صدمة طبقية بصيغة احتلالية .. استعمار الكومباوندات في “مراسي” و”رأس الحكمة”!

- ‎فيتقارير

تفجرت مؤخراً أزمة حادة داخل منتجع "مراسي" إثر الشكوى والاستغاثة التي أطلقتها المواطنة المصرية حنان شعراوي (إحدى الملاك في المنتجع)، التي اختصرت فيها المعاناة بعبارة: «أنا حاسة إننا في استعمار أو محتلين بسبب القوانين المفروضة علينا كمصريين في مراسي». وناشدت السلطات التدخل لدى المستثمر الإماراتي محمد العبار لتغيير هذا النظام التعسفي.

وهذه الاستغاثة لم تكن مجرد خلاف عقاري عابر، بل فتحت الباب على مصراعيه لتفكيك الأبعاد البيئية، والسيادية، والطبقية، والأخلاقية الناتجة عن سيطرة هذه الاستثمارات على الساحل المصري وعموم المستفيدين منه، وسط انقسام حاد وثقه عمرو عبد الهادي عبر حسابه amrelhady4000@.

دلالات الاستعمار الناعم

يكتسب تصريح حنان شعراوي أهمية تحليلية خاصة لكونه صرخة من داخل الطبقة الميسورة التي اشترت وحدات فاخرة في الساحل، لكنها اصطدمت بواقع التحكم الفج الذي تُمارسه الإدارة الإماراتية للمشروع عبر فرض تصاريح معقدة تمنع الملاك من إدخال أقاربهم أو ضيوفهم.

ويرى خبراء الاجتماع السياسي أن منع دخول الأقارب والأمهات إلا بتصاريح معقدة يعني أن المطور الأجنبي يتصرف كـ"سلطة سيادية" تفرض قوانين تشبه تأشيرات الحدود على أرض مصرية.

وتتقاطع هذه الأزمة مع التحليلات التي طرحها الباحث والمحلل الاستثماري عبر حسابه nvectus@، مؤكداً أن مشروعات الساحل الشمالي تمثل تفريغاً للسيادة الإقليمية من مضمونها عبر هندسة بيئات اجتماعية مغلقة تُبرمج تدريجياً لتعمل خارج إطار القوانين العامة للدولة. ويدعم هذا الطرح الناشط والمراقب السياسي عبر حساب rabaaa2013@ بالإشارة إلى أن هذه السياسات تكرس فكرة "الاحتلال الناعم" وتجعل المصريين بمثابة ضيوف أو غرباء في وطنهم، وهو ما حذرت منه أيضاً الحسابات المعارضة مثل nonaezz84@.

في المقابل، تبلورت قراءة مغايرة من معلقين خليجيين وإماراتيين مثل am_emrti@ وattiehha@ حاولوا حصر القضية في نطاق "الالتزام بالعقود" وصياغة القوانين الصارمة للشركات، معتبرين أن الأزمة ناتجة عن ثقافة التحايل على النظام؛ إلا أن خبراء الاقتصاد السياسي يبطلون هذا الطرح/ مؤكدين أن المنظومة جرى تفصيلها سياسياً لتمرير "الأمر الواقع" الذي يمنح المستثمر الأجنبي اليد العليا حتى على أثرياء المجتمع المصري.

كما لم تعد المشروعات السياحية والاستثمارية الضخمة الممتدة على طول الساحل الشمالي المصري، بدءاً من منتجع "مراسي" التابع لشركة "إعمار مصر" وصولاً إلى مشروع "وادي يم" (Wadi Yemm Ras El Hikma) الذي تطوره شركة "مدن" (Modon) الإماراتية في مدينة رأس الحكمة، مجرد صفقات عقارية لإنعاش الخزانة العامة، فلقد تحولت هذه النطاقات الجغرافية بفعل السياسات الاقتصادية الحالية إلى "جزر معزولة" تُدار بقوانين وإرادة استثمارية خارجية كاملة، وهو ما رصده المغرد محمد حبيب عبر حسابه BeboFinance2021@ منتقداً التباين الطبقي الحاد بين واقع الشارع المصري والرفاهية المفرطة في قاطني الساحل.

ماذا عن بقية المستفيدين؟

إذا كانت النخبة الأكاديمية والمخملية تشكو من هذا التعنت الاستثماري، فإن الأزمة تمتد لتضرب الهوية الثقافية والاجتماعية لمرتادي الساحل وللمجتمع ككل، وهو ما فجّر نقاشاً واسعاً على منصة X قادته حسابات مهتمة بالشأن الاجتماعي مثل JoyJo00@.

وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للجدل والتلاسن؛ حيث ظهرت نبرة تهكمية تجاه الشاكين من طبقة الأثرياء (أو ما يُعرف بـ"أهل إيجيبت")، واعتبر البعض أن هذه الطبقة تتذوق اليوم من نفس الكأس التي أسهمت في صنعها عبر دعم سياسات عزل الشواطئ وتخصيصها للأثرياء فقط.

