كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تراجع الدور المصري في المنطقة كلاعب رئيسي على مدار قرن من الزمان، وذلك بفضل الانقلابيين الفاشلة سياسيا واقتصاديا، في عهدهم أصبحت مصر بلد متلقي للمساعدات فاقدة للقدرة على المبادرة والفعل السياسي، في ظل ظروف دولية معقدة.
كانت هذه إحدى الخلاصات الرئيسية للنقاشات التي أجريناها مع مراكز الفكر والأبحاث في العاصمة واشنطن خلال "بعثة طرق الأبواب" التي نظمتها غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة الأسبوع الماضي، طبقًا لإنتربرايز،
هناك حواران متوازيان في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية؛ الأول يركز على ديناميكيات الأمن الإقليمي، والآخر على آليات النفوذ في واشنطن، ويتقاطع هذان الحواران عند نقطة حاسمة: قدرة مصر على التعامل مع كلا المسارين ستحدد دورها في النظام الإقليمي المتغير.
هيكل أمني تحت الضغط
من منظور إقليمي، يتمثل السؤال الجوهري في مدى صلاحية المظلة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة. حاليا، وفقا
تقول لميريت مبروك، الزميلة الأولى في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: “التصعيد الأخير مع إيران لم يخلق ديناميكيات جديدة بقدر ما كشف عن ديناميكيات قائمة بالفعل، مشيرة إلى أن دول الخليج وجدت نفسها مضطرة لمواجهة حدود نموذج مبني على الحماية الخارجية لم ينفعها، وقد أدى تعرض الخليج لهجمات إلى تحدي مكانته الراسخة كمركز مستقر، مما عزز تصورا متزايدا بأن واشنطن — وفي بعض الحالات إسرائيل — قد تتسامح مع قدر من عدم الاستقرار الإقليمي إذا كان ذلك يتماشى مع أهدافها الاوسع.
في إطار هذا التقييم، تشير مبروك إلى بوادر تحولات في أنماط التحالفات قد تؤدي إلى ظهور تحالفات متعددة تشمل بعض دول الخليج، ومع ذلك، تشدد مبروك على أنه “لا يوجد طرف فاعل يمكنه أن يحل محل الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي في المنطقة”، منوهة في الوقت ذاته إلى أن الهيكل الأمني الإقليمي الحالي يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه غير كافٍ بمفرده.
تحد مختلف لمصر في واشنطن: الحضور والتأثير
على صعيد آخر، تشير النقاشات في المجلس الأطلسي إلى
تراجع حضور مصر داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
رغم حجمها وشراكتها التاريخية مع واشنطن. ووفقا للنقاشات، فإن المشكلة لا تكمن في الغياب التام للتواصل، بل في الافتقار إلى استراتيجية متكاملة ومستدامة للتأثير في عملية صنع القرار، وينظر إلى الجهود المصرية على أنها مشتتة مقارنة بدول أخرى نجحت في بناء أنظمة ضغط شاملة تضم مراكز الفكر والأبحاث، ووسائل الإعلام، وشبكات الجاليات.
ثمة نقطة أخرى أثيرت مرارا في واشنطن، وهي تقليص إدارة ترامب لدور العديد من المؤسسات، مما يجعل من الصعب على مصر — أو أي دولة أخرى — الانخراط في حوار استراتيجي بناء ومؤثر مع الإدارة الأمريكية.
كما يجب وضع في الاعتبار أن الإدارة الأمريكية الحالية لديها قائمة طويلة من الأولويات والأزمات التي تديرها.
التواصل مع الولايات المتحدة يحتاج إلى التغيير لأن الطريقة التي تعمل بها واشنطن قد تغيرت
، وفق ما قاله باحثون في المجلس الأطلسي، مشيرين إلى أن تراجع دور المؤسسات التقليدية خلق مساحة أكبر للتواصل المباشر، ومن الأمثلة الإيجابية.
نشر ميسون كفافي تكبيرة المستشارين في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، مؤخرا حول أمن الممرات الملاحية في البحر الأحمر، ويعلق أحد الخبراء في المجلس قائلا: “هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها وزير خارجية مصري ينخرط في حوار صريح ومفتوح إلى حد ما مع مركز فكر مهتم بالشأن المصري”، وهو ما يمثل تحولا إيجابيا يحتاج إلى استمرارية وتوسع.
حدود العلاقة الأمنية أولا
“لا تزال العلاقات المصرية الأمريكية تركز بشدة على الدفاع والأمن، مع تواصل محدود نسبيا في القطاعات الأخرى” ، مما أضاع فرصا في مجالات مثل الطاقة، والتعليم، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والتي من شأنها توسيع نطاق الشراكة وتعزيز موقف مصر في واشنطن، وفق ما قاله باحثو المجلس الأطلسي، كما أشار الخبراء إلى وجود فجوة في الخطاب الموجه، إذ غالبا ما يجري تأطير مصر في المقام الأول كمتلق للمساعدات وليس شريك اقتصادي استراتيجي.
