شهدت مصر منذ عام 2014، وتولي المنقلب عبد الفتاح السيسي السلطة عقب انقلابه المشئوم علي الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي توسعاً ملحوظاً في سياسات نزع الملكية للمنفعة العامة المرتبطة بمشروعات التنمية العمرانية والبنية التحتية، وهو ما انعكس في إزالة قطاعات واسعة من الكتل العمرانية، ونقل أعداد كبيرة من السكان، وإعادة توزيع الاستخدامات المكانية داخل المدن. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل الحيز العمراني، خاصة مع تصاعد دور الدولة في إدارة المجال الحضري وإعادة تشكيله عبر مشروعات الطرق والمحاور والتوسع العمراني وإعادة تخصيص الأراضي.
وفي هذا السياق، توسعت الأدبيات المرتبطة بالإزاحة العمرانية والتهجير القسري في دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والمكانية الناتجة عن مشروعات التنمية والبنية التحتية، مع التركيز على قضايا فقدان الاستقرار السكني، وتفكيك الشبكات الاجتماعية، وتأثير التحولات القسرية على أنماط المعيشة والعمل. إلا أن أغلب هذه الدراسات اعتمدت على المقاربات الوصفية أو السرد القانوني والتوثيقي للحالات، كما تناولت أبعاد الظاهرة بصورة منفصلة، مثل عدد السكان المتأثرين أو المساحات المنزوعة أو قيم التعويضات، دون تطوير أدوات كمية قادرة على قياس شدة التدخل العمراني بصورة مركبة تسمح بالمقارنة بين المشروعات المختلفة زمنياً وجغرافياً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نماذج معيارية تسمح بتحويل التدخلات العمرانية المعقدة إلى وحدات قياس قابلة للتحليل المقارن.
وفي المقابل، طورت العلوم الاجتماعية والاقتصادية ما يُعرف بـ “المؤشرات المركبة ” (Composite Indices)، وهي نماذج تحليلية تقوم على دمج متغيرات متعددة داخل إطار حسابي موحد لقياس الظواهر المعقدة التي يصعب اختزالها في متغير منفرد. وقد استُخدمت هذه النماذج في مجالات مثل التنمية البشرية، والفقر متعدد الأبعاد، والهشاشة الاجتماعية، اعتماداً على تقنيات التوحيد المعياري للبيانات واستخدام الأوزان النسبية لإنتاج مؤشرات قابلة للمقارنة الإحصائية بين الحالات المختلفة.
كما تقدم أدبيات تحليل السياسات العمرانية إطاراً تفسيرياً لفهم الدور المتزايد للدولة في إعادة تشكيل المجال الحضري من خلال مشروعات البنية التحتية والتوسع العمراني وإعادة تخصيص الأراضي. وقد طرحت هذه الأدبيات مفاهيم مثل “الدولة العمرانية” (Urban State) وإعادة إنتاج المجال الحضري”، مؤكدة أن التدخلات العمرانية الكبرى لا تمثل مجرد عمليات تخطيطية أو هندسية، بل ترتبط بإعادة توزيع السكان والموارد والمساحات داخل المدينة، وما يصاحب ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية ممتدة.
كذلك، تشير مقاربات التحليل الطولي للسياسات العامة (Longitudinal Policy Analysis) إلى أن أثر السياسات لا يمكن اختزاله في لحظة زمنية واحدة، بل ينبغي فهمه باعتباره عملية ممتدة تتراكم آثارها عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير أدوات تحليلية قادرة على قياس “الضغط العمراني المستمر” الناتج عن المشروعات الممتدة زمنياً، بدلاً من اختزال أثرها في سنة تنفيذ واحدة.