وفي رصد بليغ للتحولات الأخلاقية بالساحل الشمالي "العشوائي" (وفق التعبير الوارد في شهادة غادة إيهاب نافع، ابنة الفنانة الراحلة ماجدة)، تبين حجم التشوّه الثقافي الذي أصاب الجيل الجديد (سن 15 و16 سنة). حيث غابت ثقافة الأولويات وحلّت محلها "المنظرة" والتباهي بماركات عالمية مثل Valentino وGucci وساعات الـRolex، والإنفاق الباذخ في مطاعم شهيرة مثل Sachi، إلى جانب انتشار المظاهر غير المنضبطة كشرب الخمور وغياب رقابة الأهالي، مقارنة بنماذج المجتمعات الغربية (ككندا) التي يركز فيها الشباب على الرياضة والتعليم بدلاً من التقييم الطبقي القائم على المال. وهو ما يعكس تحول الساحل من مصيف راقٍ إلى بؤرة للاستعراض الطبقي والإسفاف القيمي.

وصلت "رأس الحكمة" ثم الأصول التاريخية

تتجلى السياسة الاقتصادية الحالية في أوضح صورها عبر صفقات بيع واقتطاع شواطئ مصر البكر ومناطقها الاستراتيجية، مثل صفقة "رأس الحكمة" (المنطقة الساحلية الممتدة بين الكيلو 178 و220 على طريق الإسكندرية-مطروح والمتميزة بمياهها الفيروزية).

وتشير القراءات السياسية التي نشرتها منصة sadamisr25@ إلى أن شعارات "حماية مقدرات الدولة" انتهت بتبني عقيدة "سمسرة الأصول" التي تقوم على تسكين الأزمات المؤقتة عبر بيع الجغرافيا الوطنية وتحويلها لمنتجعات مغلقة تخضع لإدارة صناديق سيادية أجنبية. وانتقد المغرد طاهر ثابت هذا التوجه بوصفه تبديداً لثروات مصر في مشاريع عقارية ترفيهية متكررة لا تدر دخلاً مستداماً للاقتصاد القومي.

وعندما تعجز الدولة عن الإنتاج والتصنيع، وتلجأ لبيع أراضيها وموانئها لتوفير سيولة دولارية سريعة تسدد بها فوائد الديون قصيرة الأجل، فإنها لا تحل الأزمة بل تؤجل الانفجار وتقتطع من حقوق الأجيال القادمة. كما فتح هذا التمدد الباب أمام انتقادات حادة من وجوه عربية وخليجية مثل عبد الإله عبر حسابه Abdulelah_MS@، الذي أشار إلى مخاوف أمنية وقيمية ترتبط ببعض النماذج الاستثمارية الخارجية والملفات غير المشروعة المحيطة بها.

https://x.com/Abdulelah_MS/status/2021903777452736815

 

العبث بحركة التيارات البحرية

لا تقتصر التأثيرات السلبية لسيطرة هذه الاستثمارات على الأبعاد السياسية والاجتماعية، بل تمتد لتحدث كوارث بيئية وجيومورفولوجية حادة نتيجة غياب الدراسات البيئية الصارمة لحركة التيارات البحرية.

ظاهرة النحر والترسيب (Siltation): يوضح المتخصصون والمهندسون في دراسة الشواطئ مثل عبد الحميد أحمد حمدي عبر حسابه ahamdyos@، أن التدخل البشري غير المدروس في مناطق مثل "سيدي عبد الرحمن" (التي تحول خليجها المجاني الساحر إلى منتجع مراسي المغلق) قد كسر حركة التيارات الطبيعية. وأدى ذلك إلى سحب الرمال من شواطئ ونقلها لأماكن أخرى، مما تسبب في ظهور جزر رملية كاملة وبناء كافيهات فوقها (كما رصدت صور الأقمار الصناعية بين عامي 2005 و2024)، وهي في الأصل مصيبة بيئية تهدد بإغلاق البحيرات في مناطق مثل "مارينا" واستنزاف القرى الأخرى لجلب رمال صناعية لتعويض شواطئها المنحورة. وهو ما حذر من تكراره في خليج رأس الحكمة الخبير الجغرافي مختار الحسانين عبر حسابه MokhtarGeo1981@.

https://x.com/MokhtarGeo1981/status/2066055307030102447

ويتجلى هذا العبث في إعلان السلطات (في مايو 2026) عن قيام الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتنفيذ مشروع "مارينا اليخوت بالكيلو 92" على مساحة 180 ألف متر مربع باستثمارات تُقدر بـ 80 مليون دولار عبر ردم البحر المتوسط على بعد 33 كم من مارينا ومراسي، واستخدام أرصفة بلوكات عميقة تغوص 5 أمتار. ويرى مراقبون أن هذا المشروع يمثل محاولة لمتاجرة الجيش مع الأغنياء عبر استنساخ "التجربة المدفونة لدبي" وتطبيقها بشكل مسخ في بيئة جغرافية مصرية ذات تاريخ طبيعي يمتد لآلاف السنين، دون مراعاة للاختلافات البيئية الشاسعة.