الداخلية تصفي 9 مواطنين بأسوان.. ما علاقة تصريحات ساويرس بالتنقيب وقتل “الدهّابة” خارج إطار القانون؟

- ‎فيتقارير

أحدث التصريحات لرجل الأعمال نجيب ساويرس جاءت بالتزامن مع الأنباء المثارة حول العمليات الأمنية ضد التشكيلات المسلحة والتنقيب العشوائي (الدهّابة) في جنوب مصر، وهو ما جعل البعض يربط بين الأمرين.

وفي تصريحات موسعة لوسائل إعلامية (منها العربية بيزنس)، حذر ساويرس من تفاقم ظاهرة التنقيب العشوائي وغير القانوني في مصر.

وأشار ساويرس إلى أن هناك عمليات سرقة واسعة النطاق تحدث داخل مناجم الذهب ومناطق الامتياز تحت تهديد السلاح من قبل عصابات ومجموعات مسلحة، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يتسبب في إهدار ثروات تعدينية ضخمة للدولة، ويؤثر سلباً على مناخ الاستثمار، ويمنع الشركات العالمية الكبرى من العمل في بيئة آمنة.

وكشفت تقارير محلية اليوم الجمعة 5 يونيو، وحسابات حقوقية، أن "الداخلية قامت بتصفية 9 أشخاص في الأقصر وقنا دون ذكر أي أسماء أو صور أو فيديوهات، تحت مزاعم أنهم عناصر إجرامية".

والرابط الفعلي هو أن تصريحات ساويرس تعكس الشكوى الرسمية للاستثمار الكبير من التهديدات المسلحة في الصحراء، بينما تمثل حملات الداخلية الأداة التنفيذية للدولة لفرض سيطرتها المطلقة على تلك المناطق، مما يتقاطع مباشرة مع رغبة المستثمرين في إنهاء ظاهرة "الدهّابة" والتنقيب غير المشروع لتأمين أرباحهم واستثماراتهم. ولكن ما هو تفسير التحريض على القتل بدلاً من الاحتجاز والتعامل القانوني، إن كانت الأمور تسير بمراقبة ومحاسبة بعيدتين عن الفساد؟!

وبدأ شغف نجيب ساويرس بالاستثمار في تعدين الذهب يأخذ شكلاً رئيسياً منذ عام 2012، عندما أسس مجموعته التعدينية "لامانشا" (La Mancha)، واستحوذ من خلالها على حصة بلغت 44% من شركة "أرياب" للتعدين في السودان.

ومنذ ذلك الحين، توسع ساويرس بشكل هائل عالمياً وإقليمياً عبر عمليات اندماج واستحواذ ضخمة (أبرزها الاندماج مع شركة Endeavour Mining الكندية)، لدرجة أن الاستثمار في الذهب بات يمثل حالياً نحو 70% من إجمالي محفظته الاستثمارية وثروته الشخصية.

وفي ملف الاستثمار في السودان، مر بمحطات معقدة تداخلت فيها السياسة بالاقتصاد، وواجه ساويرس خلافات مع حكومة عمر البشير آنذاك. وانتهى الأمر في عام 2015 بقيام الحكومة السودانية بشراء حصته بالكامل مقابل نحو 100 مليون دولار، ليخرج مؤقتاً من قطاع التعدين هناك.

وعقب الإطاحة بنظام البشير وصعود قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتنامي نفوذ الأخير وسيطرته على مناجم الذهب (خصوصاً منجم جبل عامر في دارفور ومناجم أخرى في جنوب كردفان عبر شركة "الجنيد" المملوكة لعائلته)، أعلن ساويرس في مطلع عام 2023 عن رغبة مجموعته "لامانشا" في العودة للاستثمار مجدداً في الذهب والطاقة بالسودان، وبدأ بالفعل مباحثات مع شركة "أرياب" الحكومية.

ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أثار ساويرس الجدل بتبنيه مواقف وتغريدات فُسرت بأنها داعمة لـ"حميدتي" والاتفاق الإطاري. وعندما انتقده متابعون واتهموه بالدفاع عن مصالحه في الذهب، رد ساويرس علناً بالنفي قائلاً: "يا عم سيبكم من موضوع الذهب ده.. الحكاية مش كده، أنا خرجت من أرياب وأتفاوض مع مجموعات كثيرة، لكن هذا لا علاقة له بموقفي السياسي".

وإلى جانب استثماراته التاريخية والضخمة في قارة إفريقيا (مثل بوركينا فاسو وساحل العاج ومالي) وأمريكا الشمالية، يركز ساويرس بشكل متزايد على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتعد مصر إحدى الوجهات الرئيسية لتوسعاته الحالية. فبعد تعديل قانون الثروة المعدنية المصري عام 2019، شاركت شركاته في المزايدات العالمية وفازت بحقوق التنقيب في 9 قطاعات بالصحراء الشرقية (عبر شركة AKHO GOLD التابعة لمجموعته).

