قرض بـ42 مليون دولار لقطار “العاشر”.. الصين تحتكر المشروع والعائد 15 سنة لصالح شركة فرنسية!

- ‎فيتقارير

أثار الإعلان عن إقرار المنقلب السفيه عبدالفتاح السيسي شريحة تمويلية جديدة بقيمة 42 مليون دولار من بنك الاستيراد والتصدير الصيني تساؤلات حول طبيعة إدارة التكلفة في مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، المعروف إعلامياً بـ"قطار العاشر من رمضان/العاصمة الإدارية".

وهذه الشريحة، بحسب مراقبين، ليست قرضاً مستقلاً، بل ملحق تمويلي يضاف إلى سلسلة من الملاحق التي ظهرت كلما برزت فروق أسعار أو توسعات جديدة. وهو نمط يعكس غياب تقدير نهائي ثابت للتكلفة، ويحوّل المشروع إلى التزام مالي متجدد يضغط على الموازنة العامة ويكشف عن ضعف في التخطيط المالي.

احتكار صيني كامل للمكون الأجنبي

وبلغ إجمالي القروض الصينية الموجهة للمشروع ما يقارب 1.3 مليار دولار، موزعة بين الأنظمة التكنولوجية والأعمال ذات المكون المستورد. لكن الملاحظة الأهم أن الصين تحتكر التمويل والتكنولوجيا بالكامل، ما يمنع دخول أي جهة دولية أخرى.

ويعود ذلك إلى فلسفة القرض المقيد التي تشترط توجيه التمويل إلى الشركات الصينية حصراً. ويثير هذا الاحتكار تساؤلات حول سبب منح دولة واحدة حق تنفيذ وتمويل مشروع كامل دون منافسة حقيقية، وهو ما يؤدي إلى غياب المقارنة بين الأسعار والتقنيات، ويضعف القدرة التفاوضية، ويخلق تبعية تكنولوجية طويلة المدى.

التقديرات الأولية والواقع التنفيذي

كانت التقديرات الأولية تشير إلى تكلفة تتراوح بين 35 و49 مليار جنيه، لكن التكلفة الفعلية تجاوزت 55 إلى 60 مليار جنيه. وهذه القفزة ليست مجرد نتيجة طبيعية للتضخم، بل تعكس توسعات غير محسوبة وتغيرات في سعر الصرف واعتماداً كبيراً على مكونات أجنبية مرتفعة التكلفة.

وفي ظل أزمة الغاز وارتفاع أسعار الكهرباء، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول مدى ملاءمة التوسع في مشروع كهربائي ضخم، بينما ترتفع تكلفة الطاقة على المواطنين.

قطار العاشر من رمضان

يتصدر ملف تمويل مشروعات النقل الذكي في مصر المشهد التنموي والخدمي حالياً، وفي مقدمته القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، المعروف إعلامياً بـ"قطار العاشر من رمضان/العاصمة الإدارية". ويمثل المشروع نموذجاً لهندسة التمويل الدولي القائم على القروض المشروطة، والتكامل بين المكونين الأجنبي والمحلي.

وأثيرت مؤخراً تساؤلات حول طبيعة وموقع مبلغ 42 مليون دولار (نحو 41.6 مليون دولار فعلياً) المقدم من بنك الاستيراد والتصدير الصيني (Exim Bank). ومن الناحية القانونية والتعاقدية، لا يمثل هذا المبلغ قرضاً منفصلاً بذاته، بل يصنف كملحق تمويلي تكميلي (Appendix/Supplement).

وجرى توقيع هذا الملحق لتغطية التوسعات الطارئة وفروق الأسعار الناتجة عن تمديد الخط في مرحلتيه الثالثة والرابعة، اللتين استهدفتا ربط مناطق إضافية داخل العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العاشر من رمضان، فضلاً عن تطوير أنظمة التحكم المركزي في مركز السيطرة الرئيسي.

القروض الصينية

اعتمد المكون الأجنبي الاستيرادي للمشروع بشكل كامل على التسهيلات الائتمانية الصينية. وتنقسم القروض الأساسية الموقعة منذ عام 2019 والملاحق التابعة لها إلى الأقسام التالية:

القرض الأول (الأنظمة والوحدات المتحركة): بلغت قيمته 733 مليون دولار. وتم تخصيصه بالكامل لتمويل الشق التكنولوجي، ويشمل شراء القطارات (الجرارات والعربات) المصنعة من قبل شركة "أفيك الدولية" الصينية، إضافة إلى أنظمة الإشارات والاتصالات والتحكم الإلكتروني في حركة القطارات. وتميز القرض بفترة سداد تمتد إلى 20 عاماً، مع فترة سماح تتراوح بين 5 و7 سنوات، وبأسعار فائدة ميسرة.