وفي ضوء هذه الأدبيات، استعان ديوان العمران بمجموعة من الخبراء والمختصين في مجالات البحوث الكمية والعلوم الاجتماعية وتحليل السياسات العامة، بهدف تطوير نموذج رياضي مركب يسمح بتحويل البيانات المتفرقة الخاصة بمشروعات نزع الملكية إلى وحدات قياس معيارية قابلة للمقارنة والتحليل. وفي هذا السياق، يقدم ديوان العمران مؤشر شدة نزع الملكية:
حيث يقدم في تقرير جديد أول قاعدة بيانات شاملة لرصد وتحليل عمليات نزع الملكية، خلال الفترة 2021 الى 2025، مع تطوير مؤشر لقياس التأثيرات المصاحبة لهذه العمليات وليس فقط مساحتها الجغرافية.
ورصدت الدراسة " 525 مشروعًا" لنزع الملكية خلال الفترة (2021–2025)، نتج عنهم نزع ملكية نحو" 88,769 فدان"، مملوكة لنحو" 136,519 أسرة"، بإجمالي يقارب" 546,077 شخص" وقد بلغ إجمالي العقارات المنزوعة نحو" 19,627 عقار"، وإجمالي قطع الأراضي المتضررة" "32,533 قطعة أرض"، فيما سجلت الوحدات السكنية المتضررة أعلى الأرقام بإجمالي" 110,537 وحدة سكنية" . وبلغ إجمالي الأسر المتضررة خلال الفترة" 2021–2025" نحو" 136,519 أسرة"، فيما قُدر عدد الأشخاص المتضررين بنحو" 546,077 شخص"، وهو ما يعكس الاتساع الكبير للنطاق الاجتماعي المرتبط بمشروعات نزع الملكية خلال سنوات الدراسة.
ومثّل عام 2022 ذروة النشاط التنفيذي والإداري، بعدما سجل 171 مشروعًا مقارنة بـ 117 مشروعًا" في عام 2021، قبل أن تتراجع الأعداد تدريجيًا إلى" 98 مشروعًا" في عام 2023، "و80 مشروعًا" في عام 2024، وصولًا إلى "59 مشروعًا" في عام 2025. وتركزت الغالبية المتضررة داخل اقليم القاهرة الكبرى، حيث سجلت القاهرة وحدها "201,639 شخص متضرر"، تلتها الجيزة بإجمالي" 157,476 شخص".
وتصدر قطاع الطرق والكباري جميع القطاعات من حيث شدة نزع الملكية بإجمالي بلغ 1,655 نقطة، كما سجل العدد الأكبر من المشروعات بإجمالي 157 مشروعًا، نتيجة التوسع الكبير في المحاور المرورية والطرق الإقليمية. وجاء قطاع الأبنية التعليمية في المرتبة الثانية بإجمالي 1,352.81 نقطة، رغم محدودية المساحات المنزوعة المرتبطة به، بسبب الطبيعة المركبة لمشروعات المدارس المؤجرة وتعدد الملكيات المرتبطة بها. كما برز قطاع التنمية العمرانية والإسكان باعتباره الأعلى من حيث المساحات المنزوعة وعدد المتضررين، بعدما سجل نحو "49,415 فدان" ونحو "271,254 شخص متضرر"، مدفوعًا بمشروعات المدن الجديدة والتطوير العمراني واسع النطاق. وكذلك سجل قطاع مياه الشرب والصرف الصحي والاستزراع "1,010.72" نقطة على المؤشر، بينما جاءت الخدمات العامة والنقل العام والرجراجات العامة ضمن القطاعات الأقل نسبيًا من حيث شدة التأثير.
وجاءت وزارة التنمية المحلية في صدارة الجهات صاحبة التأثير الأعلى على مؤشر شدة نزع الملكية بإجمالي "1,720.48" نقطة، تلتها وزارة النقل "بـ 1,393.84" نقطة، ثم وزارة التربية والتعليم بـ "1,292.28" نقطة. كما سجلت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية أعلى مساحة جغرافية منزوعة بين جميع الجهات الحكومية بإجمالي بلغ" 41,587 فدان"، في حين سجلت وزارة النقل أعلى عدد متضررين بنحو" 306,448 شخص".