السيسي غادره غاضباً .. في مشروع “الدلتا الجديدة”: خطاب “الإنجازات” المُتبخّر يواجه تبدد الثقة شعبيا

- ‎فيتقارير

منذ الإعلان عن مشروع «الدلتا الجديدة» عام 2018، قدّمته الدولة باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي في مصر، ومشروعاً قادراً على تغيير الخريطة الزراعية، لكن مع افتتاح المرحلة الجديدة من المشروع، بدا المشهد مختلفاً تماماً، فالمنقلب عبد الفتاح السيسي ظهر في خطاب اتسم بالتوتر والانفعال، مقاطعاً المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر بقوله: "فيه ناس كتير مش عارفة شغلكم ده، إعلاميين ومستثمرين، اشرح للناس وفرّح المصريين يا بهاء" (رئيس جهاز مستقبل مصر التابع للقوات الجوية).

وهي جملة تعكس وحدها أن السيسي يدرك أن الجمهور لم يعد يصدق الرواية الرسمية بسهولة، وأن فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين اتسعت إلى حدّ بات يفرض على رأس الانقلاب أن يطلب من المسؤولين "شرح" ما كان يُفترض أنه واضح.

هذا التوتر لم يكن معزولاً عن السياق العام، فالمشروع الذي بدأ منذ 8 سنوات لم يقدّم حتى الآن إجابات واضحة عن أسئلة أساسية: كم ينتج الفدان فعلياً؟ وأين إنتاجه في وقت يصل فيه سعر كيلو الطماطم 40 جنيها للشهر الثالث على التوالي؟، وأين يعمل «الـ2 مليون عامل» الذين تحدّث عنهم السيسي؟ ولماذا ما زال شباب غرب مصر — حيث يقع المشروع — من الفيوم والمنوفية يموتون في سيدي براني، ويُدفنون في صحراء ليبيا، ويغرقون في قوارب الهجرة؟ هذه الأسئلة لم تأتِ من المعارضة التقليدية، بل من مواطنين ونشطاء وصحفيين على منصة X، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة النقد العام.

خطاب رسمي مُرتبك

في الافتتاح الأخير، حاول جهاز «مستقبل مصر» تقديم نفسه باعتباره «محركاً للتنمية لا مستحوذاً عليها»، في ردّ واضح على الانتقادات التي طالته بشأن توسّع نفوذه الاقتصادي، لكن السيسي نفسه بدا وكأنه ينسف الخطاب الإعلامي الذي روّج للمشروع لسنوات، حين قال: "أوعوا تتصوروا مهما عملت هقدر أحقق اكتفاءً ذاتيا لـ110 مليون إنسان".

هذا التصريح الذي سمعه المصريون على الهواء، ونقلته مواقع محلية منها "المصري اليوم" فتح الباب أمام موجة من التعليقات الساخرة والناقدة، أبرزها ما كتبه الصحفي خالد محمود @khaledmahmoued1 الذي رأى أن خطاب السيسي "اتسم بالواقعية الجافة والصراحة المطلقة"، لكنه في الوقت نفسه كشف "فقاعة إعلامية ضخمة من التفاؤل المفرط" صنعتها وسائل الإعلام الرسمية لسنوات.

هذا التناقض بين خطاب الدولة وخطاب الإعلام خلق صدمة لدى المواطنين، فمن جهة، تُعلن الدولة عن 800 مليار جنيه استثمارات، و19 محطة رفع، و12 ألف كيلومتر طرق، و2000 ميجاوات كهرباء، ومن جهة أخرى، يعترف السيسي بأن الاكتفاء الذاتي مستحيل، وأن مصر تستورد "من 14 إلى 17 مليون طن أعلاف سنوياً" بخلاف القمح، هذا التباين جعل كثيرين يرون أن الدولة تبني مشروعات عملاقة على الورق، بينما الواقع المعيشي يزداد صعوبة.

 

وعود تتضخم ثم تتبخر

وعلى منصة X، كانت التعليقات أكثر حدّة، الناشط @7adasBelfe3l كتب ساخراً: «فكرة أن مشروع واحد يشغل 2 مليون شخص دي فكرة تخطت فكرة تصنيع الدولار في مصر".

ثم قدّم حسابات بسيطة تُظهر استحالة تشغيل هذا العدد في مشروع زراعي، قائلاً: إن "الفدان في أفضل الأحوال يحقق دخلاً لا يتجاوز 90 ألف جنيه، بينما تكلفة تشغيل عامل واحد في الصحراء لا تقل عن 72 ألف جنيه سنوياً، ما يعني أن "دخل الفدان لازم يوصل لـ200 ألف لتغطية التكلفة فقط، وده مبيحصلش في أراضي الدلتا، ما بالك بأرض صحراوية إنتاجيتها ضعيفة".

