في أول أيام عيد الأضحى، خرجت آلاف الحشود الفلسطينية في مدينة غزة لتشييع جثمان القائد العام لكتائب القسام محمد عودة "أبو عمرو"، الذي استشهد مع زوجته واثنين من أبنائه بعد استهداف منزله في حي الرمال وسط غزة. مشهد التشييع الذي عمّ شوارع المدينة لم يكن مجرد وداع لقائد عسكري، بل كان تعبيرًا عن حالة إجماع شعبي على مكانة الرجل، وعن رمزية الاستهداف المتواصل لقيادات المقاومة في سياق حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على القطاع منذ أكثر من عامين كما كان بيعة على التحرير والعودة واستكمال طريق الجهاد.
https://x.com/RaafatNabhan/status/2059672492218667071
ونعت حركة المجاهدين الفلسطينية القائد محمد عودة، مؤكدة أن سياسة الاغتيالات لن تكسر إرادة المقاومة. كما أصدر حزب الله بيانًا اعتبر فيه استشهاد عودة "جريمة تضاف إلى سجل الاحتلال الأسود"، مؤكدًا أن دماء القادة ستزيد المقاومة ثباتًا.
ويعكس تضامن إدراكًا مشتركًا بأن استهداف القادة ليس مجرد ضربة لحماس، بل محاولة لضرب بنية المقاومة الإقليمية بأكملها.
ويحاول الاحتلال تبرير المجزرة التي ارتكبها في حي سكني مكتظ، عبر بيان مشترك لنتنياهو وكاتس زعم فيه استهداف "القائد الجديد للقسام" و"مهندسًا من مهندسي 7 أكتوبر". لكنّ الفلسطينيين رأوا في ذلك محاولة مكشوفة للتغطية على جريمة واسعة النطاق، أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين.
عودة.. من الظل إلى واجهة القيادة
ولم يكن محمد عودة شخصية عابرة في بنية كتائب القسام. الرجل الذي نشأ في مخيم جباليا كان من أوائل الملتحقين بالكتائب منذ الانتفاضة الثانية، وبرز مبكرًا في العمل الأمني والاستخباراتي. عرف عنه ميله للعمل السري أكثر من الظهور العلني، حتى أصبح لاحقًا رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية في القسام، والمسؤول عن بناء منظومة معلوماتية معقدة وصفتها الحركة بأنها "كنز استراتيجي".
تدرّج عودة في مواقع حساسة منها؛ قائد كتيبة في جباليا، ومسؤول في قسم التصنيع العسكري، وقائد لواء الشمال، ومدير الاستخبارات العسكرية، ثم القائد العام لكتائب القسام خلفًا لعز الدين الحداد.
ورغم محاولات اغتيال عدة، ظل يتحرك منفردًا دون مرافقين، في صورة تعكس حذره الأمني الشديد. وقد شكّل استشهاد نجله الأكبر "عمرو" عام 2025 خلال قصف منزل العائلة محطة مؤلمة في مسيرته، لكنها لم توقف صعوده داخل الحركة.
تقديرات صهيونية قالت إن عودة كان جزءًا من الدوائر القيادية التي شاركت في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، وأنه تولى رسميًا رئاسة أركان القسام قبل أسبوعين فقط من اغتياله.
حرب على البنية القيادية
منذ بداية الحرب، اعتمد الاحتلال على استراتيجية تفكيك القيادة عبر استهداف الصف الأول من القادة، بهدف خلق فراغ تنظيمي ومنع إعادة بناء البنية العسكرية. لكنّ الوقائع على الأرض تشير إلى أن الحركة طوّرت نموذجًا قياديًا مرنًا قادرًا على امتصاص الضربات.
وتحليل مراكز بحثية يشير إلى أن حماس باتت تتعامل مع الاغتيالات كجزء من بيئة تشغيل دائمة، وليست حدثًا استثنائيًا. الأخطر بالنسبة للكيان– وفق هذه التحليلات – ليس بقاء قائد بعينه، بل قدرة الحركة على إنتاج بديل بسرعة تحت النار، ما يحوّل الاغتيال من أداة حسم إلى أداة استنزاف طويلة.
