السيسي والإمارات.. كيف تحوّلت مصر من دولة قائدة إلى رهينة للنفوذ الخليجي؟

- ‎فيتقارير

لم يصل السيسي لحكم مصر بطريقة طبيعية بامتلاكه كفأه سياسة أو قيادة حزب سياسي عريق أوصله لسدة الحكم عن طريق انتخابات نزيهة، لقد اغتصب حكم مصر بانقلاب دموي عندما انقلب على أول رئيس مدني منتخب عام 2013، وباستخدام القوة الغاشمة بمساعدة وتخطيط قوى خارجية من أبرزها دويلة الإمارات العربية ودولة الكيان المحتل، ونظير هذه المساعدة فتح أبواب البلاد على مصرعيها للنفوذ الإماراتي.
كشفت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية حجم الهوان الذي وصلت إليه مصر تحت حكم عبد الفتاح السيسي، مؤكدة أن السيسي يتحرك بخوف وحذر شديد في علاقته مع أبو ظبي، لدرجة أنه عرض وأرسل طيارين مقاتلين لدعم الإمارات لضمان استمرار تدفق ملياراتها التي تنقذ نظامه الفاشل

الكارثة ليست في التبعية المالية فقط، بل في رعب النظام من النفوذ الإماراتي المتمدد الذي يطوق مصر من كل اتجاه؛ عبر دعم قوات "الدعم السريع" في السودان، والانفصاليين في ليبيا، وحتى التقارب الخطير مع إثيوبيا في ملف سد النهضة.

العميل الذي صنع سجانه
كيف يخاف السيسي من نفوذ الإمارات وهو من فتح لها أبواب مصر وأراضيها ومفاتيح أمنها القومي على مصراعيها؟
الإجابة بسيطة: السيسي لم يكن يوماً رجل دولة يحمي سيادتها، بل هو أداة وظيفية وعميل ينفذ أجندة من يدفع أكثر ليضمن بقاءه على الكرسي.
هو من شرعن التغول الإماراتي ببيع الأصول السيادية كـ "رأس الحكمة"، وهو من صمت على عبث أبو ظبي في حوض النيل ومحيط مصر الحيوي، بواب بدرجة رئيس.
السيسي اليوم يمثل دور "البواب" الذي سلم مفاتيح العمارة لمن يدفع، ثم اكتشف أن المشتري يخطط لهدمها فوق رأسه.

لقد حول مصر من قوة إقليمية مهابة إلى رهينة مكبلة بالديون "تجاوزت 90% من الناتج المحلي وفق الإيكونوميست"، تعيش على مساعدات الخليج وتنفذ إملاءاته، لتختفي مصر سياسياً وجغرافياً في مشهد لم يحدث في أسوأ عصور الانحطاط.
 
ما تعليقك على وصول مصر لمرحلة تخشى فيها من نفوذ دويلة كانت تستظل بحمايتها يوماً ما؟ وهل السيسي ضحية أم شريك في هذا التطويق.

