في أحدث تطور في ملف العلاقات المصرية الصينية، حمل البيان المشترك الصادر عقب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر إشارة مهمة إلى قضية النيل؛ إذ أكد الجانب الصيني الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي، مع التأكيد على مبادئ القانون الدولي وعدم الإضرار.
ويكتسب هذا الموقف (ليس جديدا) أهمية خاصة لأنه يأتي في وقت أصبح فيه سد النهضة الإثيوبي واقعًا تشغيليًا، وفي ظل حديث إثيوبي متزايد عن مشروعات وسدود جديدة على النيل الأزرق.
لكن اللافت أن الاعتراف الصيني بأهمية الأمن المائي المصري لم يتحول إلى موقف صيني مستقل وصريح من سد النهضة، أو إلى مطالبة علنية لإثيوبيا بإبرام اتفاق ملزم مع مصر والسودان ينظم قواعد الملء والتشغيل في سنوات الجفاف.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تتحرك الصين لدعم الموقف المصري، أم أنها تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين القاهرة وأديس أبابا؟ ويرى مراقبون أن "بكين قالت لمصر ما تريد سماعه.. لكنها لم تسمِّ إثيوبيا".
يرى الصحفي خالد محمود @khaledmahmoued1 أن أهم ما ورد في البيان المصري الصيني هو إدخال قضية النيل إلى وثيقة مشتركة مع قوة كبرى، معتبرًا أن اعتراف الصين بالأهمية الحيوية للنيل وحق مصر في حماية أمنها المائي يمثل مكسبًا دبلوماسيًا للقاهرة.
ويذهب هذا الطرح إلى أن الصين، رغم مصالحها الضخمة في إثيوبيا، قبلت صياغة تؤكد مبدأ عدم الإضرار والالتزام بالقانون الدولي، وهو جوهر الاعتراض المصري على طريقة إدارة سد النهضة.
الصين لم تختر مصر ضد إثيوبيا
وتقدم الصحفية منة متولي @MennaM100wally قراءة أكثر تحفظًا؛ فهي ترى أن قبول الصين بمبدأ عدم الإضرار لا يعني أن بكين اختارت القاهرة في مواجهة أديس أبابا.
وتشير إلى أن الصين ما زالت شريكًا مهمًا لإثيوبيا في مشروعات البنية التحتية والطاقة، وأن شركات صينية شاركت في مشروعات مرتبطة بشبكات نقل الكهرباء الخاصة بسد النهضة.
وبالتالي، فإن ما فعلته بكين، وفق هذه القراءة، هو قبول لغة قانونية تحفظ لمصر مبدأها الأساسي، من دون تحويل الصين إلى طرف ضد إثيوبيا.
وهي إشارة إلى أن السياسة الصينية تعترف بالمخاوف المصرية، مع المحافظة في الوقت نفسه على الشراكة الإثيوبية.
دعم فني!
في المقابل، أعاد تصريح مصطفى الفقي حول مساهمة الصين في سد النهضة باعتبارها دعمًا فنيًا، وليس انحيازًا سياسيًا، فتح الجدل حول طبيعة الدور الصيني في المشروع.
وقد جاء رد يحيى غنيم @YahyaGhoniem ساخرًا من هذا التفسير، مستحضرًا مشاركة أطراف وشركات ومؤسسات مختلفة في مراحل المشروع، ليطرح سؤالًا أوسع عن المسئولية السياسية لمن ساهم في بناء البنية التحتية التي جعلت السد ممكنًا.
وأنه يجب التفريق بين أمرين: المساهمة الفنية أو الاقتصادية في مشروع سد لا تعني تلقائيًا تبني الموقف السياسي للدولة صاحبة المشروع، لكنها في الوقت نفسه تمنح الدولة المساهمة مصالح وعلاقات وأدوات نفوذ داخل هذا المشروع.