وفي تغريدة أخرى، كتب: "السيسي يهبد 800 مليار، يرفع تكلفة الاستصلاح من 9500 جنيه في 2014 إلى 400 ألف في 2026، وفي الآخر كل اللي استصلحه 400 ألف فدان لكنه يدّعي أنه قرب يخلص الـ2 مليون"، هذا النوع من النقد لم يعد هامشياً، بل أصبح جزءاً من النقاش العام، ويعكس فقدان الثقة في الأرقام الرسمية.

مشروع بلا مياه… وتمويل مرفوض دولياً

الباحث الاقتصادي إسحاق وعبر@isaac30208171  قدّم قراءة مختلفة، حين قال: إن "تقرير صدر قبل ثلاث سنوات يحذر من شح مائي في مصر عام 2025، وأضاف أن المشروع في جوهره: "إنشاء نهر صناعي في الدلتا الجديدة"، لكن الدولة تتجنب استخدام هذا المصطلح لتجنب المساءلة عن ملف نهر النيل وإثيوبيا.

الأخطر أن الباحث قال: إن "البنك الدولي رفض تمويل المشروع أكثر من مرة لأن الفكرة مبنية على افتراض عدم تأثر مصر بنقص حصتها من مياه النيل، وهو افتراض مرفوض"، وبدلاً من ذلك، كان البنك يقترح إنشاء محطات إعادة تدوير مياه بجوار كل منطقة زراعية لأنها "أرخص وأسرع وتوفر في كمية المياه".

واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات تكشف أن المشروع لم يكن مجرد قرار تنموي، بل قرار سياسي اتُّخذ رغم التحذيرات الدولية، ورغم غياب ضمانات مائية كافية مبني على اللا جدوى والحرث في الرمال وليس في البحر.

التنمية لا تُرى في البيوت

الكاتب عبد الجواد فايز @atefAlmalky4 قدّم تحليلاً اجتماعياً لافتاً، حين قال: إن "السؤال الحقيقي ليس متى نشعر بثمار التنمية؟ بل لماذا ما زالت بعيدة عن حياة الناس حتى الآن؟".

وأشار إلى أن المواطن يرى "مشروعات تُعلن بمليارات، وأرقام إنجازات تتصدر الأخبار"، لكنه في المقابل يعيش "غلاء مستمراً، ودخلاً لا يكفي الأساسيات، وضغطاً معيشياً يتزايد يوماً بعد يوم".

ثم ختم بسؤال قاسٍ: "إذا كان تحقيق مطالب 120 مليون مواطن ليس بالأمر السهل… فهل كان بالسهل الاستدانة وإغراق الأجيال القادمة في الدين؟".  ما يعكس إحساساً عاماً بأن التنمية التي تتحدث عنها الدولة لا تصل إلى المواطن، وأن المشروعات العملاقة لا تُترجم إلى تحسن في المعيشة.

https://x.com/atefAlmalky4/status/2056037076705910834

وسخر بقوة محمد عنان   @3nan_ma  "إحنا من الفرحة بنمشي نكلم نفسنا في الشارع، السيسي: افرحوا بأنفسكم، إحنا بقينا عايشين في كوكب زمردة، كيلو اللحمة وصل 500 جنيه يا عبدالفتاح"، وهي ليست مجرد نكتة، بل تعبير عن فجوة بين خطاب "الإنجاز" وواقع الأسعار.

مشروع ضخم… لكن الثقة منهارة

وبعد 8 سنوات من إطلاق مشروع الدلتا الجديدة، يمكن تلخيص المشهد في ثلاث نقاط أساسية — دون تعداد — بل في سياق تحليلي واحد:

المشروع ضخم من حيث الإنفاق والبنية التحتية، لكن غياب الشفافية حول الإنتاج الفعلي، وتضارب الأرقام، وتضخيم الوعود، جعل المواطنين يشكّون في جدواه.

أما الخطاب الرسمي فبدا مرتبكاً، والسيسي نفسه ظهر منفعلاً، وكأنه يدرك أن الناس لم تعد تصدّق بسهولة، وفي المقابل، قدّم الصحفيون والباحثون والنشطاء على X نقداً حاداً مدعوماً بالأرقام، كشف عن فجوة كبيرة بين ما يُعلن وما يُنجز. وبينما تتحدث الدولة عن 2 مليون فرصة عمل، ويرى المواطن أن الشباب يهربون من غرب مصر إلى ليبيا وتونس والبحر، وأن التنمية لا تُرى في البيوت، وأن الأسعار ترتفع بلا توقف.

ويبدو أن أزمة مشروع الدلتا الجديدة ليست أزمة زراعة أو مياه فقط، بل أزمة ثقة بين الدولة والمواطن، وبين الخطاب والواقع، وبين الوعود والنتائج. وهذه الأزمة — كما يظهر من ردود الفعل — أكبر بكثير من أي مشروع، مهما كان حجمه.