ويدير السيسي هذه المعادلة الحساسة عبر مسار مزدوج يقوم على طمأنة الإمارات لضمان استمرار التدفقات التمويلية والدعم السياسي، مع احتواء المؤسسة العسكرية في الوقت ذاته من خلال الإبقاء على قطاعات رئيسية تحت سيطرتها، وكذلك إشراكها تنفيذياً في مشروعات ممولة إماراتياً، إلا أن هذا النهج يقوم في جوهره على تأجيل الصدام أكثر من معالجته، إذ إن أي اختلال في هذا التوازن، سواء عبر توسيع الامتيازات الخارجية أو تقليص أدوار الجيش يؤدي إلى رفع كلفة الاحتواء وتراكم مخاطر مرتبطة بالولاء داخل بنية النظام
وبناءً على ذلك يواجه النظام المصري معضلة مركزية تتمثل في حدود الانحياز، إذ لا يستطيع الانحياز الكامل لأي طرف، ففقدان الدعم الإماراتي يعني التعرض لضغوط مالية حادة، في حين أن المساس بامتيازات الجيش يهدد العمود الفقري للحكم، وهو ما يجعل إدارة الامتيازات الاقتصادية أقرب إلى أداة حكم وبقاء منها إلى مجرد سياسة اقتصادية تقليدية، وهو يكشف في الوقت ذاته أن أحد أعقد التحديات التي تواجه النظام المصري تتمثل في إدارة تنافس غير مُعلن بين الحليف الممول ممثلاً في الإمارات والمؤسسة الضامنة ممثلة في الجيش، حيث إن اتساع فجوة الامتيازات بين الطرفين يرفع كلفة الموازنة ويزيد من احتمالات انفجار مؤجل قد ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار والسيادة الاقتصادية.
ويدرك السيسي أن إرضاء المؤسسة العسكرية وتوسيع امتيازاتها الاقتصادية يمثل الضامن الأساسي لاستمرار بقائه في السلطة، باعتبارها العمود الفقري للنظام، بينما يدرك في المقابل أهمية الحفاظ على الدعم الإماراتي الذي يوفر له غطاءً مالياً وسياسياً مستمراً، وهو ما يدفعه إلى إدارة هذه العلاقة بدرجة عالية من الانضباط والتوازن، بما يضمن عدم تغليب طرف على حساب الآخر بشكل فج، وهو نهج يبدو أنه نجح في الحفاظ على استقرار هذه المعادلة حتى الآن.
وبناءً على ذلك، يُعد هذا التوازن بين الاقتصاد العسكري والنفوذ الاستثماري الإماراتي أحد المحددات الجوهرية لطبيعة العلاقة الاقتصادية بين مصر والإمارات، كما يقدّم تفسيراً مهماً لكثير من القرارات الاقتصادية الكبرى التي اتُخذت خلال العقد الأخير، والتي جاءت في كثير من الأحيان انعكاساً مباشراً لمحاولة إدارة هذا التداخل المعقّد دون الوصول إلى نقطة تصادم مفتوح.  
على سبيل المثال، وبالاستناد إلى معطيات خاصة، ظلّ ملف رأس الحكمة محلّ تحفّظ من جانب المؤسسة العسكرية، التي لم تكن تميل إلى طرحه للاستثمار بشكل عام. وعند طرح المشروع بوصفه يتضمن استثماراً إماراتياً، برز رفض واضح في البداية، إلا أن تفاقم الضغوط الاقتصادية ووصول الوضع إلى مرحلة حرجة فرض البحث عن صفقة كبرى قادرة على إنعاش الاقتصاد، ما أدّى إلى تغيّر موقف المؤسسة العسكرية، في هذا السياق، عُقد اجتماع مع السيسي جرى خلاله التوصل إلى صيغة توافقية اعتُبرت مُرضية للأطراف المعنية، ما مهّد لهذا التحول. وعلى إثر ذلك، صدر القرار رقم 55 لسنة 2024 بتخصيص قطعة أرض بمساحة 170.8 مليون متر مربع في نطاق محافظة مطروح لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، لاستخدامها في إنشاء مدينة رأس الحكمة، وذلك نقلاً من الأراضي المملوكة للقوات المسلحة، وقد نُشر القرار في الجريدة الرسمية، وكان ذلك بعد الإعلان عن الصفقة بأيام قليلة.
 
تمتد منطقة رأس الحكمة على شريط ساحلي بطول يقارب 50 كيلومتراً، وتتميز بتضاريس وارتفاعات تجعلها ذات أهمية جغرافية خاصة. وهو ما رُبط لاحقاً بدور مؤسسات الدولة المعنية بالشأن العسكري والأمني في هذا الملف.
كما أبدت المؤسسة العسكرية، بحسب معطيات خاصة، تحفظاً على بعض مسارات التخارج أو إعادة الهيكلة المرتبطة بعدد من الشركات ذات الطابع الاستراتيجي، ومن بينها شركتا “صافي” ووطنية”. وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات إلى أنه كان هناك رفض لطرح فكرة التخارج من هاتين الشركتين لصالح دخول استثمارات أو شراكات إماراتية، أو نقل ملكيتهما إلى الجانب الإماراتي، بالنظر إلى طبيعتهما باعتبارهما من الأصول المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية للمؤسسة، وكان الرفض بسبب عدم قبول قيادة المؤسسة للاستحواذ المستمر من قبل دولة الإمارات على حصص ونفوذ من المؤسسة العسكرية المصرية.
ويعكس هذا الموقف درجة من الحساسية تجاه إدارة الأصول الاستراتيجية، حيث لم يُتجه إلى فتح هذه الكيانات أمام ترتيبات تخارج يمكن أن تنتهي بانتقالها إلى أطراف خارجية، وفي مقدمتها الجانب الإماراتي، بما يشير إلى حرص على الإبقاء على السيطرة المؤسسية على هذه القطاعات، ويأتي ذلك ضمن نمط أوسع من الانتقائية في التعامل مع ملفات الاستثمار والتخارج، يقوم على الموازنة بين جذب الاستثمارات الأجنبية من جهة، والحفاظ على الملكية والسيطرة على الأصول ذات الطابع الاستراتيجي من جهة أخرى.