من جديد تتبنى منصات مخابراتية تأخذ عناوين ثورية مثل (ثورة الغلابة) و(جمعة الغضب 2) ومنصات أخرى على غير الحقيقة لبث تقارير إخبارية مغلوطة، وتتبنى المنصات الرقمية ضمن مشهد متكرر لظاهرة إعلامية ونفسية مقلقة، تتمثل في إعادة نشر شائعات متواترة حول وفاة المعتقلين السياسيين البارزين داخل السجون المصرية، وممن تكرر اسمهم المهندس محمد خيرت الشاطر (76 عاما) المعتقل بسجن بدر 3 بعد سنوات بسجن العقرب.
ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة، ما يحيط بالمهندس محمد خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الذي يقبع في احتجاز متواصل منذ الثالث من يوليو لعام 2013. وتأتي خطورة هذه الشائعات من كونها تنبت في بيئة من التعتيم الكامل؛ حيث يواجه الشاطر عزلًا تامًا عن العالم الخارجي منذ ما يقارب ثلاثة عشر عامًا، محرومًا من الزيارات العائلية، المراسلات، وحتى الالتقاء بمحاميه، مما يجعل من السجون صندوقًا مغلقًا تتوالد داخله الشكوك والمخاوف الإنسانية.
بين النفي الأمني وحقيقة الواقع الحقوقي: تاريخ من التعتيم
في منتصف يناير، تكرر المشهد الإشاعي مجددًا ليرسم ملامح القلق بوضوح؛ إذ كان من نفى هو نفسه من أشاع فأصدرت داخلية الانقلاب بيان رسمي عبر صفحتها ينفي الأنباء المتداولة حول تدهور الحالة الصحية لعدد من قيادات الجماعة، وعلى رأسهم المهندس خيرت الشاطر البالغ من العمر 76 عامًا، والمحتجز في زنزانة انفرادية بمركز بدر 3 للإصلاح والتأهيل، ورغم ادعاء الجهات الرسمية بأن المحتجزين يتمتعون برعاية طبية ملائمة، فإن المنظمات الحقوقية، ومنها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، ترى في هذه البيانات محاولة لتجميل الواقع، وتؤكد أن المنع المنهجي من الزيارات يمثل انتهاكًا صارخًا للائحة الداخلية للسجون والدستور، ويجعل من نفي السلطات موضع تساؤل مستمر ما لم يتاح للأهالي الاطمئنان الفعلي على ذويهم بعد عشر سنوات من الحرمان القسري والانتظار القاتل.
"اتقوا الله فينا": صرخة العائلة في مواجهة البلاء المزدوج
لم تكن الشائعات مجرد مادة للتداول السياسي، بل مثلت طعنات نفسية متجددة لأفراد الأسرة الذين يعيشون معلقين بين الرجاء والخوف. وقد عبرت سارة، نجلة المهندس خيرت الشاطر، عن هذا الألم بكلمات مؤثرة، داعية من خلالها منصات التواصل الاجتماعي إلى التثبت قبل النشر وعدم زيادة البلاء على عائلة تعيش في غياهب المجهول.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10164633448506341&set=a.10151768941066341
وقد استهلت كلمتها بمناشدة غاضبة ومستنجدة قائلة: "اتقوا الله فينا… أبي حبيبي ونور عيني لم نره منذ عشر سنوات ولا نعلم عنه شيئًا، ممنوع من كل شيء؛ لا زيارة ولا رسالة ولا محامي حتى.. نستودعه الله الذي لا تضيع ودائعه كل ساعة وليلة.. فهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين به وبنا. الله حسبنا ونعم الوكيل.. تبينوا قبل أن تنشروا حتى لا تزيدوا بلاءنا بلاء.. ربنا يسمعنا عنه خيرًا ولا يرينا فيه بأسًا ويفرج كربه ويفك أسره ويرده إلينا سليمًا معافى".
وبحسب متابعين، تعكس هذه الكلمات عمق المعاناة الإنسانية لعائلة لا تملك وسيلة واحدة للتأكد من حياة أو موت عميدها سوى ما تلتقطه من فضاء إلكتروني مشحون بالتناقضات.
ملامح العقاب العائلي
لا تقتصر كلفة الصراع السياسي في الحالة الإنسانية لآل الشاطر على غياب الأب؛ بل تمتد إلى ما تصفه تقارير المنظمات الحقوقية بـ "العقاب الجماعي" الذي يحظره القانون الدولي، فقد تداول ناشطون وحقوقيون تفاصيل مأساوية عن وضع زوجته، المهندسة عزة أحمد توفيق البالغة من العمر 74 عامًا، والتي التقطت لها صور وهي تجلس على الرصيف أمام مقار المحاكم في انتظار أمل واهٍ برؤيته أو سماع صوته.
