هل يرضخ الانقلاب للشروط الامريكية والصهيونية .. مصر ساحة للصراع بين واشنطن وبكين على إنشاء بنية للذكاء الاصطناعي

- ‎فيتقارير

تتحول مصر إلى ساحة جديدة للتنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، مع دخول القاهرة في دائرة الاهتمام بمشروع لإنشاء بنية تحتية متقدمة للحوسبة بالذكاء الاصطناعي، في صفقة تبدو تجارية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادًا إستراتيجية تتصل بالتكنولوجيا والسيادة الرقمية وموقع مصر في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي.

فهل تنجح حكومة الانقلابؤ الحيوي في قطاع من اهم القطاعات حساسية في اختيار الجهة التي تمنح مصر الاستقلالية والسيادة الرقمية ام ترضخ كعادتها للشروط الامريكية والصهيونية المجحفة؟

كانت شركة «هواوي» الصينية قد تقدكت بعرض للحكومة المصرية لإنشاء البنية التحتية للمشروع باستخدام أكثر من ألفي رقاقة متقدمة من إنتاجها، في وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تشكيل تحالف من شركات أمريكية لتقديم عرض منافس.

ولم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن اختيارها لأي من العرضين، ما يضع القاهرة أمام مفاضلة تتجاوز الجانب الفني أو المالي، لتشمل حسابات سياسية وإستراتيجية مرتبطة بالتنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين على مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

 

أكثر من ألفي رقاقة في العرض الصيني

وبحسب معلومات أوردتها «بلومبرغ»، يتضمن العرض الصيني توريد 1408 رقائق من سلسلة   «Ascend 950» لاستخدامها في سحابة مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب 600 رقاقة إضافية من الطراز نفسه أو من طراز «Ascend B 910» الأقدم، لتشغيل مركزين مخصصين لما يُعرف بـ«الاستدلال»، أي تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد الانتهاء من تدريبها. واقترحت «هواوي» تنفيذ البنية التحتية للمشروع خلال نحو 12 شهرًا، وفق الوثائق المتعلقة بالعرض.

لكن أهمية المشروع بالنسبة للشركة الصينية لا ترتبط فقط بحجمه التجاري، إذ يمكن أن يُمثل في حال إتمامه أحد أبرز الاختبارات الخارجية لقدرة «هواوي» على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى خارج الصين، في ظل محاولاتها توسيع حضورها في الأسواق الدولية.

وتواجه الصفقة في المقابل تحديات مرتبطة بالقيود الأمريكية المفروضة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى دول أخرى، إذ تخضع بعض شحنات رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مصر لمتطلبات ترخيص أمريكية منذ عام 2023.

كما سبق أن حذرت إدارة ترامب من أن استخدام بعض رقائق «هواوي» المتقدمة من دون موافقة واشنطن قد يُعرض الجهات المستخدمة لها لإجراءات وعقوبات، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا إلى القرار المصري المنتظر.

 

من مركز بيانات إلى "مصنع رقمي"

لا يتعلق المشروع بمجرد إنشاء مركز بيانات تقليدي، فمراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة تختلف عن تلك المستخدمة في مراكز البيانات التقليدية.

وتضم هذه المنشآت آلاف الخوادم، ووحدات تخزين متطورة، وشبكات عالية السرعة، ومعالجات متخصصة قادرة على التعامل مع كميات هائلة من البيانات وإجراء عمليات حسابية معقدة في وقت قصير.

ولهذا يوصف مركز بيانات الذكاء الاصطناعي أحيانًا بأنه أشبه بـ"مصنع رقمي"، حيث يتم إدخال كميات هائلة من البيانات والعمليات الحسابية لإنتاج نماذج وخدمات وتطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ومصر تمتلك بالفعل مراكز بيانات وتعمل منذ سنوات على تطوير بنيتها التحتية الرقمية، إلا أن إنشاء مركز مخصص للذكاء الاصطناعي بهذا الحجم ينقل البنية الرقمية المصرية إلى مستوى مختلف، خصوصًا إذا ارتبط بتدريب نماذج متقدمة وتشغيلها على نطاق واسع.

 

السيادة الرقمية.. الجانب الأكثر حساسية

وتبرز مع المشروع قضية أخرى لا تقل أهمية عن حجم قدرات الحوسبة، وهي قضية "السيادة الرقمية"، فمراكز البيانات المتقدمة يمكن أن تتعامل مع كميات ضخمة من البيانات الحكومية والمالية والصحية والتجارية، إضافة إلى بيانات المستخدمين والشركات.

وبالتالي فإن وجود الخوادم والبنية الحاسوبية داخل الأراضي المصرية يمنح الدولة درجة أكبر من السيطرة المادية على البيانات، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق السيادة الرقمية الكاملة.