كيف تختار القسام قياداتها؟… الاختيار المؤسسي تحت النار
ورغم السرية الشديدة التي تحيط بالبنية التنظيمية للقسام، إلا أن التسريبات المتقاطعة تكشف عن ملامح واضحة لآلية اختيار القادة:
1. القيادة الشبكية بدل الهرمية
و انتقلت الحركة تدريجيًا من نموذج "القائد المركزي" إلى نموذج الشبكة الموزعة، حيث تتوزع المهام على عدة مستويات، ما يجعل استهداف قائد واحد غير كافٍ لتعطيل المنظومة.
2. التدرج الصارم داخل المؤسسة
القادة الذين يصلون إلى الصف الأول يمرون بمسار طويل يشمل: العمل الميداني، والمسؤوليات الأمنية، والإدارة العسكرية، والعمل الاستخباراتي، وقيادة الألوية والكتائب، ثم الانضمام إلى المجلس العسكري.
3. معيار الكفاءة الأمنية
وتعطي القسام أولوية قصوى للقدرة على الحفاظ على السرية، والتحرك دون اختراق، وإدارة الملفات الحساسة. وهذا ما يفسر صعود شخصيات مثل محمد عودة، الذي فضّل العمل الاستخباري على العمل الحركي.
4. القدرة على إدارة الحرب تحت الضغط
ويجب على القائد الجديد أن يمتلك القدرة على: إعادة بناء الوحدات، وإدارة العمليات، والحفاظ على التواصل بين الأجنحة، واتخاذ قرارات سريعة في بيئة متغيرة.
أبرز القادة الذين يديرون المعركة
وبعد سلسلة الاغتيالات، وفقدان الحركة عددًا كبيرًا من قادتها، إلا أن تقديرات صهيونية تشير إلى بقاء مجموعة محدودة تدير الملفات الأساسية:
محمد عودة: رئيس هيئة الاستخبارات والقائد العام حتى استشهاده.
حسين فياض: قائد منطقة بيت حانون، نجا من عدة محاولات اغتيال.
هيثم الحواجري: قائد كتيبة مخيم الشاطئ، ظهر في عمليات تسليم رهائن عام 2025.
نافذ صبيح: قائد منطقة الدرج والتفاح، من الوجوه القديمة المقربة من أحمد الجعبري.
عماد عقل: مسؤول منظومة الدعم والإمداد والتجهيز اللوجستي.
وهي أسماء تعكس حجم التغير الذي طرأ على البنية القيادية، لكنها تكشف أيضًا قدرة الحركة على الحفاظ على الترابط العملياتي رغم الاستنزاف.
بئر الخيانة المفتوح
في مقابل التطور الأمني داخل القسام، يواصل الاحتلال الاعتماد على شبكات العملاء داخل غزة والضفة. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أسماء تورطت في الاغتيالات أو تقديم معلومات حساسة، منهم: ياسر أبو شباب الزعيم المليشيا المناوئة لحماس، والذي قُتل بعد الكشف عن ارتباطه بالكيان، وشوقي أبو نصيرة الذي ظهر في مقابلة مع القناة 14 العبرية معلنًا صراحة علاقته الوثيقة بالاحتلال، وأحمد حسنين وأنور شحيبر واللذين تورطا في اغتيال محمود المبحوح بدبي عام 2010، وبسام أبو سرية وأعدمته حماس عام 2009 بعد اعترافه بالتجسس وتقديم معلومات أدت لاغتيال مقاومين.
وتعتمد القسام في مواجهة العملاء على وحدات الأمن الداخلي والتحقيق الميداني والرقابة العسكرية والمتابعة التقنية والعمل الوقائي داخل الوحدات، وتشير تقارير إلى أن الحركة طورت منظومة أمنية معقدة بعد اغتيال الجعبري، تعتمد على الفصل بين الدوائر وتقليل المعلومات المتاحة لكل عنصر.