يبدو أن العنوان الولايات المتحدة تتبع سياسة "فرق تسد" في شرق المتوسط من خلال وضع الكيان الصهيوني على رأس منتدى غاز شرق المتوسط، مع وضع مصر في مواجهة محتملة مع تركيا، وهي الفكرة التي تتوافق مع بعض التحليلات التي تشير إلى أن المنتدى تأسس بدوافع سياسية لإخراج تركيا من معادلة الطاقة في شرق المتوسط، وأن استبعاد تركيا يزيد التوترات بين أعضاء المنتدى وأولئك الذين لديهم ادعاءات متعارضة بحقوق الغاز.
سياسة أمريكية تقوم على خلق توازنات إقليمية، لكنه يحتاج إلى توضيح أن "مصر أمام تركيا" تعني وضع مصر في مواجهة أو مفاوضات مع تركيا، خاصة في ظل التقارب المصري التركي المحتمل الذي تثير مخاوف صهيونية عبرت عنها صحف عبرية مرارا خلال الأشهر الأخيرة.
رئيس في يوليو 2026
وفي خطوة سياسية تحمل دلالات استراتيجية عميقة، تعمل واشنطن على إعادة تنشيط منصة شرق المتوسط عبر منتدى غاز شرق المتوسط، حيث ستتولى "إسرائيل" رئاسة هذا المنتدى في يوليو 2026، وذلك بعد اجتماع وزاري حضوري استضافه وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن، وهو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاث سنوات. هذا التطور يأتي في محاولة سياسية واضحة لإعادة التأهيل الوظيفي لإسرائيل داخل الإقليم، رغم العزلة السياسية والشعبية المتزايدة التي تعاني منها، إذ لا تزال قادرة على العمل داخل أطر إقليمية رسمية تضم دولاً عربية وأوروبية والسلطة الفلسطينية.
والدول العربية المشاركة في المنتدى، والتي تشمل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وتجنبت نشر تفاصيل الاجتماع باستثناء مصر التي حاولت تقديم مشاركتها من زاوية دعم حقوق الفلسطينيين دون الإشارة إلى مشاركة الكيان، مما يعكس حالة من التردد أو الحساسية السياسية تجاه التطبيع العلني مع الكيان في هذا الإطار.
وتناولت النقاشات خلال الاجتماع توسيع أجندة المنتدى من الغاز الطبيعي إلى قضايا أوسع في اقتصاد الطاقة الإقليمي، بما يشمل أمن الطاقة والابتكار والتنمية المستدامة، مما يشير إلى تحول المنتدى من منصة غازية بحتة إلى منصة جيوسياسية شاملة.
الولايات المتحدة، التي كانت بصفة مراقب في المنتدى، أصبحت الآن تلعب دوراً سياسياً أكبر باستضافتها للاجتماع الوزاري، مما يعطي واشنطن زمام المبادرة في إعادة ترتيب شرق المتوسط.
وتعد رئاسة تل ابيب للمنتدى في هذا السياق تعني أن واشنطن وشركاءها لا يريدون فقط إبقاء المنتدى حياً، بل يريدون تحويله إلى منصة أوسع لإعادة ترتيب المنطقة في مجالات الغاز والكهرباء والغاز المسال والهيدروجين وربط الشبكات والأمن البحري، وربما لاحقاً التعامل مع ملف غزة، بحسب @political0s.
الرد التركي السريع
ويعتبر التحدي الأبرز في هذا السياق هو كيفية تفاعل تركيا مع إعادة تفعيل هذا المنتدى الذي تشكل أساساً ضدها، حيث جاء الرد من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريحات حادة أكد فيها أن تركيا ستعمل على ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة بالدبلوماسية والصبر رغم محاولات التخريب الصهيونية، محذراً من أن أي تجاوز على الحقوق التركية في شرق المتوسط سيكون الرد واضحاً، ومشيراً إلى أن "إسرائيل" تحولت إلى تهديد دولي وهجمات نتنياهو على دول الجوار في سورية ولبنان تشكل تهديداً لتركيا.
الكيد الفرنسي
ويشير مراقبون إلى أن السبب الجذري لهذه التطورات يعود إلى توقيع الرئيس الفرنسي اتفاقية وضع القوات مع نيقوسيا للسماح بنشر قوات فرنسية في قبرص، وهو ما اعتبرته أنقرة انتهاكاً صريحاً لمعاهدات 1960 التي تحدد النظام الأمني للجزيرة وضماناتها.
وخرجت وزارة الدفاع التركية لتؤكد أن قواتها تمتلك القدرة والعزيمة على الرد بأقصى قوة على أي تهديد يستهدف القبارصة الأتراك.
