تظل حادثة ميناء دمياط عالقة في الأذهان لمدة طويلة، فقد فجرت الكثير من الأسئلة مثل أين دور القوات المسلحة في حماية حدود البلاد وأين بالتحديد قوات الدفاع الجوي وأين دور صفقات التسليح المليارية التي تحملها الشعب المصري في ظل ظروف اقتصادية صعبة؟
والسؤال الأبرز هل تحولت عقيدة الجيش من حماية الوطن الي استغلال موارده وضم المزيد من تلك الأصول تحت سيطرة الجيش ورجاله تحت لافتات مختلفة بداية من تأميم البحيرات والمصايد الطبيعية الي الاستحواذ علي الأراضي الزراعية الي السيطرة علي ملف السلع الغذائية، فاصبح الجيش مسئولا عن استيراد القمح والحبوب وزيوت الطعام، ومؤخرا اصبح مسئولا عن توزيع الحصص التموينية، وكل هذه المهام لم تترك له المزيد من الوقت للقيام بوظيفته الرئيسية ودوره المحوري في حماية امن الوطن والحفاظ علي حدوده .
وشهدت الساحة المصرية تطوراً أمنياً خطيراً يمس العصب الاقتصادي والأمني للبلاد؛ حيث تعرضت سفينة للغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط على البحر المتوسط لهجوم بطائرات مسيّرة. أدى الهجوم إلى اندلاع حريق ضخم في وحدة التخزين والتغويز العائمة "إنرجوس وينتر" (Energos Winter)، قبل أن تمتد النيران إلى سفينة أخرى بجوارها وهي "غازلوغ سالم" (GasLog Salem).
وقع هذا الحادث، الذي في قلب أحد أهم مراكز طاقة وإسالة الغاز في شرق البحر المتوسط، لا يمثل فقط اختراقاً أمنياً خطيراً للمجال الجوي والبحري المصري، بل يرسم علامات استفهام كبرى حول الجاهزية العسكرية للبلاد، وسط تساؤلات حارقة يطرحها الشارع المصري: أين عبد الفتاح السيسي؟ وأين المؤسسة العسكرية التي استهلكت مقدرات البلاد تحت شعار "التسليح وحماية الأمن القومي"؟
المليارات الضائعة بين "سيخ الكفتة" ومزارع الجمبري
منذ اللحظات الأولى لوقوع الانفجار واشتعال النيران في السفن المرابطة بدمياط، التزمت وزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة صمتاً غريباً ومريباً؛ واكتفت السلطات في البداية ببيانات ضبابية من وزارة البترول تتحدث عن "حريق تحت السيطرة دون إصابات"، متجاهلة التقارير الأمنية البحرية الدولية التي أكدت استهداف الموقع بمسيّرات. ولم تعترف الحكومة رسمياً بطبيعة الهجوم إلا بعد مضي وقت وتواتر الأنباء عبر وسائل الإعلام الكبرى.
بدلاً من التركيز على التأمين القتالي والاستطلاع المبكر لحماية البنية التحتية الحساسة، أصبحت المؤسسة العسكرية تُدير مزارع الجمبري والأسماك، ومصانع البسكويت، ومشاريع الطرق، وبيع المواد الغذائية، وفتح هذا الصمت الرسمي الباب للحديث عن جدوى مليارات الدولارات التي أُنفقت على مدار العقد الماضي لشراء منظومات الدفاع الجوي والفرقاطات والطائرات؛ صفقات تسليح ضخمة تم تسديد ثمنها من دماء الشعب المصري وعبر قروض وتسهيلات ائتمانية بمليارات الدولارات، رهنت مستقبل الأجيال القادمة وجعلت الاقتصاد المصري يرزح تحت وطأة ديون تاريخية.