لقد طالت الاعتقالات والضغوطات عددًا كبيرًا من أفراد الأسرة، وشملت أبناءه مثل سعد والحسن، وابنته عائشة خيرت الشاطر، بالإضافة إلى أزواج بناته (أحمد ثروت، مصطفى حسن، أحمد درويش، محمد أبو هريرة، خالد أبو شادي، والراحل أيمن عبد الغني)، ويرى مراقبون حقوقيون أن ملاحقة عائلة بأكملها ومصادرة ممتلكاتها يمثل نمطًا من الإجراءات القاسية التي تحول اسم العائلة إلى تهمة بحد ذاته، مما يرفع من الكلفة الإنسانية للبقاء صامدين أمام ظروف شديدة الوطأة.
آخر ظهور أمام القضاء: جسد واهن وشهادات من خلف القضبان
يعود آخر ظهور علني موثق للمهندس خيرت الشاطر إلى جلسة محاكمة انعقدت في يناير من عام 2022 أمام المستشار محمد سعيد الشربيني، رئيس الدائرة الرابعة إرهاب، في القضية رقم 955 لسنة 2017 حصر أمن دولة عليا بمعهد أمناء الشرطة بطره. ووفقًا لتوثيق مركز الشهاب لحقوق الإنسان، فقد بدا على الشاطر في تلك الجلسة الإعياء والإرهاق الشديدين نتيجة الحبس الانفرادي الطويل بسجن العقرب شديد الحراسة 1 قبل نقله لاحقًا.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=979783491695111&set=a.104190835921052
وخلال تلك الجلسة، توجه الشاطر بحديثه للمحكمة قائلًا: "أبلغ من العمر 72 عامًا، محبوس في زنزانة انفرادية، ممنوع الزيارة لسنوات، ولا أتلقى الرعاية والعناية الصحية اللازمة". ورغم هذه الاستغاثة القانونية، قررت المحكمة حينها تجديد الحبس واستمرار منع الزيارة دون التحقيق في الانتهاكات، وهي شهادة تتطابق مع تحذيرات قانونيين آخرين داخل القاعات -مثل المحامي عصام سلطان وأحمد نظير الحلو- والذين حذروا مرارًا من تدهور الرعاية الطبية وتصاعد معدلات الوفيات نتيجة الإهمال الطبي المتعمد داخل مقار الاحتجاز الإستراتيجية كمركز بدر 3.
قلق من التصفية
وتفتح شائعات الموت المتكررة ونفيها المتعاقب الباب أمام تحليلات سياسية واجتماعية واسعة من قِبل المعلقين على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ يرى قطاع من المهتمين بالشأن المصري أن إطلاق مثل هذه الأخبار ثم التراجع عنها قد لا يكون عاطفيًا أو عشوائيًا، بل يندرج أحيانًا ضمن سياسات التلاعب بمشاعر الأهالي أو اختبار ردود الأفعال الشعبية والسياسية تجاه مصير القيادات التاريخية المعارضة.
وفي هذا السياق، يعلق الكاتب والباحث (أحمد هلال) مشيرًا إلى أن "النظام يطلق الشائعات ثم يعود لنفيها" في إشارة إلى استهانة ملموسة بأرواح المصريين وتلاعب بمصير الأسرى والمحبوسين لديه، مذكرًا بوفاة شخصيات أخرى داخل السجون مثل الدكتور عصام العريان جراء الإهمال المماثل.
ومن زاوية أخرى، يشير المعلق (محمد صلاح نجم) إلى أن تداول خبر الوفاة ثم نفيه يثير قلقًا بالغًا بشأن احتمالات محاولة تصفية المعارضة داخل السجون بمختلف أطيافها، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة على الاستقرار العام، مؤكدًا على ضرورة تبني حلول جذرية تضمن الحرية الكاملة لكافة المعتقلين خارج إطار الحسابات العسكرية الضيقة، حمايةً لمستقبل وحاضر البلاد من الاحتقان المتزايد.
مسؤولية التثبت
إن تكرار شائعة وفاة شخصية بحجم خيرت الشاطر، في ظل حظر تام لأي اتصال بالعالم الخارجي، يتجاوز كونه مجرد خبر كاذب؛ ليصبح مؤشرًا على أزمة إنسانية وحقوقية عميقة تعيشها السجون المصرية، وتطالب منظمات حقوق الإنسان، وعلى رأسها منظمة "عدالة"، بالوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام في القضايا ذات الطابع السياسي، والإفراج عن سجناء الرأي، ووقف ممارسات العقاب الجماعي التي تطال العائلات، وفي خضم هذا التعتيم، يظل التثبت والتحري الدقيق، والامتثال للقيم الأخلاقية والإنسانية، هو السد المنيع لحماية العائلات المكلومة من الفواجع المصنوعة، بانتظار تحقيق عدالة حقيقية تبدأ بفتح أبواب الزنازين أمام الرقابة القانونية والزيارات الإنسانية كأبسط الحقوق المكفولة دستوريًا ودوليًا.