يسعى المنقلب السيسي منذ انقلابه علي التجربة الديمقراطية المصرية للسيطرة على مقدرات الشعب ووضعها تحت إدارات عسكرية, فاستحدث جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة تحت قيادة القوات الجوية, ليتولى ملفات غاية في الخطورة فأوكل إليه مسؤولية استيراد القمح من الخارج، بالإضافة لملف استصلاح الأراضي في الدلتا الجديدة , وسيطر علي ملف البحيرات واستحوذ على إنتاجها من الأسماك, والغريب في الأمر أن أحوال الملفات التي تولاها الجهاز لم تشهد تحسنا يذكر , فمنذ تولي ملف البحيرات أسعار الأسماك تضاعفت، ففي حين يتم تصدير كيلو السمك البلطي بحوالي 27 جنيها مصريا يشتريه المستهلك المصري ما بين ثمانين ومائة جنيه, علاوة على أن أسلوب العسكرين في التعامل مع المدنيين ليس جيدا فهم يميلون إلى فرض الأوامر، ويطلبون تنفيذها على وجه السرعة والأعمال المدنية بطبيعتها تختلف كثيرا, مؤخرا "جهاز ستقبل مصر" طلب 40% من إنتاج صيادي بحيرة ناصر كإتاوة ممتدة.
تصاعدت مؤخراً، أزمة جديدة في بحيرة ناصر بعد وقف تجديد نحو 2800 رخصة صيد يستفيد منها آلاف الصيادين وأسرهم، بعد رفض 234 صيادا التوقيع على بروتوكول إتاوة جديدة عليهم.
وفقا لتقرير نشره موقع "زاوية ثالثة"، وقف التجديد هدفه إجبار الصيادين على التوقيع على بروتوكول جديد يفرضه جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، يمنح الجهاز حوالي 40% من قيمة الإنتاج السمكي، إضافة إلى نسب أخرى للمسوقين، حسب قول الصيادين.
قال صيادو بحيرة ناصر لمعدة التحقيق رشا عمار: إن "الشروط دي تمثل عبء اقتصادي كبير عليهم ويهدد مصدر رزقهم التاريخي في البحيرة مساومة لا طائل منها".
رصد موقع "زاوية ثالثة"، أبعاد الأزمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لصيادي بحيرة ناصر، التي تُعد من أهم مصادر الثروة السمكية في مصر.
بدأت الأزمة بعد انتهاء فترة حظر الصيد السنوية مع امتناع الجهات المختصة عن تجديد رخص الصيادين إلا بعد توقيعهم على البروتوكول الجديد الذي يمنح جهاز مستقبل مصر 40% من الإنتاج.
وفي المقابل الجهاز لا يتحمل أي تكاليف تشغيلية، سواء بالوقود أو صيانة المراكب أو الشباك وأجور العمالة، كما قالت المصادر لـ "زاوية ثالثة".
اعتبر الصيادون النسبة المفروضة شكل من أشكال الإتاوة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع حجم الإنتاج السمكي خلال السنوات الأخيرة.
نقل التحقيق شهادات عدد من الصيادين الذين أكدوا أن مهنة الصيد في البحيرة متوارثة قانوناً من عقود، وأن تراخيص الصيد بتخضع لقوانين التعاونيات المنظمة للمهنة من الستينيات.
أكد الصيادون إن وعود "مستقبل مصر" بتطوير البحيرة لم تنعكس فعلياً على حياتهم، وحتى الآن لم يتم إنشاء مصانع أو مفرخات سمكية أو خدمات بنية تحتية حقيقية تدعم القطاع، مقابل النسبة الكبيرة التي الجهاز يطلب تحصيلها من إنتاج الصيادين
– في هذا السياق سلط تحقيق زاوية ثالثة الضوء على الظروف الصعبة التي يعمل فيها الصيادون، بما في ذلك ضعف الخدمات الأساسية من الكهرباء والاتصالات والإسعاف، إلى جانب المخاطر الطبيعية كالعقارب والتماسيح وطول فترات البقاء في المياه.
