في أسيوط، حيث عرفه مرضاه طبيبًا وأستاذًا جامعيًا، كان محمد محمد محمد كمال الدين يرى في الطب أكثر من مجرد مهنة. اختار تخصص الأنف والأذن والحنجرة، وتدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا بكلية الطب في جامعة أسيوط، لكنه ظل قريبًا من المرضى محدودي الدخل، وشارك في تأسيس مؤسسات طبية خيرية قدمت خدمات شبه مجانية للفقراء في صعيد مصر.
في 4 أكتوبر 2016، اغتالت داخلية الانقلاب الطبيب والقيادي بجماعة الإخوان المسلمين داخل شقة في منطقة البساتين بالقاهرة، برفقة القيادي ياسر شحاتة، وبعد سنوات، بقي اسم محمد كمال حاضرًا في ذاكرة عائلته ومرضاه ورفاقه، ليس فقط بسبب موقعه السياسي، وإنما أيضًا بسبب مسيرته الأكاديمية والطبية والاجتماعية.
من طالب طب إلى أستاذ جامعي
وُلد محمد كمال في محافظة أسيوط في 12 مارس 1955، والتحق بكلية الطب في جامعة أسيوط، حيث حصل على بكالوريوس الطب.
وفي عام 1984، عُيّن معيدًا بقسم الأنف والأذن والحنجرة، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه عام 1992، ثم تدرج في السلم الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا بالقسم عام 2002.
وتولى رئاسة قسم الأنف والأذن والحنجرة في كلية الطب بجامعة أسيوط خلال الفترة من 2009 إلى 2011.
وخلال مسيرته الطبية، ارتبط اسمه بإدخال جراحات مناظير الأنف إلى صعيد مصر، وهي جراحات كانت تمثل آنذاك تطورًا مهمًا في مجال تخصصه. لكن الجانب الأكاديمي لم يكن وحده الذي ترك أثرًا في مسيرته.
الطب خارج أسوار المستشفى
إلى جانب عمله الجامعي، شارك محمد كمال مع الدكتور محمد شاكر في تأسيس الجمعية الطبية الخيرية الإسلامية في أسيوط وأبوتيج وحي الأربعين.
كانت الجمعية تقدم خدمات طبية في تخصصات مختلفة بأسعار رمزية أو شبه مجانية، مستهدفة المرضى غير القادرين في مناطق من صعيد مصر.
وبحسب روايات متداولة عنه، كان يجري عمليات مناظير الأنف مقابل مبالغ محدودة، لا تتجاوز في بعض الحالات 800 جنيه، في وقت كانت تكلفة هذه العمليات في القطاع الخاص أعلى بكثير.
بالنسبة إلى مرضى كثيرين، لم يكن الأمر مجرد فرق في السعر؛ فقد كانت تكلفة العلاج نفسها تمثل عائقًا أمام الحصول على الرعاية الطبية.
ولهذا ارتبط اسم الطبيب، لدى بعض مرضاه، بفكرة الطبيب الذي يحاول أن يجعل تخصصه متاحًا لمن لا يستطيعون تحمل تكلفته.
عائلة من الأطباء
كان العمل الطبي حاضرًا كذلك داخل أسرته، فزوجته، الدكتورة كوثر، كانت أستاذة في قسم الهستولوجي بكلية الطب، بينما اتجه أبناؤه إلى المجال الطبي أيضًا.
فعملت ابنته الكبرى فاطمة الزهراء مدرسًا مساعدًا في قسم الباثولوجي، فيما التحق نجله عبد الله بقسم العظام، وكان نجله الآخر عبد الرحمن طبيب امتياز.
وهكذا لم تكن علاقة محمد كمال بالطب مجرد وظيفة انتهت بانتهاء ساعات العمل، وإنما كانت جزءًا أساسيًا من حياته العائلية والمهنية.
لكن حياته أخذت مسارًا مختلفًا منذ انخراطه في العمل السياسي والتنظيمي.
من العمل الطبي إلى القيادة السياسية
تعرف محمد كمال إلى جماعة الإخوان المسلمين بعد تخرجه في الجامعة، وبدأ مسيرته داخل التنظيم في أسيوط.
وتولى لاحقًا عددًا من المسئوليات الإدارية، كان من بينها مسئول المكتب الإداري للجماعة في أسيوط، قبل أن يصبح عضوًا في مجلس الشورى العام للجماعة عن قطاع الصعيد.