وتعطل هذه الاتفاقية الفرنسية توازن القوى في قبرص وتتجاهل حقوق القبارصة الأتراك تماماً، مما يشير إلى أن خريطة الحرب الأمريكية الإيرانية تمتد بهدوء إلى شرق المتوسط، حيث لم تعد اللعبة محصورة بين هرمز وخارك، بل تشمل النفط الخليجي بيد أمريكا والغاز المتوسطي بيد فرنسا في تقسيم استراتيجي لا يحتاج إعلاناً رسمياً ليفهم.
في هذا السياق، يبرز سؤال مهم حول الدول العربية المشاركة في المنتدى المؤسس ضد تركيا، حيث أن الدولة العربية الوحيدة المشاركة هي مصر، بينما ليبيا وقعت اتفاقية ترسيم مع تركيا، وسوريا لن تشارك قطعاً، ولبنان رسم حدوده مع تركيا، مما يترك مصر والأردن والسلطة الفلسطينية كأطراف عربية رئيسية، مع سعي ترامب لإضافة سوريا ولبنان، بينما تبقى إسرائيل المحرك الأساسي لتطويق تركيا من خلال اليونان بشكل أساسي.
مصر الخاسر الأبرز
وفي تقرير بعنوان: ماذا خسرت مصر بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؟ قال الباحث والكاتب خالد فؤاد في تقرير سابق نشرته (TRT عربي) في 8 أغسطس 2020 إن "ترسيم الحدود مع اليونان يساوى كارثة إعلان إثيوبيا الانتهاء من المرحلة الأولى من ملء سد النهضة مما يهدد الأمن المائي المصري".
وتاريخيا، لم توقع مصر اتفاقيات ترسيم حدود بحرية إلا مع قبرص عام 2003، بينما رفضت التوقيع مع إسرائيل لاعتبارات سياسية، ومع اليونان رغم طلبها المتكرر، وذلك بسبب إدراك مصر للخلاف التركي اليوناني، ورؤيتها أن الترسيم يجب أن يتم بعد وصول الطرفين التركي واليوناني إلى تفاهم حول حدودهما البحرية.
الخسائر الاستراتيجية والاقتصادية
إلا أن خالد فؤاد طرح في تقريره ثلاث خسائر رئيسية لمصر:
خسارة دورها كمنصة إقليمية للغاز: كانت مصر تسعى للتحول إلى منصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا بفضل حقل "ظهر" ومحطتي إسالة الغاز في ادكو ودمياط. لكن الاتفاقية تمنح الضوء الأخضر لمشروع خط غاز EastMed الذي يربط إسرائيل بقبرص واليونان وإيطاليا متجاوزاً مصر، مما يحرمها من هذا الدور الجيوسياسي الهام.
خسارة مساحات مائية هائلة: يتنازل الاتفاق عن ما يقرب من 10 آلاف كيلومتر مربع من المياه الاقتصادية الخالصة المصرية لصالح اليونان، وهي منطقة واعدة بالثروات النفطية والغازية.
خسارة استثمارات محتملة كانت مصر قد توصلت في فبراير 2020 إلى اتفاقيات مبدئية مع كبرى شركات النفط العالمية (Exxon Mobile, Chevron, Shell, BP, Total) للتنقيب في المياه العميقة أمام السواحل الغربية، لكن جزءاً من هذه المناطق أصبح تحت السيادة اليونانية بعد الاتفاق.
الموقف التركي
وأعلنت تركيا رفضها للاتفاقية واعتبرتها غير قانونية، مؤكدة أنه لا توجد حدود بحرية مشتركة بين مصر واليونان. كما استأنفت سفنها عمليات التنقيب ونفذت مناورات حربية لإيصال رسائل ردع لدول أوروبا، واعتبرت الخارجية التركية أن الاتفاقية تتسبب في خسارة مصر مساحة 11,500 كيلومتر مربع.
ويعد تسارع الخلافات في شرق المتوسط واشتعال الأوضاع في ليبيا دفعا اليونان للسعي لترسيم حدودها مع إيطاليا ومصر، في محاولة لمحاصرة الاتفاقية التركية الليبية لترسيم الحدود البحرية الموقعة في نوفمبر 2019. وتشير بعض التحليلات إلى أن مصر قد تكون راهنت على أن المفاوضات وقتئذ حصلت بها على نفس الحصة التي كانت ستحصل عليها مستقبلاً بعد جلوس جميع الأطراف على طاولة المفاوضات.
ويشير التقرير إلى أن ترسيم الحدود البحرية أصبح قضية شائكة منذ اكتشاف مخزونات الغاز الضخمة في شرق المتوسط عام 2009، وتستند عملية الترسيم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 التي تمنح الدول 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خالصة، لكن تعقيد الوضع الجغرافي في حوض المتوسط الضيق يجعل تطبيق هذه الاتفاقية صعباً دون تفاهمات سياسية بين الدول المعنية.