بين كواليس "السحب والإحالة" وسيناريو الإقصاء لمؤسسة الأزهر الشريف، يتجه قانون الأسرة الحالي المعروض على نواب العسكر، فبينما يعلن نواب ووكلاء لجان (مثل النائب رضا عبد السلام) أن الحكومة قررت سحب مشروع القانون وإحالته إلى لجنة مشتركة تضم الأزهر والأوقاف لتهدئة الرأي العام، يخرج وكيل اللجنة التشريعية، طاهر الخولي، لينفي السحب مؤكدًا أن القانون ما زال مودعًا بالبرلمان.
ويرى البعض أن هذا التناقض يعكس رغبة واضحة من نواب الإدارة السياسية في المضي قدمًا بالمناقشة مع محاولة تهميش أو التجاوز الضمني للمرجعيات الدينية الرسمية.
كما يرون أن محطات الصدام الفكري والسياسي بين سلطة ترغب في فرض رؤية تحديثية قسرية (تتماهى أحيانًا مع شروط جهات تمويل دولية واهتمامات سياسية نرجسية)، وبين مؤسسة دينية عريقة (الأزهر) تستند إلى الدستور والشرعية الشعبية لرفض المساس بالسلم الأسري والمجتمعي. وبين الطرفين، يدفع المواطن المصري ضريبة غياب الرؤية المتزنة والحلول الواقعية.
الكذب المؤسسي وصرخة صامتة
التطور الأبرز تمثل في نفي الأزهر الشريف بشكل قاطع لادعاءات رئيس لجنة إعداد القانون بأنه عُرض على المشيخة. هذا النفي اضطر رئيس اللجنة للاعتراف إعلاميًا بأن القانون "لا يلزم" بأخذ رأي الأزهر في مرحلة الإعداد بل بعد انتهائه، وأنهم استأنسوا بآراء علماء آخرين "بشكل ودي".
وبيان الأزهر الحاسم يقطع الطريق على استغلال اسمه لتمرير القانون، ويوجه رسالة صريحة للمشرعين: "لن نوقع على بياض، ولن نكون غطاءً لتمرير تشريعات طُبخت في الغرف المغلقة"، مذكرًا الجميع بأن الأزهر قدم مشروعه المتكامل والشرعي منذ عام 2019 وتجاهله البرلمان.
"الشرائع السماوية" ومحاولة زحزحة الأزهر!
ويثير حديث بعض النواب (مثل عمرو درويش) عن ضرورة توافق القانون مع "الشرائع السماوية" والأزهر والكنيسة تساؤلات جوهرية حول فلسفة التشريع في دولة ديمقراطية ذات أغلبية مسلمة بنص الدستور.
ويرى مراقبون أن استخدام مصطلح "الشرائع" بشكل فضفاض في سياق يخص الأحوال الشخصية للمسلمين، يهدف أحيانًا إلى "مزاحمة" رأي الأزهر الحاسم بآراء أخرى أو تمييع مرجعيته العليا.
المفارقة هنا تبدو صارخة؛ فالكنائس المصرية تصدر مشروعات قوانينها وتملك السيادة الكاملة على الأحوال الشخصية للمسيحيين دون تدخل، في حين يتم انتزاع أو تقييد حق الأزهر (المكفول دستوريًا في المادة السابعة) في الإشراف على الأحوال الشخصية للمسلمين.
والجديد الأخطر في المشهد "التشريعي" الحالي ليس نصوص القانون بحد ذاتها، بل حالة التضارب والتأرجح في التصريحات الرسمية داخل البرلمان، والتي تكشف عن مناورة تهدف إلى فرض "أمر واقع".
صراع الأيديولوجيا والتمويل
ويتجاوز الجدل الدائر النطاق المحلي ليتصل بأبعاد فكرية واقتصادية واجتماعية تثير حفيظة المحافظين والقرى والتيارات التكنوقراطية على حد سواء.
وثمة ربط متصاعد في الشارع وفي الأوساط السياسية (مثل أطروحات حزب تكنوقراط مصر) بين هذه التعديلات العنيفة في بنية الأسرة وبين برامج الاتحاد الأوروبي لـ "دعم الإصلاحات القانونية وتمكين المرأة" (EU Gender Equality Programs)، ورغم غياب تقرير رسمي يربط التمويل مباشرة بشرط تمرير هذا القانون، إلا أن التوافق الزمني والفكري يغذي الاتهامات للحكومة بتبني رؤى غربية تفكيكية للمجتمع للحصول على دعم سياسي واقتصادي، تحت لافتة "تأنيث المجتمع وخصيان الرجل اجتماعيًا" كما يصفها مغردون غاضبون.