ويرى ساويرس في المملكة العربية السعودية فرصة ذهبية واعدة في قطاع التعدين بفضل رؤية 2030 والتسهيلات الكبيرة الممنوحة للمستثمرين. وقد صرح في عدة مناسبات باهتمام مجموعته بضخ استثمارات ضخمة للاستكشاف والتنقيب عن الذهب والمعادن النادرة في الدرع العربي بالمملكة.

ورغم أن الإمارات ليست دولة منتجة أو منقبة عن الذهب في أراضيها، فإن ساويرس يمتلك ارتباطات وثيقة بأسواقها باعتبار دبي مركزاً عالمياً رئيسياً لتجارة وتداول وتكرير الذهب، كما يمتلك فيها استثمارات عقارية ومالية ضخمة تدعم أعماله.

سلسلة تصفيات مريبة

تاريخياً، شهدت مناطق جنوب الصعيد (أسوان والأقصر وقنا والبحر الأحمر) عدة مواجهات أمنية وحوادث جنائية مرتبطة إما بنشاط العصابات المنظمة، أو النزاعات على مناجم الذهب العشوائية، أو ملاحقة المتهمين بجرائم قتل واستهداف قوات الشرطة.

واقعة "الأقصر وقنا" (مايو 2026)

وتداولت صفحات محلية أنباء عن تصفية 9 أشخاص في منطقتي الأقصر وقنا. وبحسب الروايات الرسمية، فإن هذه العمليات تأتي في إطار حملات دورية تشنها وزارة الداخلية بالتنسيق مع الأمن العام لضبط بؤر تجارة السلاح والمخدرات في مناطق الصعيد الجبلية. وتستهدف المداهمات عناصر صادرة بحقهم أحكام قضائية وأوامر ضبط وإحضار، وغالباً ما تتطور إلى تبادل لإطلاق النار عند محاولة المتهمين مقاومة القوات.

"وادي الصعايدة" بإدفو – أسوان (سبتمبر/أكتوبر 2025)

ووصفت الداخلية مقتل 5 أشخاص إثر اشتعال واحتراق سيارة ربع نقل نتيجة إطلاق نار، بحسب رواية رسمية. واشتبهت دورية أمنية في سيارة جبلية بمنطقة إدفو، ووفقاً للبيان الأمني بادر مستقلو السيارة بإطلاق النار تجاه القوة، مما دفعها للرد. وتسبب التعامل في انفجار واشتعال السيارة نتيجة المواد المتفجرة أو الذخائر التي كانت بداخلها. وأثار الحادث لغطاً محلياً، وتظاهر الأهالي من أجل تسريع استلام الجثامين بعد فحص الطب الشرعي.

مجزرة "أم الحويطات" بسفاجا – البحر الأحمر (أبريل/مايو 2024)

وأسفرت اشتباكات مسلحة عن مقتل 8 أشخاص على الأقل وإصابة آخرين ضمن صراع جنائي بحت وجريمة فرض سيطرة بين "دهّابة" يقودهم مسجل خطر (رشيدي غريب) ومقاول من الباطن (أحمد سليمان) يعمل لصالح شركة تعدين. وتسبب النزاع على عِرق ذهب مكتشف حديثاً في قيام مجموعة "الرشيدي" بالهجوم ليلاً على الحراس وتصفيتهم. وألقت الشرطة القبض على الجاني الأساسي وفرض الجيش سيطرته على الموقع لمنع تحوله إلى صراع قبلي.

ملاحقة قتلة ضباط الشرطة في الأقصر وأسوان (أغسطس 2022)

وكان الحادث عبارة عن تصفية 3 عناصر وصفت بـ"الإجرامية" في قرية المريس بالأقصر، وشقيقين في أسوان، وذلك ضمن عمليات اعتبرتها الداخلية "استباقية" ومداهمات لأوكار جنائية بهدف ضبط العناصر المتورطة في استشهاد ضباط من قطاع الأمن العام (مثل الرائد أحمد الضبيعي والنقيب مصطفى الجلاء) أثناء تأدية واجبهم في فض وتفكيك عصابات تجارة السلاح والمخدرات.

وفاة قيادات الشرطة في قضية "مستريح أسوان" (مايو 2022)

وانتشرت أخبار حول تصفية قيادات أمنية بسبب الخلاف على أموال تم ضبطها مع مستريح أسوان (مصطفى البنك). إلا أن الحقيقة المثبتة بالتقارير الطبية والجنائية وشهادات الشهود كانت تعرض السيارة التي تقل اللواء منتصر عبد النعيم واللواء أحمد محيي لحادث سير مروع أدى إلى انقلابها ووفاتهما أثناء عودتهما من مأمورية الضبط.