وكيف أن الصين ليست مجرد متفرج في سد النهضة بل إن الصين ارتبطت بمشروعات البنية التحتية والطاقة في إثيوبيا، كما ارتبطت بمشروعات نقل الكهرباء المرتبطة بسد النهضة.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل الصين تؤيد إثيوبيا؟ بل: إلى أي مدى يمكن للصين أن تستخدم نفوذها الاقتصادي والتقني في إثيوبيا للتأثير في طريقة إدارة ملف النيل؟
وهنا تصبح صياغة البيان الصيني الأخير مهمة. فبكين، التي لها مصالح مباشرة مع إثيوبيا، اختارت أن تعترف أمام مصر بالأهمية الحيوية للنيل وبحقها في حماية أمنها المائي.. لكنها لم تذهب إلى الخطوة التالية: تحديد الطرف المسئول عن الخلاف أو إعلان تأييد اتفاق تشغيل ملزم لسد النهضة، بحسب غنيم.
الصين انحازت إلى إثيوبيا سابقًا
في المقابل، تقدم منشورات أخرى قراءة مختلفة تمامًا، فيرى د.نور الدين @DRofficial_NR21 أن التعويل على الصين للحصول على دعم في أزمة سد النهضة يتجاهل حقيقة ارتباطها بالمشروع الإثيوبي، ويعتبر أن القاهرة تقدم لبكين دعمًا سياسيًا في قضية الصين الواحدة بينما تنتظر منها مساندة في قضية المياه.
https://x.com/DRofficial_NR21/status/2095220987285676184
أما الصحفي عبد الحميد قطب فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويطرح اتهامات واسعة حول الدور الصيني في إثيوبيا، وعلاقة بكين بالسد والنظام الإثيوبي.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2093982643129819625
واعتبر أن هذه الادعاءات الأخيرة ينبغي التعامل معها باعتبارها مواقف وآراء أصحاب المنشورات، لا باعتبارها حقائق مثبتة ما لم يدعم كل منها بمصادر مستقلة.
واستعرض "قطب" في فيديو ما قاله الخبير الراحل هاني رسلان عن موقف الصين في مجلس الأمن، وتخصص رسلان في الشأن الأفريقي وقدم قراءة تعتبر أن الصين وروسيا اتخذتا موقفًا أقرب إلى إثيوبيا خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت تداعيات سد النهضة، مقابل موقف أمريكي أكثر قربًا من الرؤية المصرية.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2095112357034725752
وهذه النقطة، إذا وضعت بجوار البيان الصيني المصري الأخير، تفتح بابًا مهمًا للمقارنة: هل تغير الموقف الصيني فعلًا، أم أن بكين أصبحت أكثر براعة في إدارة علاقاتها المتعارضة مع القاهرة وأديس أبابا؟ بين الموقف الصيني والموقف المصري.. من يملك أوراق الضغط؟
وينتقد محمد رضا @MohamedReda235 ما يراه ضعفًا في إدارة ملفات متعددة، بينها سد النهضة والسودان، معتبرًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بمواقف القوى الخارجية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة المصرية على وضع أهداف واضحة واستخدام أدواتها ومحاسبة المسؤولين عن تنفيذها.
https://x.com/MohamedReda235/status/2095111955811844555
وتحميل الصين وحدها مسئولية ما آلت إليه أزمة السد قد يؤدي إلى تجاهل السؤال الأصعب: هل نجحت مصر في تحويل علاقاتها مع القوى الكبرى إلى أوراق ضغط فعلية، أم اكتفت بالحصول على بيانات دبلوماسية داعمة؟
الصين مع الجميع
وبحسب كتاب فإن عبارة الصين تدعم إثيوبيا ربما صحيحة فقط إذا استخدمت لوصف بعض جوانب العلاقة الاقتصادية والتقنية والسياسية، لكنها تصبح مضللة إذا قدمت باعتبارها وصفًا كاملًا للسياسة الصينية.