وفي أغسطس 2011، اختير عضوًا في مكتب الإرشاد، ليتولى مسئولية متابعة شئون الجماعة في قطاع جنوب الصعيد.
وبعد الإنقلاب علي الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، واعتقال عدد كبير من قيادات الجماعة، أصبح محمد كمال واحدًا من الشخصيات التي اضطلعت بأدوار قيادية داخل التنظيم.
وفي عام 2014، تولى رئاسة اللجنة الإدارية العليا التي أدارت جانبًا من شئون الجماعة بعد اعتقال عدد من قياداتها أو مغادرتهم البلاد.
واستمر في هذا الدور حتى أعلن في مايو 2016 استقالته من التشكيلات الإدارية لجماعة الإخوان المسلمين، بحسب ما أُعلن وقتها.
الساعات الأخيرة
في 4 أكتوبر 2016، أعلنت وزارة الداخلية المصرية مقتل محمد كمال وياسر شحاتة داخل شقة في منطقة البساتين بالقاهرة.
وقالت الوزارة إن قوة أمنية كانت تستهدف القبض عليهما، وإن القوة تعرضت لإطلاق نار من داخل العقار، فردت بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتلهما.
ووصفت الداخلية محمد كمال بأنه أحد قيادات الجماعة، وقالت إنه كان مرتبطًا بما وصفته بالجناح المسلح فيها.
في المقابل، رفضت جماعة الإخوان الرواية الرسمية، واعتبرت مقتلهما عملية اغتيال، متهمة السلطات باستخدام القوة لتصفية معارضيها.
وبذلك ظلت تفاصيل اللحظات الأخيرة محل روايتين متعارضتين، دون أن تنهي الروايتان الجدل حول ظروف مقتله.
الجثمان يعود إلى أسيوط
بعد مقتله في القاهرة، نُقل جثمان محمد كمال إلى مسقط رأسه في أسيوط، حيث دُفن هناك.
عاد الطبيب إلى المحافظة التي ولد فيها بعد رحلة طويلة بين مدرجات كلية الطب، وغرف العمليات، والعمل الخيري، ثم النشاط السياسي.
لكن عودته هذه المرة لم تكن عودة طبيب إلى مرضاه أو أستاذ إلى طلابه، وإنما جثمان رجل أنهى عنف الاجهزة الامنية حياته في واحدة من أكثر السنوات اضطرابًا في مصر منذ 2013.
ماذا بقي من محمد كمال؟
بعد مرور سنوات على مقتله، لا تختزل سيرة محمد كمال في موقعه القيادي داخل جماعة الإخوان المسلمين.
فهناك طبيب أسيوطي قضى سنوات في التعليم الجامعي، وتخصص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، وساهم في تطوير هذا المجال داخل صعيد مصر.
وهناك أيضًا طبيب اختار، إلى جانب عمله الأكاديمي، أن يشارك في مشروع طبي خيري يستهدف المرضى غير القادرين.
وفي الجانب الآخر، هناك شخصية سياسية انخرطت في واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث استقطابًا، وانتهت حياتها في واقعة أمنية لا تزال روايتها محل خلاف.
وربما لهذا تبدو قصة محمد كمال أكبر من تاريخ وفاة أو منصب سياسي؛ فهي قصة إنسان جمع في حياته بين الطب والعمل العام والسياسة، ثم وجد نفسه في النهاية واحدًا من ضحايا الاجهزة الامنية العنيف الذي شهدته مصر بعد 2013.
في أسيوط، حيث بدأ حياته طبيبًا، بقيت صورته مرتبطة لدى من عرفوه بالمستشفى والمرضى والجامعة والعمل الخيري.
أما نهايته، فظلت مرتبطة بسؤال آخر: كيف يمكن لمسيرة طبيب وأستاذ جامعي قضى عقودًا في علاج الناس وتعليم الأطباء أن تنتهي بهذه الطريقة؟
سؤال تختلط فيه السياسة بالإنسان، وتبقى إجابته معلقة بين رواية رسمية ورواية مضادة، بينما تبقى خلفهما سيرة رجل بدأ حياته في مدرجات كلية الطب، وانتهت في شقة بالقاهرة، قبل أن يعود إلى أسيوط التي ولد فيها ودفن في ترابها.