حرائق المصانع والورش والمنشآت الصغيرة فى الأحياء والمناطق السكنية لا تتوقف فى زمن الانقلاب، فلا يكاد يمر أسبوع دون وقوع حادث من هذه الحوادث الكارثية وأرواح المصريين تضيع هباء دون أن تتحمل حكومة الانقلاب أي مسئولية؛ رغم أنها هى المتسببة في هذه الكوارث بسبب الإهمال وغياب الرقابة، بجانب عدم توافر اشتراطات الصحة والسلامة المهنية، التى تعد العامل والعنصر الأساسى فى النجاة من هذه الحوادث.
كانت منطقة الزاوية الحمراء قد شهدت حريق مصنع ملابس تسبب فى وفاة 7 فتيات وإصابة 5 أخريات، وكان هذا الحادث بمثابة جرس إنذار لفتح ملف المنشآت الصناعية الموجودة داخل الكتل السكنية، لكن لم يتحرك أحد، حتى جاء حادث مأساوى جديد وقع داخل معمل لإنتاج المخللات فى محافظة الأقصر، أسفر عن 6 وفيات و3 مصابين، حيث توفى صاحب المعمل وأبناؤه الأربعة وشقيقه، إثر تعرضهم لصعق كهربى داخل بئر مياه مزودة بغاطس خاص بأعمال التخليل.
الخبراء أرجعوا هذه الكوارث إلى غياب اشتراطات الصحة والسلامة المهنية فى المصانع والورش مع تراجع دور التفتيش والرقابة على هذه المنشآت، فى ظل وقف التعيينات الخاصة بموظفى هذا النوع من الرقابة منذ التسعينيات، وقلة أعداد الموظفين فى مديريات الصحة والسلامة المهنية.
اشتراطات السلامة
يُشار إلى أن اشتراطات السلامة والصحة المهنية.. هى مجموعة القواعد والإجراءات والتدابير التى تهدف إلى توفير بيئة عمل آمنة، وحماية العمال والممتلكات من الإصابات والأمراض المهنية والأضرار المادية، ومن أبرزها تأمين الآلات والأدوات وأجهزة الرفع والجر ووسائل الانتقال لمنع حوادث الاصطدام أو السقوط، والصيانة الدورية للمعدات والتأكد من سلامة عناصر التحكم والتشغيل، وإلزام العمال بارتداء المعدات المناسبة لطبيعة العمل مثل: الخوذات، نظارات الحماية، قفازات الأمان، أحذية السلامة، وأقنعة التنفس.
بالإضافة إلى توفير الإضاءة الكافية والتهوية الجيدة للوقاية من الغازات والأتربة والأبخرة الضارة، والتحكم فى مستويات الضوضاء والحرارة داخل أماكن العمل لتجنب إجهاد العمال أو فقدان السمع، والوقاية من الحريق والطوارئ بتوفير مخارج طوارئ واضحة وغير مسدودة مع وجود إضاءة طوارئ وإرشادات واضحة، مع توفير طفايات الحريق المناسبة لأنواع الحريق المحتملة وفحصها بانتظام، إلى جانب التدريب على خطط الإخلاء، وتدريب العاملين المستمر على كيفية التعامل الآمن مع المواد الخطرة والآلات، فضلًا عن اشتراطات خاصة بكل مجال.
تفتيش دورى
من جهته، قال الدكتور مجدى صليب، الرئيس السابق للمركز القومى لدراسات السلامة والصحة المهنية، إن هناك اشتراطات خاصة بكل مهنة قبل إنشاء المشروع الخاص بها، ومن المفترض أن يكون هناك تفتيش دوري على المشروع وفقًا للاتفاقيات الدولية.
وأعرب صليب فى تصريحات صحفية عن أسفه لعدم وجود رقابة أو تفتيش دورى على المصانع والورش الصغيرة فى الوقت الحالى، مع قلة أعداد الموظفين فى الصحة والسلامة المهنية، خاصة بعد وقف التعيينات منذ التسعينيات.