فبكين لديها مصالح كبيرة مع إثيوبيا، وفي الوقت نفسه لديها مصالح استراتيجية كبيرة مع مصر، ولهذا تبدو السياسة الصينية أقرب إلى إدارة التناقضات منها إلى اختيار طرف واحد. والصين تستطيع التعاون مع إثيوبيا في الطاقة والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه الاعتراف لمصر بأن النيل مسألة أمن مائي حيوية بالنسبة إليها.
لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يصبح هذا التوازن مكلفًا: هل ستستخدم بكين نفوذها لدى إثيوبيا للدفع نحو قواعد تشغيل متفق عليها، أم ستكتفي بالدعوة العامة إلى التعاون وعدم الإضرار؟
من يدير المياه؟
وتتقاطع الرؤية الصينية مع ما يقوله عدد من خبراء المياه الذين ناقشنا مواقفهم، فبعد اكتمال سد النهضة، لم يعد السؤال الأساسي هو قدرة إثيوبيا على بناء السد، وإنما قواعد تشغيله، وتبادل البيانات، وإدارة سنوات الجفاف، والتعامل مع التصريفات الطارئة، وأثر أي سدود إثيوبية جديدة في منظومة النيل الأزرق.
والمشكلة ليست بالضرورة في إنتاج الكهرباء ذاته، وإنما في غياب قواعد ملزمة تحكم طريقة استخدام الخزانات عندما تختلف مصالح دول المنبع والمصب.
الولايات المتحدة والصين.. اللعبة أكبر
يرى السفير عبد الرحيم شلبي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن التقارب الأمني الأمريكي الإثيوبي الأخير لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن مصر في ملف المياه، بل يمكن أن يمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر على أديس أبابا للدفع باتجاه تسوية.
أما الصين، فتبدو في وضع مختلف: هي لا تريد خسارة إثيوبيا، ولا تريد في الوقت نفسه خسارة مصر. وهذا يجعل الدور الصيني شديد الأهمية بالنسبة للقاهرة، لكن بشرط ألا تخلط مصر بين التأييد الدبلوماسي العام وبين الاستعداد لاستخدام النفوذ الصيني فعليًا في مواجهة أزمة تشغيل السد.
المفارقة الأكثر إثارة في البيان المصري الصيني الأخير أن القاهرة أكدت لبكين التزامها بمبدأ الصين الواحدة، واعتبرت تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، بينما حصلت في المقابل على اعتراف صيني بأهمية النيل وأمن مصر المائي.
وهنا يمكن طرح سؤال سياسي مشروع: هل تستطيع مصر تحويل الدعم السياسي الذي تقدمه للصين في الملفات التي تعتبرها بكين جوهرية إلى نفوذ صيني أكبر في ملف النيل؟
فإذا كانت القاهرة تقدم لبكين موقفًا واضحًا في قضية تايوان، فإن المطلوب منها ألا تكتفي بالحصول على عبارة دبلوماسية بشأن النيل، وإنما أن تسعى إلى تحويل هذه العبارة إلى سياسة صينية قابلة للقياس: دعم تبادل البيانات، تشجيع اتفاق ملزم للتشغيل، الدفع نحو آليات لإدارة الجفاف، وعدم دعم أي ترتيبات مائية جديدة تضر بدول المصب.
وساهمت الصين اقتصاديًا وفنيًا في البنية المرتبطة بالمشروع الإثيوبي، ولها مصالح واسعة في إثيوبيا. لكنها في الوقت ذاته اعترفت رسميًا بأهمية النيل بالنسبة إلى مصر وبحقها في حماية أمنها المائي.
أما أحمد البقري، @AhmedElbaqry فإن منشوره يعود إلى عام 2019، وبالتالي فهو مفيد لفهم الخلفية السياسية المصرية لإدارة الملف أكثر مما يصلح دليلًا على الموقف الصيني الحالي، فكتبه بمناسبة اعلان السيسي وصول مفاوضات سد النهضة لطريق مسدود! مضيفا "حابب اذكره بما قاله في ديسمبر 2015.. السيسي عن سد النهضة: اطمئنوا الأمور جيدة وأنا مضيعتكوش قبل كده عشان اضيعكم دلوقتي!