اشتباكات جبال أسوان (نوفمبر 2021)

وكان الحادث مرتبطاً بتصفية 12 عنصراً وضبط ترسانة أسلحة آلية ضمن مواجهة مسلحة عنيفة جرت في المناطق الجبلية بأسوان بين قوات الشرطة وتشكيل عصابي منظم تخصص في أعمال السطو المسلح على المنقبين عن الذهب، وإدارة بؤر لتجارة الأسلحة الثقيلة والمخدرات، وانتهت المواجهة بعد تبادل طويل لإطلاق النار لتطهير تلك المناطق الوعرة، بحسب بيانات الداخلية.

القاسم المشترك

والمناطق الجبلية في جنوب مصر تتميز بوعورتها، مما يجعلها ملاذاً لثلاث فئات تتداخل مصالحها أحياناً:

  • المنقبون غير الشرعيين (الدهّابة): يبحثون عن الذهب دون تراخيص رسمية.

  • العصابات المنظمة ومطاريد الجبل: الذين يمارسون البلطجة لفرض إتاوات على المنقبين أو تهريب السلاح والمخدرات.

  • المقاولون والشركات المخالفة: الذين يتجاوزون شروط عقود "البحث" الرسمية ويبدأون في الاستخراج المبكر باستخدام عمالة غير مقننة.

تقرير استقصائي

منصة "صحيح مصر" (وهي منصة معروفة بالتدقيق والتوثيق) رصدت في وثيقة تصفيات جسدية ممنهجة من قبل الدولة ضمن "بلطجة وفرض سيطرة".

وكان مدخل التقرير الاستقصائي المجزرة التي راح ضحيتها 8 أشخاص، والتي كانت صراعاً جنائياً مسلحاً بين مجموعتين من المواطنين (خارج إطار القانون):

  • المجموعة الأولى: خفراء وحراس يعملون لصالح مقاول من الباطن (أحمد سليمان نصار).

  • المجموعة الثانية: مجموعة من المنقبين العشوائيين (الدهّابة) يقودهم شخص مسجل جنائياً يدعى "رشيدي سيد غريب".

وذكر أن سبب الجريمة، وفق شهود العيان: "رشيدي دخل عليهم ليلاً وهاجمهم أثناء نومهم… عقب اكتشاف عرق الكوارتز"، وأن العمل هناك "تحكمه البلطجة ومن يفرض سيطرته على الجبل يجني الذهب".

وفي الجانب الجنائي، لاحقت الشرطة "رشيدي غريب" وألقت القبض عليه وعلى مجموعته وبحوزتهم الأسلحة، وتم تحويلهم إلى النيابة العامة، فيما فرض الجيش والشرطة سيطرة كاملة على المنطقة وأغلقوها لإيقاف النزاعات المسلحة العشوائية.

وقبل الحادث بأسبوع، كانت الجهات المختصة قد أزالت معدات غير مرخصة للمقاول نفسه، مما يعني أن الدولة تمنع المخالفين من الطرفين ولا تنحاز إلى طرف ضد آخر.

ويلقي التقرير الضوء على نقطة مهمة جداً، وهي أن الشركات التي تحصل على الامتياز (مثل شركة ميداف) تخالف القانون عبر تشغيل "مقاولين من الباطن" بشكل غير رسمي لإدارة المواقع في مرحلة "البحث" (وهي مرحلة يُحظر فيها استخراج الذهب تجارياً).

والفساد الإداري أو التجاوز من المقاولين والشركات هو الذي يخلق البيئة العشوائية التي تسمح بوقوع اشتباكات مسلحة بين المقاولين والدهّابة، لكنه يظل صراعاً يديره "مقاولون خارج القانون" وليس "تصفيات أمنية مدبرة".

والمستفيد الأول من غياب الرقابة هم تجار الذهب غير الشرعيين، والمقاولون من الباطن الذين يتهربون من الضرائب وحقوق الدولة، ورؤساء عصابات الجبال (مثل الرشيدي) الذين يفرضون إتاوات.

أما الدولة والشركات الكبرى المستثمرة (التي تدفع ملايين الدولارات للحصول على امتياز رسمي)، فإن هذه الاشتباكات المسلحة والبلطجة الجبلية تعطل أعمالها وتجعل الاستثمار في هذه المناطق خطراً وغير مستقر، ولذلك تتدخل قوات الأمن لفرض السيطرة بقوة القانون.

https://x.com/SaheehMasr/status/2050991313123000524