شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في سياسات الحجب والملاحقة الرقمية، سواء عبر قرارات رسمية أو إجراءات غير معلنة، ما يزيد البيئة الرقمية المقيدة أغلالا فوق قيودها.
وأعلنت النيابة العامة في القضية رقم 1348 لسنة 2026 عن قرار بإيقاف وتجميد حسابات 12 شخصًا داخل مصر على منصة X، فإن هذا القرار لا يمكن فصله عن سياق أوسع يمتد لأكثر من عقد، شهد حجب ما يقرب من 700 موقع إلكتروني، واعتقال عشرات الصحفيين، وتضييقًا مستمرًا على حرية التعبير.
وبحسب حقوقيين يكشف مشهد الحجب عن أزمة بنيوية تتعلق باستقلال القضاء، وشفافية الإجراءات، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، في ظل غياب رقابة فعالة على قرارات الحجب والملاحقة.
قرار السيسي المغلف ب"النيابة العامة" يقضي بإيقاف وتجميد حسابات وحظر وصول المستخدمين داخل مصر إلى حسابات 12 شخصًا على منصة X، وهم مصريون وضع على رأسهم "إدي كوهين" الصحفي المستعرب الصهيوني لوصمهم بما ليس فيهم.
وأضاف لهم: الفنان عمرو واكد، والقيادي بحركة ميدان يحيى السيد إبراهيم موسى، وسامي كمال الدين، وهيثم أبو خليل، وأسامة جاويش، وخالد السرتي، وشريف عثمان، وهشام صبري، والمذيع محمد ناصر، وعبد الله الشريف.
وسامي كمال الدين، صحفي مصري يقيم خارج مصر، ويقدم برامج سياسية عبر منصات رقمية، وينتقد السياسات الحكومية المصرية بشكل مستمر.
والحقوقي هيثم أبو خليل، إعلامي يقيم في تركيا، يقدم برنامجًا سياسيًا عبر قنوات معارضة، وينشر محتوى ينتقد الحكومة المصرية، ويُعد من أبرز الأصوات الحقوقية في الخارج.
وأسامة جاويش، إعلامي مصري وطبيب يعمل في قنوات تبث من الخارج، ويقدم برامج سياسية تنتقد الحكومة المصرية، وله حضور قوي على منصة X ويوتيوب.
وخالد السرتي، مهندس وناشط على منصات التواصل، ينشر محتوى سياسيًا ينتقد الحكومة، ويظهر في بثوث مباشرة.
وشريف عثمان، ضابط سابق في الجيش المصري، أصبح معارضًا سياسيًا يقيم في الولايات المتحدة، ينشر محتوى ينتقد المؤسسة العسكرية المصرية، وسبق أن أثار جدلًا واسعًا بعد اعتقاله في الإمارات ثم الإفراج عنه.
وهشام صبري، وهو ضابط أمن دولة سابق وحاليا ناشط سياسي مصري على منصات التواصل، وينشر محتوى ينتقد الحكومة، ويظهر في بثوث مباشرة، لكن لا توجد له صفة إعلامية رسمية.
وعبد الله الشريف، يوتيوبر مصري معارض، يُعد من أشهر الشخصيات المعارضة في الخارج. يقدم محتوى سياسيًا ساخرًا ينتقد الحكومة المصرية، ويتابعه ملايين المستخدمين.
ويأتي هذا القرار في سياق متصاعد من الرقابة الرقمية، حيث تُتهم هذه الحسابات بنشر محتوى تعتبره السلطات مهددًا للأمن القومي أو مسببًا لاضطراب عام، رغم أن المعايير القانونية المستخدمة في هذه القرارات لا تُعلن للرأي العام، ولا تُنشر حيثياتها، ما يثير تساؤلات حول مدى التزامها بالمعايير الدولية لحرية التعبير.
حجب المواقع الإلكترونية
وقال تقرير ل"مؤسسة حرية الفكر والتعبير": إن "السلطات حجبت منذ عام 2013 أكثر من 700 موقع إلكتروني، معظمها دون قرارات قضائية منشورة أو إعلان رسمي. وتشمل هذه المواقع منصات إخبارية مستقلة مثل "مدى مصر"، "المنصة"، "العربي الجديد"، "درب"، و"مصر العربية"، إضافة إلى مواقع حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش، مراسلون بلا حدود، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان".
كما شمل الحجب مواقع تقدم أدوات تجاوز الرقابة مثل Tor وPsiphon وVPN Gate، ما يعكس رغبة واضحة في التحكم الكامل في تدفق المعلومات، ويؤكد باحثون حقوقيون أن هذا الحجب الواسع يتم غالبًا عبر جهات تنفيذية دون رقابة قضائية فعالة، وأنه يستهدف بالأساس المواقع التي تقدم محتوى نقديًا أو مستقلًا.
