أجمعت التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية واستغاثات الناشطة الحقوقية د. عايدة سيف الدولة، أن حياة الدكتور مصطفى طاهر الغنيمي مهددة بشكل حقيقي داخل محبسه (العقرب سابقاً وبدر 3 حالياً) نتيجة إصابته بانسداد شرايين القلب، وهبوط كفاءة العضلة، وإصابته بفيروس C، وحرمانه المتعمد من جراحة المياه البيضاء لعينه، متزامناً ذلك مع منعه التام من التريض، واستلام الأكل والملابس، أو الرعاية الطبية الأساسية.
وهذه الشهادات المتطابقة والمتواترة من الأبناء، والزوجة، والزملاء، والمنظمات الحقوقية، تشكّل دليلاً دامغاً أمام آليات القانون الدولي على أن احتجاز الدكتور مصطفى الغنيمي في ظل هذه الظروف يتجاوز عقوبة سلب الحرية إلى جريمة تعذيب ممنهج وقتل بطيء مع سبق الإصرار والترصد، مما يستوجب التدخل الدولي الفوري لإنقاذ حياته وحياة زملائه المضربين عن الطعام.
ويواجه المعتقلون السياسيون وأصحاب الرأي في السجون المصرية فصلاً ممتداً من القمع الممنهج الذي تزايدت وتيرته منذ أحداث 3 يوليو 2013. ولم تقتصر حملات الاعتقال التعسفي على النشطاء الشباب، بل طالت الرموز المجتمعية والنقابية والمهنية والقيادات السياسية. يسلّط هذا التقرير الحقوقي الضوء على حالة الأستاذ الدكتور مصطفى طاهر الغنيمي، استشاري النساء والتوليد والأمين العام لنقابة أطباء الغربية وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، كنموذج صارخ لما يتعرض له كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة داخل مقار الاحتجاز المصرية من قتل بطيء وحرمان متعمد من الرعاية الطبية.
وكان الدكتور الغنيمي قد واجه محاكمات افتقرت لمعايير المحاكمة العادلة، من بينها صدور أحكام قاسية وصلت للإعدام (كما في أبريل 2015 في القضية التي شملت معه المهندس سعد الحسيني والأستاذ محمد السروجي). كما تعرض للإغماء بالجلسة الشهيرة في يونيو 2019 التي توفي بها الرئيس الشهيد د.محمد مرسي.
ظروف الاحتجاز اللإنسانية
ويمر الدكتور مصطفى الغنيمي (76 عاماً) بوضع صحي غاية في الخطورة داخل محبسه الحالي في سجن بدر 3 (قطاع 2)، بعد نقله سابقاً من سجن العقرب، حيث يعاني من انسداد في شرايين القلب، وقد انخفضت كفاءة عضلة القلب لديه إلى ما بين 45% و50%، ويتعرض لأزمات قلبية حادة تستدعي الرعاية الفائقة المستمرة، وهو مصاب بالتهاب الكبد الوبائي الفيروسي (C)، وتتعنت إدارة السجن في إدخال الأدوية الخاصة بعلاجه، وأُصيب بمياه بيضاء في كلتا العينين أثرت على بصره بشكل حاد، وترفض السلطات السماح له بإجراء العملية الجراحية، رغم إبداء أسرته الاستعداد الكامل لتحمل كافة التكاليف المالية على نفقتها الخاصة.
ويُحتجز في زنزانة انفرادية في ظروف شديدة السوء، وحُرم من رؤية الشمس أو التريض لسنوات طويلة.
الحرمان التام
ومُنع الدكتور الغنيمي من زيارة أهله وأبنائه بشكل متواصل لما يقرب من 8 إلى 10 سنوات. وعبّر الدكتور الغنيمي في رسالة مسرّبة مؤلمة ومؤثرة عن مخاوفه من الوفاة داخل محبسه دون رؤية عائلته قائلاً: «أموت قبل أن ألقاهم، وإن عزّ اللقاء في الدنيا، فموعدنا عند الله»، وهو ما ردت عليه ابنته سارة الغنيمي بكلمات تعبر عن الفاجعة: «نحن في أمس الحاجة لوجودك بيننا.. ثقيلة علينا هذه الكلمات يا حبيبي ومرعبة». كما أوضحت ابنته إيمان الغنيمي أن صمود والدها طيلة 12 عاماً لم يكن هروباً بل لإيصال صوت 100 ألف معتقل يعانون خلف القضبان.
