صوتت الهيئة التنفيذية لجمعية الدول الأطراف (ASP) على تعليق عضوية المدعي العام للجنائية الدولية كريم خان وإيقافه عن العمل، متجاهلةً تبرئته السابقة من قِبل لجنة قضائية مستقلة أكدت خلو التحقيقات من أي أدلة تثبت سوء السلوك.
وواجه خان حملة ترهيب لمنعه من ملاحقة المسؤولين الصهاينة؛ شملت تهديداً من السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام بفرض عقوبات، وتهديداً من وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون بانسحاب بلاده من المحكمة وقطع تمويلها.
وفرضت إدارة ترامب في فبراير 2025 عقوبات على خان، توسعت لاحقاً لتستهدف نائبيه، وثمانية قضاة، والمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، لردع التحقيقات في جرائم الحرب بفلسطين.
وبدأت ملاحقة خان بتهم التحرش بالتزامن مع طلبه إصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو وجالانت، وحُرم من حق إخفاء هويته مع تعمّد تسريب القضية للإعلام كغطاء قانوني لعملية "اغتيال سياسي".
وأكد خان خضوعه لمراقبة دقيقة ومستمرة من قبل أجهزة المخابرات الروسية والصهيونية (الموساد)، ورصد تواجد لفريق من الموساد في لاهاي بهدف الضغط عليه.
وحذر خان من أن تدمير إجراءات المحكمة بضغط سياسي يخلق سابقة خطيرة للإطاحة بالمسؤولين المنتخبين بناءً على تهم زنيفة، وسط تحذيرات نرويجية من أن تسييس العملية يضرب نزاهة القانون الدولي.
وأعلن الفريق القانوني لخان الطعن في القرار، وتُشير الآراء القانونية إلى إمكانية إلزام المحكمة بإعادته لمنصبه وتعويضه بمبلغ يصل إلى 1.5 مليون يورو إذا ثبت بطلان الإجراءات.
ويتطلب عزل خان رسمياً عقد جلسة طارئة لجمعية الدول الأطراف، تمر بتصويت أول لتأييد قرار سوء السلوك بأغلبية الثلثين، يعقبه اقتراع سري يتطلب أغلبية مطلقة (63 صوتاً على الأقل من أصل 125 دولة) لتنفيذ العزل.
أوامر اعتقال قادة الكيان
وقالت منصة "#ملهمون"، إن "المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، برز كأحد أهم الوجوه القضائية عالمياً بعد اتخاذه خطوة غير مسبوقة بإصدار أوامر اعتقال بحق قادة الكيان الصهيوني، وبذلك، تجاوز خان خطوط الحظر الفكري والسياسي التقليدية، مجابهاً العربدة والضغوط الأمريكية المستمرة، لينحاز بشكل واضح إلى عدالة الضحايا في قطاع غزة".
ولم يتأخر الرد؛ إذ دفع خان ثمن تجرؤه على المنظومة الداعمة للاحتلال سريعاً من خلال واجهة قرار بالإيقاف عن العمل من قِبل الهيئة المشرفة على المحكمة الجنائية الدولية، وتحويل قضيته إلى إجراءات تأديبية.
وجاء تبرير هذا القرار تحت لافتة مزاعم تتعلق بـ "سوء سلوك جنسي" تجاه مساعدة في مكتبه، وهي التهمة الجاهزة والنمطية التي تُساق عادةً لتشوية سمعة الشخصيات الدولية وتصفية الحسابات معها عندما تعجز الضغوط السياسية عن ثنيها، مما يفسر القضية برمتها على أنها عملية "اغتيال شخصية" منسقة ومعاقبة علنية للرجل، لإرسال رسالة ترهيب لكل من يحاول ملاحقة قادة الاحتلال على جرائمهم الوحشية.
واليوم، بات المستقبل المهني والقانوني لكريم خان معلقاً بيد "جمعية الدول الأطراف" (الهيئة المشرفة على المحكمة)، والتي تترقب عقد جلسة خاصة طارئة وبأقرب وقت ممكن لتحديد مصيره النهائي؛ إما بالاستمرار في منصبه أو العزل.
وستحسم هذه الجلسة المرتقبة مصير خان عبر آلية الاقتراع السري، حيث يتطلب قرار عزله رسمياً الحصول على أغلبية 63 صوتاً من أصل 125 دولة عضواً في المحكمة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام استقطاب وضغوط هائلة خلف الستار.
بناءً على ذلك، تُمثل قضية كريم خان اختباراً حقيقياً للدبلوماسية العربية والإسلامية، حيث تبرز حاجة ملحة لحشد الأصوات ودعم الرجل في مواجهة الاستقصاد والتحشيد الصهيوني، لضمان عدم ترسيخ قاعدة دولية تجعل من كل من يقف بوجه الجرائم الصهيونية "عبرة لغيره".
السطوة الأمريكية والصهيونية فوق العدالة الدولية
وبحسب تقرير بموقع ميدل إيست آي (Middle East Eye)، فإن حالة ترقب بالمحكمة الجنائية الدولية بعد تصويت مكتب جمعية الدول الأطراف (ASP)، الهيئة التنفيذية للمحكمة المكونة من 21 عضواً، على تعليق عضوية المدعي العام الرئيسي، كريم خان، وإيقافه عن العمل.
وأشار إلى أن خطوة العزل جاءت بعد تجاهل المكتب لنتائج تحقيق الأمم المتحدة (مكتب خدمات الرقابة الداخلية) وتوصيات لجنة قضائية مستقلة عيّنها المكتب نفسه، والتي برأت خان مسبقاً مؤكدة عدم وجود أدلة تثبت ارتكاب أي "سوء سلوك أو إخلال بالواجب".