وكشف أن جهاز التفتيش والرقابة على السلامة والصحة المهنية يعانى أشد المعاناة بسبب قلة الموظفين، لافتًا إلى أن أعداد الموظفين فى هذا الجهاز تراجعت بشدة، لأن من يخرج على المعاش لا يتم تعيين غيره.
وأشار صليب إلى أن هناك إدارات عامة للصحة والسلامة المهنية فى 27 مديرية وفى كل مركز هناك مكتب، لكن العدد الذى يعمل فى هذه الجهات أصبح 3 أو 4 موظفين فى كل مديرية، وبالتالى الحل السريع للرقابة على المصانع والورش هو عودة القوة لهذا الجهاز، وتعيين موظفين له كما كان فى السابق.
وأكد أن المركز القومى لدراسات السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل كان فيه 1000 موظف والآن أصبحوا 60 موظفًا، مشددا على أنه لا يوجد من يهتم بالصحة والسلامة المهنية فى مصر حاليًا، لأن دولة العسكر لا تريد تحميل صاحب العمل أعباء.
وأوضح صليب أن سلامة بيئة العمل عنصر أساسى وضرورى، ولا يوجد ما يُسمى بورشة صغيرة أو كبيرة، لأن كل نشاط لا بد أن يخضع لاشتراطات الصحة والسلامة المهنية طبقًا للمعايير الدولية.
المحليات
وقال شعبان خليفة، رئيس النقابة العامة للعاملين بالقطاع إن المسئول الأول والأخير عن تكرار حوادث المصانع والورش الصغيرة هى حكومة الانقلاب، بسبب تأخرها فى إصدار قانون المحليات الذى يُمكن أعضاء المجالس المحلية من المشاركة فى الرقابة على المصانع والورش داخل الأحياء.
وتساءل خليفة فى تصريحات صحفية: أين المحليات والمحافظون ورؤساء المدينة، كيف يتم تشغيل هذه المصانع بدون رخصة، وإذا كانت تمتلك رخصة فأين التفتيش على اشتراطات السلامة والصحة المهنية داخلها، وأين دور مفتشى العمل، وهل هذه المصانع أو الورش الصغيرة يصح أن تعمل فى هذه الأماكن أم لا؟
كما تساءل عن دور وزارة الكهرباء فى السماح بتوصيل الكهرباء لهذه الورش والمصانع، وكذلك المياه والصرف، مشيرًا إلى أن أى مصنع حتى يحصل على الترخيص لا بد أن يكون فيه مخرج مياه ومخرج صرف، فهل هذا كان مطبقًا فى المصانع التى تشهد حوادث متكررة أم لا، وأين اشتراطات الدفاع المدنى للحفاظ على أرواح العمال؟
أرواح العمال "مبقاش ليها قيمة"
وتابع خليفة : للأسف أرواح العمال مبقاش ليها قيمة ، خاصة أن نسبة ليست بالقليلة منهم غير مؤمن عليهم، وإذا لم يكن مؤمنا عليهم فأين دور مفتشى التأمينات الاجتماعية فى ذلك، ولماذا لم يقوموا بدورهم؟، مشددا على أن المسئولية مشتركة بين الجهات الحكومية المختلفة.
وفيما يتعلق بحقوق هؤلاء العمال، أشار إلى أن أهل الضحايا يجب عليهم إقامة دعاوى قضائية يتهمون فيها أصحاب الأعمال بجناية القتل السلبى، وتعريض أرواح الناس للخطر، وهذا فيما يتعلق بالشق الجنائى، أما الشق المدنى فيتمثل فى إقامة دعوى بالتعويض المادى والمعنوى على صاحب العمل بسبب فقدان مصدر الرزق، وإذا لم يكن مؤمنًا على العمال تختصم التأمينات الاجتماعية لإصدار معاش بسبب تقاعس موظفيها عن القيام بالعمل، والتفتيش على هذه المصانع والورش.