يفرض التراجع المفاجئ في السيولة المحلية سؤالًا ملحًا حول وجهة أموال المصريين، في وقت تتغير فيه أنماط الادخار والاستثمار تحت ضغط التضخم وارتفاع الأسعار وتبدل أسعار الفائدة.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري تراجع السيولة المحلية بمؤشرها الواسع «M2» بنحو 68.9 مليار جنيه خلال يونيو الماضي، لتصل إلى نحو 15.262 تريليون جنيه، مقابل 15.331 تريليون جنيه في مايو، مسجلة بذلك أول انخفاض شهري منذ فبراير 2017.
ولا يعني هذا التراجع بالضرورة اختفاء الأموال أو خروجها من الجهاز المصرفي، إذ تكشف مكونات السيولة عن تحركات أكثر تعقيدًا بين النقد المتداول والودائع والأوعية الادخارية والاستثمارية المختلفة.
الكاش يتراجع.. والودائع تحت الطلب ترتفع
تكشف بيانات البنك المركزي أن النقد المتداول خارج البنوك انخفض بنحو 87.6 مليار جنيه خلال يونيو، في حين ارتفعت الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية بنحو 77.8 مليار جنيه.
وتشير هذه الحركة إلى عودة جزء من الأموال التي كانت موجودة في صورة نقدية خارج الجهاز المصرفي إلى الحسابات البنكية، بما يعكس تغيرًا في مكان الاحتفاظ بالأموال أكثر مما يعكس اختفاءها من الاقتصاد.
وتتكرر الصورة عند النظر إلى الودائع بالعملات الأجنبية، إذ ارتفعت قيمة الودائع الدولارية من 65.5 مليار دولار إلى 66.2 مليار دولار، بينما أدى تراجع سعر صرف الدولار إلى انخفاض قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه.
وبالتالي، فإن انخفاض مؤشر «M2» لا يعني بالضرورة انخفاض مدخرات المصريين بالقيمة نفسها، وإنما يعكس تحرك مكونات السيولة وتغير الطريقة التي يحتفظ بها الأفراد والمؤسسات بأموالهم.
الادخار المحلي عند مستويات متدنية
لكن حركة السيولة داخل الجهاز المصرفي لا تفسر وحدها الصورة الكاملة، إذ تكشف بيانات الادخار المحلي عن تراجع أكثر وضوحًا في قدرة الاقتصاد على تكوين مدخرات جديدة.
ووفق بيانات وزارة التخطيط، انخفض معدل الادخار المحلي خلال العام المالي 2024/2025 إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة 218 مليار جنيه، مقابل 6.1% بقيمة 848 مليار جنيه في العام المالي السابق، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 75% خلال عام واحد.
وحذر تقرير لمعهد التخطيط القومي من اتساع الفجوة بين الادخار والاستثمار المحلي، بما يزيد اعتماد الاقتصاد على مصادر التمويل الخارجية لتغطية احتياجاته الاستثمارية.
وأشار التقرير إلى أن الادخار المحلي كان يساهم بنحو 80% من تمويل الاستثمارات قبل عام 2011، قبل أن يتراجع إلى أدنى مستوى له خلال العام المالي 2024/2025.
كما أكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن معدل الادخار في مصر تراجع من نحو 10% إلى 1% من الناتج المحلي، واصفًا الوضع بأنه «في غاية الخطورة»، وداعيًا إلى جذب الاستثمارات الأجنبية التي تدعم التشغيل والإنتاج والتصدير بدلًا من الاعتماد على بيع الأصول.
وفي السياق نفسه، أشار البرلماني محمد فؤاد خلال يونيو الماضي إلى انخفاض معدل الادخار في مصر خلال السنوات الماضية من 15% إلى نحو 1%.
انخفاض الادخار لا يعني اختفاء الأموال
ويرى خبراء أن انخفاض معدل الادخار لا يعني بالضرورة أن المصريين تخلوا عن الاحتفاظ بأموالهم، وإنما يعكس في جانب منه تغيرًا في سلوك أصحاب المدخرات والوجهات التي يفضلون الاحتفاظ بأموالهم فيها.
ويقول الخبير المصرفي محمد عبدالعال إن المدخرات تتحرك بين أصول متعددة، تشمل الذهب والعقارات وأدوات الاستثمار، فضلًا عن توجيه جزء منها إلى شراء السلع أو الاستثمار المباشر.
