مش محتوى المنهج».

ويتفق الخبير التربوي محمد موسى مع هذا التقييم، موضحًا أن بعض المواد، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية والعلوم، تتضمن تشعبات كثيرة تحتاج إلى وقت كافٍ للتدريب والاستيعاب.

ويشير موسى إلى أن عددًا من المستشارين التربويين اقترحوا توزيع المناهج على عامين دراسيين، بحيث يتم تدريسها على مدار الصفين الثاني والثالث الثانوي، بدلًا من ضغط هذا الحجم من المحتوى في عام دراسي واحد.

ومع ذلك، يرى موسى أن النظام الجديد يتضمن جوانب إيجابية، خصوصًا تركيزه على مهارات التحليل والتفكير النقدي، وتنمية التفكير المنظم والمنطقي لدى الطلاب، فضلًا عن إتاحة فرص متعددة لخوض الاختبارات وتحسين الدرجات، بما يصل إلى أربع مرات، وهو ما يمكن أن يقلل الضغوط المرتبطة بالاختبار الواحد.

 

"العلوم المتكاملة".. انتقال مفاجئ إلى التخصص

أصبحت إعادة الاختبار أكثر من مرة إحدى الأدوات التي تُراهن عليها الوزارة في مواجهة صعوبة المواد والضغط النفسي المرتبط بالامتحانات.

وفي نظام البكالوريا، يدرس الطلاب في الصف الأول مادة «العلوم المتكاملة»، وهي مادة تجمع فروعًا مختلفة من العلوم، بينها الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والأحياء، قبل الانتقال إلى مواد التخصص بداية من الصف الثاني.

لكن هذا الانتقال يثير مخاوف لدى بعض المعلمين. يقول أحمد فاروق: «المنهج ضخم وثقيل والطالب غير مؤهل له».

ويوضح أن الطالب يدرس في البداية «العلوم المتكاملة» التي يرى أنها تقدم قدرًا من المعرفة العامة في فروع العلوم، ثم يجد نفسه أمام مناهج أكثر تخصصًا وعمقًا، مثل الكيمياء.

ويرى فاروق أن أحد أسباب تصميم النظام بهذه الصورة يرتبط بمحاولة الوزارة التعامل مع أزمة نقص المعلمين في المدارس، إذ أصبح مدرسو الفروع العلمية، ومنها الجيولوجيا وعلوم البيئة، يشاركون في تدريس العلوم المتكاملة، بينما يتفرغ مدرسو الكيمياء والأحياء والفيزياء لمواد التخصص.

لكن إبراهيم الحسيني، مدرس العلوم المتكاملة والكيمياء، يختلف مع هذا التقييم، ويوضح: «رغم إنه تقيل، بس طبيعة استيعاب الطلاب تختلف من طالب للتاني، وكمان عدد المواد اللي بيدرسها الطالب أقل بكتير من مواد الثانوية العامة، لذلك فإن طول المنهج مبرر لأن الطالب متفرغ لمواد أقل».

 

أعباء اقتصادية تثير القلق

لم تتوقف المخاوف عند الجوانب الأكاديمية والتربوية، وإنما امتدت إلى التكلفة الاقتصادية المحتملة على الأسر.

فقد تقدم النائب سمير البيومي، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم، بشأن ما وصفه بحالة من الغموض والتخبط التي تحيط بتطبيق نظام «البكالوريا المصرية»، وما تثيره من قلق لدى الطلاب وأولياء الأمور.

وتساءل النائب عن مدى جاهزية وزارة التربية والتعليم لتطبيق النظام الجديد، محذرًا من أعباء اقتصادية محتملة على الأسر، خاصة مع بدء بعض المنصات التعليمية الإعلان عن دروس لمواد جديدة ضمن مناهج البكالوريا، بينها البرمجة والذكاء الاصطناعي.

ويثير ذلك مخاوف من أن يتحول النظام الذي يفترض أن يخفف الأعباء عن الطلاب إلى مصدر جديد للإنفاق على الدروس والمنصات التعليمية.

 

الانتقال لا يمكن أن يحدث فجأة

ويرى كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية والخبير في شئون التعليم، أن تطبيق نظام البكالوريا المصرية بهذه السرعة، ومن دون فترة انتقالية كافية، يمثل إشكالية تربوية، خصوصًا مع اختلاف فلسفة المناهج الجديدة وطرق التعلم عن النظام الذي اعتاد عليه الطلاب.

ويقول مغيث: «الانتقال من نظام يعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين إلى آخر يقوم على التحليل والتفكير النقدي لا يمكن أن يحدث فجأة، ويحتاج إلى إعداد تدريجي للطلاب والمعلمين معًا».

وينتقد مغيث ما يصفه باتخاذ قرارات تعليمية كبرى من دون إعداد أو نقاش مجتمعي وتربوي كافٍ، مستشهدًا بتجربة تطبيق التابلت في المرحلة الثانوية، التي يقول إن الدولة أنفقت عليها عشرات المليارات من الجنيهات قبل أن تنتهي، بحسب تقييمه، إلى نتائج لم تحقق الأهداف المعلنة.

ويضيف: «التعليم الجيد يحتاج إلى مدرس متفرغ وراضٍ عن مهنته ويتقاضى دخلًا مناسبًا، لكننا نعاني من مشكلات كبيرة، منها ضعف الإنفاق على التعليم وارتفاع الكثافات الطلابية وعدم إعداد المعلمين بالشكل الكافي للتعامل مع المناهج الجديدة».

 

بين وعود التطوير ومخاوف التجربة

تقدم وزارة التربية والتعليم نظام البكالوريا بوصفه محاولة لتطوير التعليم الثانوي، وتقليل عدد المواد التي يدرسها الطالب، وإتاحة مسارات تخصصية وفرص متعددة لتحسين الدرجات، إلى جانب التركيز على مهارات التفكير والتحليل بدلًا من الحفظ.

لكن تجربة الطلاب والمعلمين تكشف عن فجوة بين فلسفة النظام وآليات تطبيقه على الأرض، وفق شهادات المدرسين والخبراء الذين تحدثوا عن ضيق الوقت، وتأخر التدريب، وكثافة بعض المناهج، وعدم التدرج الكافي في الانتقال من نظام تعليمي تقليدي إلى فلسفة مختلفة في التعلم والتقييم.

وتضع هذه الفجوة نحو 832 ألف طالب أمام تجربة تعليمية جديدة، بينما تتحمل الأسر والمدارس والمعلمون تبعات نجاحها أو تعثرها.

ويبقى السؤال الأهم: هل حصل نظام البكالوريا المصرية على الوقت الكافي للاستعداد قبل أن يتحول طلابه إلى الجيل الأول الذي يخوض التجربة فعليًا؟ فالنجاح في تغيير اسم النظام أو تقليل عدد المواد لا يكفي وحده؛ إذ يظل المعلم، وقدرة الطالب على استيعاب المنهج، وجاهزية المدرسة، وتكلفة التعليم على الأسرة، عناصر أساسية في تحديد ما إذا كانت البكالوريا المصرية ستكون إصلاحًا حقيقيًا للتعليم الثانوي، أم تجربة جديدة يدفع الطلاب ثمن أخطاء تطبيقها.