الإضراب عن الطعام في سجن بدر 3
تشير التقارير الواردة من داخل سجن بدر 3 (قطاع 2) إلى تصعيد خطير تقوده عناصر تابعة للأمن الوطني (من بينهم الضابط مروان حماد وضباط آخرون)، حيث شملت الانتهاكات تجريد الغرف من المتعلقات الشخصية والأجهزة الطبية الأساسية، والتغريب، والاعتداء البدني الذي نتج عنه كسور وجروح لبعض النزلاء، مما أدى لوقوع محاولات انتحار واحتجاجات واسعة وصلت لإشعال النيران.
ورداً على هذه الممارسات القمعية، دخل الدكتور مصطفى الغنيمي رفقة عدد من القيادات السياسية والنقابية المحتجزين معه في ذات القطاع (أمثال: م. أسامة ياسين، خالد الأزهري، م. سعد الحسيني، م. حسن مالك، جمال عشري، رفاعة الطهطاوي) في إضراب مفتوح عن الطعام كوسيلة أخيرة لإيصال أصواتهم للعالم وللمطالبة بأدنى الحقوق الإنسانية المتمثلة في العلاج والزيارة.
شهادات قريبة
وتكتسب شهادات عائلات المعتقلين، والرسائل المسرّبة من خلف الجدران المصمتة لـ سجن بدر 3 (قطاع 2) وسجن العقرب سابقاً، أهمية قصوى في كشف الحقائق الطبية والإنسانية لسياسة "التصفية البطيئة" التي يتعرض لها الأستاذ الدكتور مصطفى طاهر الغنيمي، استشاري النساء والتوليد البالغ من العمر نحو 76 عاماً.
حملت الرسائل المتبادلة والمواقف المنشورة لبنات الدكتور الغنيمي مؤشرات خطيرة على قرب تصفية والدهن طبياً نتيجة الإضراب الإجباري والظروف القاسية.
شهادة نجلته إيمان الغنيمي (حول خلفية الإضراب وصمود 12 عاماً)
أوضحت إيمان الغنيمي في شهادتها الموثقة أن لجوء والدها ومن معه للإضراب لم يكن يأساً من الحياة، بل صيحة تحذير أخيرة للعالم، حيث كتبت: "للتوضيح: أبي ومن معه لم يضربوا عن الطعام أو يحاولوا الانتحار هربًا من الحياة، فنحسبهم – والله حسيبهم – أنهم صبروا على كل أنواع الأذى من تجويع وتعذيب ومنع من حقوقهم في الزيارة والتريض والعلاج لمدة ١٢ عامًا كاملة، ظنًّا منهم أن أحدًا سيتحرك من أجلهم.
ونحسبهم – والله حسيبهم – أنهم وهبوا أعمارهم وأرواحهم، منذ ما كانوا شبابًا، لنصرة الحق ونصرة دين الله ونصرة الأقصى. هؤلاء الثلة الموجودة في سجن بدر 3 قطاع ٢ هم من صبروا على جميع أنواع الانتهاكات أيام المخلوع مبارك، وقت ما كان الجميع ينامون آمنين في بيوتهم. هؤلاء قضوا في السجون أكثر مما قضوا بين أبنائهم وأحبابهم، لم يركنوا أبدًا لظالم، ولم يبيعوا أبدًا مبدأ.
كانوا يخرجون في كل مرة أقوى في الحق وأكثر كيدًا للظالمين، وشوكة في حلق عبيد الصهيـ ـونية. ولكنهم ما قاموا بذلك إلا لإيصال أصواتهم للعالم أجمع، أصواتهم وأصوات من ورائهم من 100 ألف معتقل، أن هناك في مصر أكثر من 100 ألف إنسان، وراءهم زوجاتهم وأبناؤهم، يُمنعون من الحياة منذ 12 عامًا. فلا تنسوهم، وكونوا لهم صوتًا، لعلنا عندما نقف أمام الله تعالى لا نكون ممن خذلهم".
الرد على رسالة الوداع
في ردٍّ مفجع على رسالة مسرّبة لوالدها عبّر فيها عن احتمالية وفاته داخل المحبس علّقت سارة الغنيمي قائلة: "ولكن يا أبي نحن في احتياجك ، نحن في أمس الحاجة لوجودك بيننا ثقيلة علينا هذه الكلمات يا حبيبي، ثقيلة ومرعبة، ولا يتحمل عقلي استيعابها".