فطبيعة الشركات التي توفر المعدات والبرمجيات، ومكان تطوير التكنولوجيا، وطرق إدارة البيانات، وآليات تحديث الأنظمة، إضافة إلى إمكانية الاعتماد على تقنيات أجنبية، كلها عوامل تحدد مستوى الاستقلال الفعلي الذي يمكن أن تتمتع به الدولة.

ومن هنا، يصبح اختيار التكنولوجيا الصينية أو الأمريكية قرارًا يتجاوز مسألة عدد الرقائق وسرعة المعالجة إلى سؤال أوسع حول الجهة التي ستملك مفاتيح البنية الرقمية المصرية في السنوات المقبلة.

 

لماذا تريد واشنطن وبكين مصر؟

تمثل مصر موقعًا مهمًا في الحسابات التكنولوجية والاستثمارية للطرفين. فهي واحدة من أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان، وتتمتع بموقع جغرافي يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، كما تمتلك بنية اتصالات متطورة نسبيًا وكفاءات بشرية وشركات ناشئة تعمل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

ويتيح إنشاء بنية متقدمة للحوسبة في مصر إمكانية تحويلها إلى مركز إقليمي لخدمات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من اقتصار المشروع على تلبية احتياجات السوق المحلية.

 

كما يأتي المشروع في وقت تتسابق فيه دول المنطقة، خصوصًا السعودية والإمارات، على بناء قدرات ضخمة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وضخ استثمارات بمليارات الدولارات في هذا القطاع.

وبالتالي فإن نجاح مصر في إنشاء بنية تحتية متقدمة للحوسبة يمكن أن يمنحها موقعًا أفضل في سوق التكنولوجيا الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام منافسة إقليمية ودولية متزايدة.

 

تعاون تكنولوجي متصاعد بين القاهرة وبكين

ويأتي العرض الصيني في سياق توسع التعاون بين مصر والصين في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال السنوات الأخيرة.

ففي سبتمبر 2024، وقعت القاهرة وبكين خمس اتفاقات في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تضمنت التعاون في إنشاء مركز للبحث والتطوير في مجال تصميم الشرائح، والعمل على تطوير نموذج لغوي عربي مفتوح المصدر، وإنشاء صندوق تكنولوجي بقيمة 300 مليون دولار، إلى جانب مشروعات مع شركات صينية، من بينها «هواوي» و«ZTE».

ولا يقتصر التقارب على قطاع التكنولوجيا، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 17 مليار دولار خلال عام 2024، وفق تصريحات لوزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري.

ويعكس ذلك اتساع نطاق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بما يجعل التعاون في الذكاء الاصطناعي امتدادًا لمسار اقتصادي وتقني بدأ يتسع خلال السنوات الماضية.

 

القاهرة بين التكنولوجيا والسياسة

ولا يبدو أن الحكومة المصرية أمام قرار فني بحت عندما تختار الشركة التي ستنفذ المشروع، فالاختيار بين التكنولوجيا الصينية والأمريكية يجري في بيئة دولية شديدة الحساسية، أصبحت فيها الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي جزءًا من التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى.

وتسعى الولايات المتحدة إلى الحد من وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة، خصوصًا الرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما تعمل بكين على بناء منظومة تكنولوجية مستقلة وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.

وفي هذا السياق، تصبح مصر بالنسبة إلى الطرفين أكثر من مجرد سوق محتملة؛ فهي دولة ذات موقع استراتيجي، وسوق كبيرة، وبنية اتصالات واسعة، ويمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا إذا نجحت في استغلال المشروع بصورة فعالة.

 

اختبار جديد للسيادة التكنولوجية

ويأتي المشروع في وقت يتزايد فيه اعتماد الدول على الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والإدارة والخدمات والأمن السيبراني.

ومن ثم، فإن بناء قدرة محلية على تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل خطوة مهمة لمصر، شريطة ألا يتحول المركز إلى مجرد بنية مستوردة تعتمد بصورة كاملة على تكنولوجيا خارجية لا تملك القاهرة مفاتيح تطويرها أو التحكم في مسارها.

وتتجه الأنظار الآن إلى القرار المصري، الذي سيُحدد ليس فقط الشركة التي ستُنفذ المشروع، وإنما أيضًا الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه البنية التكنولوجية المصرية خلال السنوات المقبلة.

فبين «هواوي» الصينية وتحالف الشركات الأمريكية المنتظر، تقف القاهرة أمام اختبار مزدوج: كيف تحصل على أحدث قدرات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتحول بنيتها الرقمية الجديدة إلى ورقة في صراع النفوذ التكنولوجي بين واشنطن وبكين؟