واختار مكتب الجمعية إجراء تقييمه الخاص للتحقيق بدلاً من التزام التبرئة، مما دفع الفريق القانوني لخان لاعتبار القرار "غير قانوني، وغير عادل إجرائياً، ويتجاهل الإجماع القضائي"، مؤكدين عزمهم الطعن فيه لحماية حقوقه وضمان الإجراءات القانونية.
حملة ضغوط وترهيب خلف الستار
يرتبط قرار الإيقاف بحملة إقصاء ممنهجة واجهها المحامي البريطاني، الذي انتُخب مدعياً عاماً عام 2021، إثر تحقيقاته في جرائم الحرب بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وتصاعدت الضغوط في أبريل وأكتوبر 2024 بالتزامن مع طلبه إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، وهي الأوامر التي صدرت رسمياً في نوفمبر من العام نفسه.
وفي مقابلة سابقة مع موقع "ميدل إيست آي"، كشف خان عن تفاصيل حملة الترهيب والضغوط الاستثنائية التي تعرض لها، وشملت تهديدات أمريكية، وضغوط بريطانية، ومراقبة استخباراتية.
وهدد السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام كريم خان بفرض عقوبات مباشرة إذا تقدم بطلب أوامر الاعتقال، وهو ما نفذته إدارة دونالد ترامب في فبراير 2025 بفرض عقوبات على خان، توسعت لاحقاً لتشمل نائبيه، وثمانية قضاة، والمقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز، ومنظمات فلسطينية، لردع التحقيقات.
ووجّه وزير الخارجية البريطاني الأسبق، ديفيد كاميرون، تحذيرات لخان في مكالمة هاتفية، مهدداً بانسحاب المملكة المتحدة من المحكمة وقطع التمويل عنها إذا لاحقت مسؤولين صهاينة.
وأكد خان تلقيه معلومات تفيد بخضوعه لمراقبة دقيقة من أجهزة المخابرات الروسية والصهيونية (الموساد)، إلى جانب مخاوف على سلامته الشخصية إثر تواجد فريق موساد في لاهاي.
سوء السلوك
بدأت ادعاءات التحرش ضد خان عبر أحد موظفيه في أبريل 2024، تزامناً مع قرار ملاحقة المسؤولين الصهاينة. ورغم إغلاق آلية الرقابة الداخلية للمحكمة التحقيق مبكراً لعدم تعاون الشاكية، إلا أنه أُعيد فتحه لاحقاً عبر منظمة الهجرة ثم الأمم المتحدة. وانتقد خان حرمانه من حق إخفاء الهوية وتعمّد تسريب تفاصيل القضية للإعلام بالتزامن مع مساعيه لملاحقة وزراء صهاينة إضافيين، معتبراً إياها تهمة ملفقة تهدف لمنح غطاء قانوني لعقابه سياسياً.
وفي شهادة قدمها بن سوانسون، الأمين العام المساعد السابق لآلية الرقابة بالثواني، أكد أن المواد الأساسية للتحقيق لا توفر أدلة كافية لدعم أي استنتاج بسوء السلوك، وحذر خان من أن تدمير هذه الإجراءات يدخل المحكمة في "منطقة مجهولة"، ويخلق سابقة خطيرة تسمح للدبلوماسيين والتعيينات الحكومية بالإطاحة بأي مسؤول منتخب بناءً على حسابات سياسية ضيقة وضغوط خارجية زائلة.
السيناريوهات المستقبلية
وأعلنت جمعية الدول الأطراف (ASP) عزمها عقد جلسة خاصة طارئة في أقرب وقت ممكن للنظر في مصير خان النهائي. ووفقاً للقواعد التنظيمية، يتطلب إثبات سوء السلوك خطوات معقدة:
التصويت الأول: يتطلب موافقة أغلبية ثلثي الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة في الجمعية لتأييد استنتاج المكتب بوجود سوء سلوك جسيم.
التصويت الثاني (العزل): في حال تمرير الخطوة الأولى، يجري اقتراع سري يتطلب أغلبية مطلقة لا تقل عن 63 صوتاً من أصل 125 دولة عضواً لعزل المدعي العام رسمياً من منصبه.
وفي مواجهة خيار الإقالة، أعلن خان أنه سيلجأ للمحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية للطعن. وبحسب رأي قانوني شاركه القاضي السابق في محكمة العدل الدولية، عبد الكوروما، فإن المحكمة الإدارية قد تأمر بإعادة خان إلى منصبه فوراً مع إلزام الجنائية الدولية بدفع تعويضات تصل إلى 1.5 مليون يورو (1.74 مليون دولار) إذا ثبت بطلان إجراءات عزله.
من جانبه، حذر نائب وزير الخارجية النرويجي، أندرياس كرافيك، من تداعيات تجاوز الإجراءات القانونية المعتمدة، مؤكداً لـ "ميدل إيست آي" أن عدم احترام القواعد سيخلق انطباعاً واضحاً بتسييس المحكمة، مما يلحق ضرراً بالغاً بنزاهتها في وقت تواجه فيه ضغوطاً هائلة من دول تسعى جاهدة لتصويرها ككيان مسيس لا يلتزم بالقانون الدولي، ومع بقاء الوثائق طي الكتمان، يظل مستقبل خان ونزاهة العدالة الدولية معلقين بانتظار المواجهة السياسية المقبلة خلف الستار.