وشمل الحجب مواقع "بوابة الحرية والعدالة" ومنافذها، وموقع جماعة الإخوان المسلمين (إخوان أونلاين)، ومواقع "الجزيرة"، و"عربي21" و"نافذة مصر".
صياغات فضفاضة
وتعتمد سلطات الانقلاب في قرارات الحجب على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يمنح جهات التحقيق صلاحيات واسعة لحجب المواقع أو الحسابات إذا رأت أنها تشكل تهديدًا للأمن القومي.
ولكن منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تؤكد أن القانون يستخدم عبارات فضفاضة تسمح بتأويلات واسعة، وأنه لا يضمن رقابة قضائية مستقلة، كما أن قرارات الحجب غالبًا ما تُنفذ قبل صدور أي حكم قضائي.
وتضيف هذه المنظمات أن غياب الشفافية يجعل من الصعب التحقق من مدى التزام هذه القرارات بالمعايير الدولية لحرية التعبير، خصوصًا في ظل غياب نشر رسمي للقرارات أو أسبابها.
إشكالية الاستجابة لطلبات الحجب
وعند مخاطبة شركات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك وتليجرام لتنفيذ قرارات حجب داخل دولة ما، تعتمد هذه الشركات على معايير تتعلق باستقلال القضاء ووضوح الأدلة وتوافق القرار مع القانون الدولي، وتشير تقارير مركز الديمقراطية والتكنولوجيا إلى أن الدول ذات الأنظمة القضائية غير المستقلة تواجه صعوبات في تنفيذ طلبات الحجب، لأن الشركات تخشى أن تكون هذه الطلبات ذات دوافع سياسية تستهدف معارضين أو صحفيين.
وفي الحالة المصرية، فإن غياب الشفافية في قرارات الحجب السابقة يجعل الشركات أكثر حذرًا في الاستجابة لطلبات جديدة، خصوصًا إذا لم تكن مدعومة بأحكام قضائية واضحة.
ووفقًا لتقرير مراسلون بلا حدود لعام 2025، جاءت مصر في المرتبة 166 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة، وهو ترتيب يعكس بيئة إعلامية شديدة التقييد تشمل الرقابة، والحجب، والاعتقالات، والسيطرة شبه الكاملة على وسائل الإعلام التقليدية، وتصف المنظمة البيئة الإعلامية في مصر بأنها من الأكثر صعوبة في المنطقة، حيث يواجه الصحفيون مخاطر قانونية وأمنية مستمرة، ويُحرم المواطنون من الوصول إلى المعلومات المستقلة.
قائمة تضم 29 عضوًا من نقابة الصحفيين
تُظهر بيانات لجنة حماية الصحفيين ومنظمات حقوقية مصرية أن هناك 29 صحفيًا من أعضاء نقابة الصحفيين محتجزون في قضايا تتعلق بعملهم الصحفي أو آرائهم، وتشمل القائمة: هشام فؤاد، حسام مؤنس، مصطفى الخطيب، أحمد سبيع، أحمد أبو زيد، محمد أكسجين، وياسر أبو العلا ورمضان محمد ومحمد اليماني وبدر محمد بدر واشرف عمر وخالد ممدوح وصفاء الكوربيجي وأحمد سعيد.
وتؤكد منظمات حقوقية أن معظم هؤلاء الصحفيين محتجزون على خلفية عملهم الصحفي أو آرائهم، وأن قضاياهم تتضمن اتهامات متكررة لا تستند إلى أدلة مادية.
وفي 10 فبراير 2025، قدمت لجنة العدالة ومنظمة روبرت كينيدي لحقوق الإنسان تقريرًا إلى الأمم المتحدة ضمن مراجعة مصر الدورية، أكدت فيه استمرار استخدام الاعتقالات التعسفية، واختفاء الأشخاص قسريًا، وسن قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين.
وجاءت مصر على مؤشر منظمة Freedom House للعام 2025 ضمن الدول "غير الحرة". وقال التقرير: إن "الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر بأسلوب سلطوي، وأضاف أنه تكاد تنعدم المعارضة السياسية، إذ يمكن أن يؤدي التعبير عن الرأي المعارض إلى الملاحقة القضائية والسجن".
وأضافت المنظمة في أحدث تقاريرها، أنه تُفرض قيود صارمة على الحريات المدنية، بما في ذلك حرية الصحافة وحرية التجمع، كما تابعت أنه تُتهم قوات الأمن بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان دون مساءلة.
أردفت المنظمة أنه يستمر التمييز ضد النساء، وأفراد مجتمع الميم، وفئات اجتماعية أخرى، إلى جانب استمرار ارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي 17 ديسمبر 2024، نشرت 12 منظمة حقوقية مصرية، تقريرًا مشتركًا، أكد تصاعد الانتهاكات خلال السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتعذيب وتشويه الحق في التجمع وتهميش حقوق اللاجئين.