وقدّم المعتقل السابق الدكتور مراد علي شهادة مزدوجة؛ الأولى حول التدهور الصحي الحالي في سجن بدر، والثانية تاريخية حول دور الدكتور الغنيمي الفكري حتى داخل السجن:
عن الوضع الصحي الحالي وعزلة لثماني سنوات: "غفوتُ اليوم بعد صلاة الفجر، وكانت مشاعري مثقلة بالحزن بعد قراءتي لشكوى مؤلمة من أسرة الدكتور مصطفى الغنيمي – فكّ الله أسره – بشأن تدهور حالته الصحية في سجن بدر بمصر، ومنعهم من زيارته لما يقرب من ثماني سنوات متواصلة. وفي تلك الغفوة، رأيت حلمًا كأن ثورة قد اندلعت في مصر، وانطلقت جموع الناس نحو السجون، لتحطيم أبوابها، وفتح الزنازين، وإخراج المعتقلين. الحقيقة، هذا ليس حلمي وحدي، بل هو حلم غالبية المصريين؛ أن يعود المغيّبون إلى بيوتهم، أن تلتئم الأسر الممزقة، أن تُرفع المظالم، وأن يعود العدل إلى رحاب بلادنا الطيبة مصر. نحن كأمة ندفع ثمنًا باهظًا حين تُنتهك الحقوق وتُقصى الأصوات، فلا يمكن أن ينهض وطنٌ يبنى فيه مجمعات السجون أكثر مما تُفتح أبواب المصانع والمدارس".
نشر الكاتب أحمد هلال شهادة تعبر عن القيمة الإنسانية والتنظيمية للدكتور الغنيمي داخل الحراك المجتمعي والدعوي، واصفاً إياه بأنه: "أحد الطاقات الهادرة في جماعة الإخوان المسلمين والباحث عن الكفاءات داخل الجماعة، ويتقدم بها للجماعة لتتحمل مسئوليتها تجاه الدعوة المباركة. من الشخصيات القيادية التي تهتم بالتحاور مع الشباب ليكتشف ما بداخلهم من طاقة وإمكانات ربما يجهلونها عن أنفسهم، فيضعها حيث تستفيد منها الجماعة والدعوة. اودعه النظام العسكري الاستبدادي في السجون والمعتقلات فور الإنقلاب العسكري في زنزانة انفرادية، رغم تدهور حالته الصحية".
الملف الشخصي والمهني والنقابي
مصطفى طاهر الغنيمي.
طبيب استشاري بارع في مجال أمراض النساء والتوليد.
تخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة عام 1979م.
وشغل منصب أمين عام نقابة أطباء محافظة الغربية، ويحظى باحترام واسع في الأوساط الطبية والمجتمعية لنشاطه الخدمي والإغاثي، واهتمامه الدائم بالتحاور مع الشباب وتطوير قدراتهم الإنسانية والمهنية.
تعرض الدكتور مصطفى الغنيمي لملاحقات أمنية مستمرة على مدار عقود بسبب نشاطه وانتمائه السياسي، ففي عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك؛ اعتقل أكثر من 10 مرات، وداهمت قوات الأمن منزله ما يقرب من 80 مرة، وفق زوجته.
وفي 2009 ورغم الحالة الصحية للدكتور الغنيمي اعتقل وكان هناك اهتمام برلماني مبكر؛ حيث تقدم المهندس سعد الحسيني (عضو الكتلة البرلمانية آنذاك) ببيان عاجل لوزير الداخلية يندد فيه باحتجاز الغنيمي في العناية المركزة وهو فاقد للوعي فور اعتقاله، كما وثقت التقارير استنكار النقابة لمنع نقيب الأطباء الأسبق الدكتور حمدي السيد من زيارته في المرة الأولى، قبل أن يتمكن في المرة الثانية من الدخول وفحصه بنفسه نظراً لخطورة وضعه بعد عملية القلب المفتوح.
إلا أنه جرى إخلاؤه لاحقاً بقرار من نيابة أمن الدولة العليا بعد تدهور حاد في صحته أدى لفقدانه الوعي واحتجازه بالعناية المركزة بمركز القلب بالمحلة حيث خضع لعملية قلب مفتوح.
وداهمت سلطات الأمن شقته في حي مدينة نصر بالقاهرة في أغسطس 2013 وألقت القبض عليه. ومنذ ذلك التاريخ (ما يقرب من 13 عاماً) وهو يقبع داخل السجون.
وبناءً على ما تقدم، تطلق المنظمات الحقوقية الموقعة على هذا التقرير نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي والجهات الأممية المعنية بالآتي:
الإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتور مصطفى الغنيمي نظراً لتقدمه في السن وتدهور حالته الصحية الخطيرة التي تهدد حياته بالموت المفاجئ.
السماح الفوري بتقديم الرعاية الطبية اللازمة له، وإدخال أدويته، والسماح بنقله إلى مستشفى مناسب لإجراء جراحة العين وعلاج قصور عضلة القلب.
فتح باب الزيارات بصفة عاجلة لتمكين أسرته من رؤيته بعد قرابة عقد من المنع التام.
فتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي تجري داخل سجن بدر 3 ومحاسبة المسئولين عن سياسة القتل البطيء والتجويع والتجريد بحق معتقلي الرأي.