ويشير إلى أن الشهادات مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك خلال فترات سابقة نجحت في جذب جانب من السيولة، إلا أن جزءًا من هذه الأموال كان يمثل «انتقالًا تكتيكيًا بين الأصول»، حيث اتجه بعض العملاء إلى الشهادات لفترة مؤقتة للاستفادة من العائد المرتفع، دون أن يعني ذلك تحولًا دائمًا إلى الادخار المصرفي التقليدي.
وهكذا، تبدو أموال المصريين في حالة حركة مستمرة بين النقد والودائع والذهب والعقارات والأوعية المصرفية والاستثمارات المختلفة، بحسب مستوى العائد والمخاطر وتوقعات التضخم.
البنوك تدخل سباقًا على المدخرات
في المقابل، تتصاعد المنافسة بين البنوك لجذب هذه الأموال والحفاظ عليها، خصوصًا مع طرح شهادات ادخار بعوائد ثابتة ومتغيرة وآجال مختلفة.
وبحسب بيانات منشورة في يوليو، طرح البنك الأهلي المصري شهادة متغيرة لمدة ثلاث سنوات بعائد سنوي يبلغ 19.5% يصرف شهريًا، بينما قدم بنك مصر شهادة مرتبطة بسعر الإيداع لدى البنك المركزي مضافًا إليه 0.25%.
كما طرحت بنوك أخرى شهادات بعوائد متغيرة تدور حول هذه المستويات، في محاولة للحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق الودائع.
وتعكس هذه المنتجات رغبة البنوك في تحقيق توازن بين جذب أموال العملاء وبين السيطرة على تكلفة الأموال، إذ تمنح الشهادات متغيرة العائد البنوك قدرة أكبر على إعادة تسعير العائد وفقًا لتحركات أسعار الفائدة.
ويرى إبراهيم عادل، محلل الاقتصاد الكلي والقطاع المالي بشركة مباشر تريد مصر، أن ارتفاع الأسعار قد يدفع بعض البنوك إلى تقديم عوائد أعلى نسبيًا للحفاظ على قدرتها التنافسية وحماية حصتها من سوق الودائع.
ويشير إلى أن زيادة الوعي المالي لدى المودعين جعلت شريحة أكبر منهم تقارن بين العوائد التي تقدمها البنوك، وهو ما يدفع المؤسسات المصرفية إلى مراجعة أسعار الفائدة على شهاداتها بصورة دورية.
لكن المنافسة لا تبدو متساوية بين جميع البنوك؛ فالمؤسسات التي تتمتع بمستويات سيولة مريحة قد لا تحتاج إلى رفع تكلفة الودائع، بينما تميل البنوك التي تواجه ضغوطًا على الودائع أو تسعى إلى توسيع قاعدة عملائها إلى تقديم عوائد أكثر جاذبية.
لماذا تحتاج البنوك إلى أموال المودعين؟
لا ترتبط المنافسة على المدخرات برغبة البنوك في زيادة الودائع فقط، وإنما ترتبط كذلك باحتياجاتها لتمويل النشاط الاقتصادي.
وترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن التوسع في الشهادات ذات العائد القريب من 20% يرتبط باشتداد المنافسة على السيولة، في ظل استمرار التضخم عند مستويات تجعل العملاء أكثر اهتمامًا بالأوعية الادخارية ذات العائد المرتفع., وتشير إلى أن الشهادات متغيرة العائد تمنح البنوك مساحة أكبر للتعامل مع تغيرات أسعار الفائدة.
كما أن ارتفاع الطلب على الائتمان من جانب الشركات، بالتزامن مع تحسن توافر النقد الأجنبي واستئناف استيراد مستلزمات الإنتاج، يزيد احتياجات البنوك إلى السيولة اللازمة لتمويل النشاط الاقتصادي.
وبذلك، تصبح المنافسة على أموال المودعين جزءًا من دورة الاقتصاد نفسها: فكلما ارتفع الطلب على التمويل، زادت أهمية امتلاك البنوك قاعدة مستقرة من الودائع.
تكلفة جذب المدخرات
لكن الحصول على هذه الأموال ليس بلا تكلفة. فرفع أسعار الفائدة على الشهادات والودائع يزيد تكلفة الأموال بالنسبة للبنوك، وقد يضغط بالتالي على هوامش ربحيتها.
ويرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي يمكن أن يمثل أحد البدائل التي تمنح البنوك مساحة أكبر لإدارة السيولة وتحسين العائد المقدم للعملاء, وكانت نسبة الاحتياطي الإلزامي قد خُفضت سابقًا إلى 16% بدلًا من 18%.
وتواجه البنوك بذلك معادلة دقيقة: تقديم عوائد جذابة تكفي لاستقطاب المدخرات، دون زيادة تكلفة الأموال إلى مستويات تؤثر سلبًا في أرباحها.
هل تعود شهادات الـ27%؟
ويبقى السؤال الأكثر إثارة في سوق الادخار: هل تعود الشهادات ذات العائد الاستثنائي؟
وكان بنكا الأهلي المصري ومصر قد أوقفا في وقت سابق شهادات العام مرتفعة العائد، بعدما جمعت شهادات بعائد 23.5% للصرف الشهري و27% للصرف السنوي أكثر من تريليون جنيه خلال نحو عام ونصف.
ويربط محمد عبدالعال إمكانية عودة شهادات السنة ذات العائد المرتفع بعودة الضغوط التضخمية أو تغير اتجاه السياسة النقدية، خصوصًا إذا أصبح العائد الحقيقي الذي تقدمه الشهادات الحالية أقل جاذبية للمودعين.
في المقابل، يستبعد الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح توسع البنوك بصورة كبيرة حاليًا في الشهادات مرتفعة العائد، مشيرًا إلى أن العملاء أصبحوا أكثر ترددًا في تجميد أموالهم لفترات طويلة في ظل احتمالات تغير التضخم وأسعار الفائدة.
ويرى أن السوق يحتاج إلى أدوات ادخارية واستثمارية أكثر مرونة من الشهادات التقليدية.
السيولة تعيد رسم خريطة الأموال
وتقدم قراءة محمد عبدالعال تفسيرًا إضافيًا للتراجع المسجل في السيولة خلال يونيو، إذ يرى أن انخفاض النقد المتداول خارج البنوك بالتزامن مع ارتفاع الودائع تحت الطلب يعكس عودة جزء من «الكاش» إلى الجهاز المصرفي، مدفوعًا بجاذبية العوائد وانتشار وسائل الدفع الإلكتروني.
كما يربط جزءًا من حركة السيولة بعمليات السوق المفتوحة التي يستخدمها البنك المركزي لإدارة فائض السيولة في الجهاز المصرفي.
وفي ظل هذه التحولات، لم تعد المنافسة بين البنوك تقتصر على زيادة عدد العملاء، وإنما أصبحت تتركز بصورة أكبر على جذب الودائع المستقرة وعالية القيمة.
ويشير الخبير المصرفي أحمد متولي إلى توجه بعض البنوك إلى طرح منتجات ذات عوائد مرتفعة لكبار العملاء، باعتبار أن هذه الودائع توفر مصدر تمويل أكثر استقرارًا وتساعد المؤسسات المصرفية على التخطيط للتوسع في منح الائتمان.
أموال المصريين.. اختفت أم تغيّر مكانها؟
تكشف الأرقام في النهاية أن السؤال «أين ذهبت أموال المصريين؟» لا يملك إجابة واحدة.
فجزء من النقد عاد إلى الحسابات البنكية، والودائع الدولارية ارتفعت قيمتها بالدولار رغم تراجع قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه، بينما تتجه مدخرات أخرى إلى الذهب والعقارات وأدوات الاستثمار أو الإنفاق المباشر.
وفي الوقت نفسه، يكشف الانخفاض الحاد في معدل الادخار المحلي عن مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الاقتصاد على توليد مدخرات جديدة، وتمويل استثماراته من موارده الداخلية.
وبينما تتحرك الأموال بين أوعية وأصول مختلفة بحثًا عن الأمان والعائد، تخوض البنوك سباقًا متزايدًا لاستعادتها والاحتفاظ بها، عبر شهادات أكثر مرونة وعوائد تنافسية.
وهكذا، فإن تراجع السيولة في شهر واحد لا يعني بالضرورة أن أموال المصريين اختفت، لكنه يكشف عن تغير واضح في خريطة حركة المدخرات، وعن ضغوط متزايدة على الأسر والاقتصاد والبنوك في آن واحد.