القرض الثاني (الأعمال المدنية): بلغت قيمته 467 مليون دولار. وخُصص للمساهمة في تمويل التجهيزات الهندسية والإنشائية التي تطلبت مكونات أو معدات مستوردة، ونفذتها شركات المقاولات المصرية تحت إشراف الهيئة القومية للأنفاق.

الملاحق التمويلية والتوسعات: مع تطور مخطط المشروع ليغطي مسافة إجمالية تصل إلى نحو 105 كيلومترات موزعة على 19 محطة، جرى توقيع ملاحق تمويلية إضافية استكمالاً للعقد الأصلي، ما رفع إجمالي القروض والتسهيلات الصينية الموجهة لهذا الخط إلى ما يقارب 1.3 مليار دولار.

التكلفة الإجمالية

شهدت التكلفة الإجمالية للمشروع قفزات متتالية نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية: التوسع الأفقي في مسار الخط، وإضافة محطات جديدة، وتحركات أسعار الصرف.

وفي حين استهدفت التقديرات الأولية لوزارة النقل إنفاق ما بين 35 و40 مليار جنيه مصري، فإن التكلفة الفنية الفعلية للمشروع بمراحله كافة تجاوزت 55 إلى 60 مليار جنيه مصري.

ولم تغطِ القروض الصينية التكلفة الإجمالية للمشروع، بل اقتصر دورها على تمويل "المكون الأجنبي التكنولوجي". في المقابل، تُركت تغطية الأعمال المدنية المحلية، مثل الحفر وصب الخرسانات وإنشاء الكباري والأنفاق وتحويل مسارات المرافق، للمكون المحلي الذي جرى تمويله من خلال الموازنة الاستثمارية للدولة، إضافة إلى قروض بنكية محلية عبر تحالف من البنوك الحكومية المصرية بقيمة تجاوزت 2.3 مليار جنيه.

ثغرات وإشكالات

يكشف التدقيق المالي في العقود المبرمة عن وجود ثغرات وتحديات واجهت الطرفين المصري والصيني، أبرزها سعر الصرف. فالقروض الصينية مقومة بالدولار الأمريكي، ومع تراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية تضاعفت الفاتورة الفعلية لخدمة الدين من أقساط وفوائد.

وأصبحت الهيئة القومية للأنفاق ملزمة بتدبير مبالغ أكبر بالعملة المحلية للوفاء بالالتزامات الدولارية الدورية، ما شكل ضغطاً على موازنتها الهيكلية.

ومن الثغرات المهمة أيضاً شروط "القرض المقيد" (Tied Loan)، إذ اشترط بنك "إكسيم" الصيني توجيه أموال القرض مباشرة إلى الشركات الصينية المنفذة، مثل تحالف أفيك وشركة هندسة السكك الحديدية الصينية (CREC)، لاستيراد معدات صينية حصراً. وحرم هذا الشرط الجانب المصري من ميزة طرح مناقصات عالمية مفتوحة للمقارنة بين الأسعار والتقنيات البديلة.

ونظراً للارتباط الفني والتكنولوجي الكامل للخط بالأنظمة الصينية، بات من الصعب فنياً وقانونياً إدخال جهات تمويلية دولية أخرى، مثل المؤسسات التنموية الأوروبية، التي تشترط المنافسة المفتوحة وعدم توجيه أموالها لتمويل منتجات تكنولوجية تحتكرها شركات بعينها.

آلية سداد القروض

يسود أحياناً خلط حول مصير الأموال الناتجة عن تشغيل القطار. فالعائد التجاري المباشر، المتمثل في إيرادات التذاكر والمساحات الإعلانية وإيجارات المحال التجارية داخل المحطات، يذهب بالكامل إلى الهيئة القومية للأنفاق المصرية.

وتتولى شركة "RATP Dev" الفرنسية إدارة وتشغيل الخط بموجب عقد يمتد إلى 15 عاماً مقابل رسوم تشغيل وصيانة ثابتة ومحددة، ولا علاقة للبنوك الصينية بهذه التدفقات النقدية اليومية.

أما استرداد أموال البنوك الصينية، فيتم عبر سداد القروض على هيئة أقساط دورية ثابتة تدفعها الدولة المصرية، ممثلة في وزارة المالية، باعتبارها التزاماً سيادياً مدرجاً في الموازنة العامة، سواء حقق المشروع أرباحاً أو تكبد خسائر.

وبما أن عوائد التذاكر في السنوات الأولى بالكاد تغطي مصروفات التشغيل والصيانة بسبب الطبيعة التدريجية للنمو السكاني في المدن الجديدة، فإن أقساط السداد خلال السنوات العشر الأولى ستُدفع مباشرة من الخزانة العامة للدولة، وليس من الأرباح الذاتية للمشروع.