الضغوط المحلية ترسم الدور الخارجي لمصر
يرى باحثو المجلس الأطلسي أن تموضع مصر الخارجي يرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع الاقتصادي المحلي، إذ تحد الضغوط على مصادر الإيرادات الرئيسية للبلاد — بما في ذلك تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة الاضطرابات الإقليمية — جنبا إلى جنب مع القيود المالية الأوسع، من مرونة السياسة الخارجية لمصر، ويوازن صانعو السياسات بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يؤثر بدوره على قدرة مصر على توسيع دورها الإقليمي
المفتاح لبناء علاقة استراتيجية مصرية أمريكية معززة يكمن في تحديد مشروع مشترك”
وقال روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “في مرحلة ما، كان هذا المشروع المشترك هو السلام، لكن لا يبدو أن مصر مهتمة بتطوير ذلك بشكل أكبر”، حسبما أضاف ساتلوف، المقرب من دوائر صنع القرار الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة. “تبدو مصر قانعة بغياب الحرب، وهو أمر ليس بالهين، لكن يبدو أنها تكتفي بذلك”، بحسب ساتلوف الذي يرى أنه ليس من السهل تحديد مشروع محوري مشترك يشكل أساسا لشراكة استراتيجية معززة، لأن “رؤيتنا لا تتوافق دائما بشأن كل شيء في المنطقة — سواء في ليبيا أو السودان أو غيرهما — ولدينا اختلافاتنا التي يجب احترامها.
أين يتقاطع المساران؟
بشكل عام، يشير تحليل مبروك ونقاشات المجلس الأطلسي، إلى تقاطع في الضغوط؛
إذ تصف مبروك منطقة تُعاد فيها تقييما لافتراضات الأمنية وتتشكل فيها تحالفات جديدة، بينما يؤكد المجلس الأطلسي على التوقعات في واشنطن بأن تلعب مصر دورا أكثر بروزا ومبادرة، ورغم الاعتراف الواسع باستقرار مصر النسبي — مقارنة بالصراعات المستمرة في السودان وسوريا ولبنان — فإن ترجمة هذا الاستقرار إلى نفوذ حقيقي تتطلب استراتيجية أكثر وضوحا وتواصلا أكثر فاعلية.
تراجع المبادرة مقابل الاكتفاء بإدارة التوازنات
التقرير يفترض أن مصر يمكنها لعب دور أكبر إذا حسّنت حضورها في واشنطن، لكن التجربة خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن السياسة الخارجية المصرية تميل إلى إدارة الأزمات لا صناعتها أو قيادتها، في ملفات مثل ليبيا أو السودان أو حتى غزة، تحوّل الدور المصري من فاعل مُبادر إلى وسيط أو ضامن تهدئة، وهو دور مهم لكنه أقل وزنًا من حيث تشكيل النتائج الاستراتيجية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة حسابات مرتبطة بتكلفة الانخراط المباشر، خاصة في بيئة إقليمية عالية السيولة، حيث تتغير التحالفات بسرعة، وتزداد كلفة الخطأ.
العامل الاقتصادي كقيد حاكم
التقرير أشار إلى الضغوط الاقتصادية، لكنه تعامل معها كمجرد عامل مؤثر، بينما هي في الحقيقة عامل مُحدد للسقف الاستراتيجي، قدرة أي دولة على لعب دور إقليمي واسع ترتبط بامتلاكها فائض قوة "اقتصادي/عسكري/سياسي"، وهو ما تآكل نسبيًا في الحالة المصرية خلال السنوات الأخيرة، الواقع الاقتصادي والالتزامات المالية والديون، كلها عوامل تدفع نحو سياسة خارجية أكثر حذرًا، تميل إلى تجنب المغامرة، تقليل الانخراط المكلف، والحفاظ على الاستقرار الداخلي كأولوية مطلقة. وهذا يفسر لماذا لا تسعى مصر حاليًا إلى “توسيع دورها” بقدر ما تسعى إلى منع تآكل ما تبقى من نفوذها.
تغير طبيعة النظام الإقليمي
الإقليم تغيّر، ولم يعد النفوذ فيه يُقاس فقط بالحضور السياسي أو العسكري، بل بالقدرة على التمويل والتأثير الاقتصادي وبناء شبكات عابرة للحدود، وهنا تواجه مصر تحديًا حقيقيًا، لأن أدواتها التقليدية "الجيش، الجغرافيا، الوساطة" لم تعد كافية وحدها.
واشنطن لم تعد الساحة الحاسمة
التقرير بالغ في التركيز على “آليات النفوذ داخل واشنطن”، وكأن استعادة الدور المصري تمر عبرها، حيث ذكر أن أنه “لا يوجد طرف فاعل يمكنه أن يحل محل الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي في المنطقة”، رغم تساؤله عن “مدى صلاحية المظلة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة حاليا”، لكن الحقيقة أن القرار الأمريكي نفسه أصبح أكثر تشتتًا وأقل قابلية للتأثير الخارجي المنظم، خصوصًا مع تراجع دور المؤسسية على حساب الدور الفردي، فضلًا عن انشغال واشنطن بملفات أخرى كبيرة.
بالتالي، المشكلة ليست فقط في ضعف اللوبي المصري، بل في أن المنظومة التي يُفترض التأثير فيها نفسها لم تعد بنفس القدر من التأثير.
ما هو المشروع الجامع؟
المشروع المشترك عند روبرت ساتلوف هو كيفية توظيف مصر لصالح النفوذ الأمريكي في المنطقة. في الحقيقة مصر لا تفتقد مشروعًا وظيفيًا لصالح واشنطن، بل تفتقد لمشروعها الخاص الذي يستعيد لها العافية الداخلية ثم النفوذ الإقليمي.
مصر اليوم لا تتحرك اليوم من موقع صانع النظام الإقليمي، ولا حتى شريك رئيسي في إعادة تشكيله، بل من موقع محاولة الحفاظ على التوازن ومنع التهميش، في بيئة تتغير أسرع من قدرتها على التكيف، وبالتالي، أي حديث عن تعزيز الدور المصري يجب أن يمر أولًا عبر تطوير مشروع مستقل متكامل. بدون ذلك، سيظل الحديث عن “تعظيم الدور” أقرب إلى الأمنيات التي لا تعكس ميزان القوة الفعلي على الأرض.