أين ذهبت شبكات الدفاع الجوي والرادارات؟
الحقيقة المرة التي تتجلى اليوم هي أن عقيدة القيادة الحالية برئاسة السيسي قامت على تحييد الجيش المصري عن مهامه الاستراتيجية الأساسية؛ وتوجيهه نحو الهيمنة على الاقتصاد المحلي. فبدلاً من التركيز على التأمين القتالي والاستطلاع المبكر لحماية البنية التحتية الحساسة، أصبحت المؤسسة العسكرية تدير مزارع الجمبري والأسماك، ومصانع البسكويت، ومشاريع الطرق، وتبيع المواد الغذائية، وصولاً إلى الأوهام والدعاية الاستهلاكية التي طبعت الحقبة الماضية منذ عصر "سيخ الكفتة".
لقد أدى انغماس المؤسسة العسكرية في الشأن التجاري والتنافس مع القطاع الخاص إلى تراجع النجاعة والجاهزية الدفاعية، وهو ما انكشف بوضوح عند أول اختبار حقيقي في مياه البحر المتوسط.
من التنازل عن "فيلادلفيا" إلى انكشاف الشواطئ
لا يمكن فصل حادثة ميناء دمياط عن سلسلة التراجعات والتنازلات الاستراتيجية التي وسمت فترة حكم عبد الفتاح السيسي. فبالأمس القريب، وقف النظام موقف العاجز أمام فرض السيطرة والسيادة الكاملة على محور فيلادلفيا والحدود الشرقية في غزة، مخلفاً انطباعاً بضعف الإرادة والقدرة على حماية المدى الحيوي لمصر.
واليوم نرى محطات إمداد الطاقة وموانئ إسالة الغاز – التي تمثل آخر شريان حياة اقتصادي للبلاد في ظل أزمة الطاقة الحادة- متروكة بلا تأمين جوي أو بحري حاسم يمنع وصول طائرة مسيّرة إلى أرصفتها، إن وصول مسيّرة إلى عمق الساحل الشمالي واختراقها المجال الجوي لتصيب هدفا حيوياً داخل ميناء دمياط يحمل دلالات خطيرة:
حادثة ميناء دمياط ليست مجرد حريق عابر تم إخماده؛ بل هي جرس إنذار مدوٍ يُعري الخلل الهيكلي في أولويات الحكم في مصر.
انكشاف البنية التحتية
إذا كانت طائرة مسيّرة واحدة استطاعت إشعال سفينتي غاز وإحداث هذه حالة من الفزع، فكيف سيكون الحال لو تعرضت المنشآت الحيوية في قناة السويس، أو محطات الكهرباء، أو السد العالي لهجمات أكثر كثافة أو تعقيداً؟
ولم تمنح إدارة الدولة بخلفية عسكرية مصر الأمان الموعود، بل جمعت بين السوأين: الفشل في إدارة الاقتصاد وتجويع المواطن بالقروض والأسعار، والفشل في توفير حماية أمنية مانعة للبنية التحتية الاستراتيجية.
ولعل من تداعيات الهجمات من هذا النوع أنها ستدفع شركات التأمين البحري العالمية إلى رفع درجة المخاطر على السفن المتجهة للموانئ المصرية، مما يعني تكاليف باهظة إضافية ومزيداً من الارتفاع في أسعار السلع والغاز على المواطن المنهك أساساً.
حادثة ميناء دمياط ليست مجرد حريق عابر تم إخماده؛ بل هي جرس إنذار مدوٍ يُعري الخلل الهيكلي في أولويات الحكم في مصر. إن البلد لا يُدار بالشعارات ولا بحشد السلاح في العروض العسكرية، بل بإعادة الإستراتيجية الوطنية إلى نصابها الصحيح جيش محترف يركز على حماية الثغور والحدود والمنشآت الحساسة، وإدارة مدنية كفؤة تدير الاقتصاد بعيداً عن الاحتكار والتزاحم التجاري.
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه من تهميش للكفاءات، وتوجيه قدرات الدولة للبيزنس الداخلي، فإن الأمن القومي المصري سيظل معرضاً للمخاطر عند كل انعطافة إقليمية, وهنا يبرز السؤال كيف ترون أثر انشغال القوات المسلحة بالمشاريع الاقتصادية والتجارية على جاهزيتها في حماية المنشآت الإستراتيجية والبنية التحتية لمصر في ظل التصعيد الإقليمي الحالي؟