وينظر قطاع من الجمهور إلى هذا التوقيت بالذات باعتباره "صناعة للأزمات" وإثارة مقصودة للجدل المجتمعي (مثل مقترحات منح المطلقة ثلث ثروة زوجها، أو غرامات الطلاق). الهدف من هذا الضجيج -بحسب أصحاب هذا الرأي- هو إلهاء الشعب عن الأزمات الاقتصادية الطاحنة، والغلاء، وفشل السياسات المالية، عبر خلق حالة من التربص والعداء المستمر بين الرجل والمرأة.
الهندسة التشريعية للأحوال الشخصية
وإذا نظرنا إلى بنود المسودة المسربة أو المقترحة، نجد أنها تقدم "أفكارًا تفكيكية" تحت شعار العصرنة وتوحيد قوانين عمرها أكثر من 100 عام (منذ عام 1920)، لمواجهة طلاق قفز بنسبة 3.1% ليصل إلى 274 ألف حالة في 2024.
وفي وقت بلغت فيه معدلات الطلاق في مصر (حسب الإحصاء الرسمي) 2023: 265,000 حالة و2024: 274,000 حالة (بنسبة زيادة 3.1%).
أبرز البنود المثيرة للجدل
تقييد الطلاق المبكر: إلزام الزوج باللجوء لقاضي الأمور الوقتية في أول 3 سنوات، وهو ما يراه فقهاء تقييدًا غير شرعي للحقوق، ويراه قانونيون إطالة لأمد زيجات فاشلة وميتة إكلينيكيًا.
فسخ العقد بسبب الغش: إعطاء الزوجة حق الفسخ خلال 6 أشهر إذا اكتشفت غشًا في المركز الاجتماعي للزوج. وانتقد علماء الأزهر (كالشيخ عطية لاشين) توقيت الستة أشهر، معتبرين أن الفسخ شرعًا يرتبط باكتشاف العيب فورًا دون قيد زمني، فضلاً عن غياب حق مماثل للرجل.
توثيق الطلاق الشفوي: إلزام الزوج بالتوثيق خلال 15 يومًا أو الحبس 6 أشهر، وهي النقطة التاريخية الخلافية التي بدأت علنًا منذ عام 2017 في العبارة الشهيرة للرئيس السيسي للأمام الأكبر: "تعبتني يا فضيلة الإمام".
بنود وتحفظ فقهي/مجتمعي
ويعد (تقييد طلاق أول 3 سنوات) إطالة لأمد زيجات فاشلة وتقييد حق شرعي شرعه الله عزوجل في وقت تتحجج فيه حكومة السيسي ب"الحد من ظاهرة الطلاق المبكر السريع"، والتي أسبابها في المقام الأول اقتصادية.
كما يعد (الفسخ للغش خلال 6 أشهر) مخالفة الشريعة بربط الفسخ بمدة، وغياب التوازن للرجل، ويراه ترزي القانون "حماية المرأة من التدليس الاجتماعي".
كما يعتبر (جناية عدم توثيق الطلاق) مصطدما بوقوع الطلاق الشفوي فقهيًا دون توثيق، وهو ما سبق ورفضه شيخ الأزهر في مواجهة سابقة مع السيسي، الذي يراه ترزية القانون "حفظ حقوق المرأة المادية والأطفال"!
غياب الحلول التضامنية الحقيقية
في مقابل هذه الترسانة العقابية، يغيب الفكر التضامني التنموي. حيث يتساءل الشارع: لماذا لا تقوم وزارة التضامن الاجتماعي (الشؤون الاجتماعية سابقًا)، والتي تتحكم في مليارات الأوقاف والتبرعات، بابتكار حلول عملية؟ مثل بناء مجمعات سكنية حكومية للمطلقات المعيلات بإيجار رمزي يُخصم من نفقة المطلق من راتبه مباشرة، بدلاً من تحويل مؤسسة الزواج إلى ساحة للمحاكم والتهديد بالحبس والنزاع على "الشبكة والخطبة".