يقول الصيادون: إن "متوسط دخلهم اليومي (من 200 إلى 250 جنيها) لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات اليومية لأسرهم".
وفقاً للتقرير فإن الجهات الرسمية تؤكد أن تدخل جهاز "مستقبل مصر" يأتي في إطار خطط تطوير بحيرة ناصر وتنمية الثروة السمكية.
شعار التطوير المرتبط بجهاز مستقبل مصر عنوان عريض يتكرر في أكتر من مجال وقطاع، لكن هل فعلاً يحصل تطوير؟ وأزاي يتم تقييم التطوير من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية؟
بيزنس البحيرات
يتوسع جهاز "مستقبل مصر" المملوك للجيش وتحت إشراف فرع القوات الجوية على مدار عامين في السيطرة على الموارد الطبيعية تحت شعار التطوير والأمن الغذائي، لكن العائد الحقيقي لـ "التطوير" على الصيادين والمجتمعات المحلية لا زال محل شك كبير.
على سبيل المثال مع انتقال إدارة بحيرة البردويل للجهاز تم تهميش دور الصيادين التاريخي، وتحويل البحيرات لبيزنس هدفه تعظيم الإيرادات وليس تنمية المجتمعات المحلية.
الذي سبق وحصل في البردويل ويحصل حالياً في بحيرة ناصر، نستطيع ان نعتبره نموذج لتوسع جهاز مستقبل مصر في إدارة أصول وموارد الدولة الطبيعية، التي تظل محاط بالدعاية الإعلامية عن الإنجازات الكبرى، بدون ما حد ما يعرف ايه هي طبيعة هذه الإنجازات ولا مين المستفيد منها؟
في بحيرة البردويل، أو في بحيرة ناصر، لم يحدث تحسين حقيقي لحياة الصيادين كل الذي حصل أن الجهاز وسع محفظة مشروعاته لضمان أرباح سهلة، على حساب أصحاب المصلحة الحقيقيين.
مَنْح جهاز عسكري أصول وموارد رئيسة مملوكة للدولة سوف يظل محال شك ومعارضة واسعة لأسباب واضحة، هي أنه مفيش شفافية في آليات إدارة الجهاز للمشروعات، ولا فيه رقابة على أدائه.
وسائل الإعلام الموجهة أمنياً تقوم بتضخم "إنجازات" الجهاز، لكنها في المقابل تخفي أي إخفاقات يرتكبها، ولا تقدم تقييم موضوعي للجدوى الاقتصادية للمشاريع التي يسيطر عليها، أو للاستدامة البيئية، أو من حيث مراعاة الأبعاد الاجتماعية.
وعلي العكس من ذلك زيادة المشكلات الاجتماعية لتوسع سيطرة " جهاز مستقبل مصر" على أصول وموارد الدولة تظهر على هيئة مظالم اجتماعية لأصحاب المصلحة، وهذا جانب لانبغى ان يمر مرور الكرام.
تصف الهيئة العامة للاستعلامات "جهاز ستقبل مصر" بأنه أحد أكبر الكيانات التنموية في العالم، بحكم إشرافه على نصف مساحة مصر المزروعة.
وفي المقابل لا أحد فعلاً يقول لنا مين الذي يراقب أداء وأعمال أكبر الكيانات التنموية في العالم "على حد وصف الاستعلامات"، الذي يقوم بتهمش مؤسسات الدولة المدنية وتتغول في كافة جوانب الاقتصاد على حسابها.
هذا الذي يحدث خطير فعلاً، في ظل سيطرة الجهاز المتزايدة على سلاسل الإمداد الغذائي الرئيسية في البلد، لأن أي خطأ في تصميم السياسات أو تنفيذها يكون ليه تأثير مضاعف على أمن المصريين الغذائي، وهذا شيء لا يتحمل تجارب ولا مغامرات.