ما زالت علاقة حركة حماس بإيران، ولا سيما ما يتعلق بأساليب التعبير عن هذه العلاقة، مثار جدل كبير في العالم العربي، ولا يكاد هذا الجدل يخبو حتى يعود للواجهة مع كل حدث جديد، كما حصل في جولة التصعيد الأخيرة بين الاحتلال “الإسرائيلي” والمقاومة الفلسطينية.

وقد كتب الدكتور معتز الخطيب على الجزيرة نت مقالاً بعنوان “المقاومة وإيران وإشكالية العلاقة بين السياسي والأخلاقي” في محاولة لتناول العلاقة من هذه الزاوية. وهذا المقال نقاش مع مقال الدكتور معتز، مخصصاً لنقاش موقف حركة حماس وتصريحاتها، وما يتصل بالعلاقة مع إيران حصراً، وليس نظام الأسد مثلاً، فهذا برأيي نقاش مختلف.

منطلقات

وحتى يكون الحوار مثمراً ويحقق الغاية المتوخاة منه، من الأفضل تحديد منطلقاته وبعض المفاهيم المتعلقة بالموضوع. وأهمها:

أولاً، أن النقاش مع الفكرة، أي جدلية السياسي والأخلاقي في الموضوع، في عمومها، وليس مع الدكتور وإن كان مقاله كان المناسبة لذلك.

ثانياً، أتفق معه بأن هناك جدلية قائمة بين ما هو سياسي وما هو أخلاقي في الأمر.

ثالثاً، لستُ أنكر الأخطاء التي يقع فيها بعض مسؤولي حماس، وقد سبق لي نقد بعضها، ولكنني أتناول الموضوع في عمومه دون الدخول في التفاصيل.

رابعاً، أتفق مع الدكتور في بعض ما قاله بدرجة أو بأخرى، ولا سيما الارتباط بين الاحتلال والاستبداد، ولكنني أخصص المقال لما أختلف معه فيه.

خامساً، ثمة مفارقة لا ينبغي تجاوزها، وهي أن النقد المتعلق بالبُعد الأخلاقي يستخدم حصراً ضد حركات المقاومة الفلسطينية وخصوصاً حماس، وأيضاً حصراً بالعلاقة مع إيران دون غيرها. والمسوغ المطروح هنا أنها حركة تحرر وطني وخلفيتها إسلامية، وهذا صحيح، لكنه ليس كافياً لهذه الحصرية أو لنقل الانتقائية.

فنحن لا نقع على نفس العتب/النقد/الهجوم ولا ذات الجدلية في علاقة أطراف أخرى بإيران، أو علاقة أي طرف بروسيا الداعم الأكبر لنظام الأسد، أو علاقة أطراف ثورية بدول إقليمية وقوى عالمية ارتكبت جرائم بحق المنطقة وشعوبها.

أكثر من ذلك، فقد شكر رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في خطابه المذكور مصر – مثلاً – قبل إيران، رغم العلاقة الشائكة للنظام المصري بحماس نفسها، ولكن لم يلق ذلك نقداً مشابهاً. بل إن المفارقة أن بعض المعارضين المصريين انتقدوا شكره إيران ولم ينتقدوا شكره مصر. ولئن قيل إن البُعد الطائفي هو ما يضخّم من الأمر، فهذا البعد لا يُلزم حماس أو غيرها، من الأطراف التي لا تنظر للأمر من زاوية طائفية وإنما سياسية.

في تعريف الأخلاقي

موقع الأخلاق والقيم في العلاقات الدولية نقاش قديم متجدد، ولعل أكثر من تناوله هم رواد النظرية الواقعية، الذين يرون أن السياسة الخارجية تبنى على المصالح وفق منطوق القوة وليس وفق منظومة أخلاقية ما.

يرى مورغانثاو بأن الجدلية بين الأخلاقي والسياسي قائمة بما يمنع الثاني من التهرب من محاكمة الأول وتوجيهه الأخلاقي. بينما يشرح ميرشايمر أن المؤسسات والقيم تُعامَل على أنها قابلة للاختزال لمصالح القويِّ المادية. بل إن بعض منظّري المدرسة الواقعية يؤكدون أن “تحقيق المصلحة” هو عين الأخلاق والفضيلة في السياسة.

لسنا نسلّم بهذا المنطق بالكلّية، لكن فلسفة الأمر قريبة، في إطار قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. إذ أن الدعم الذي تتلقاه حركات المقاومة والتحرر ضروري لبقائها وصمودها فضلاً عن إثخانها في عدوها. وإن صح ذلك في العموم، فإنه أوجب في الحالة الفلسطينية التي تواجه احتلالاً استيطانياً إحلالياً مدعوماً من القوة الأولى في العالم.

كل الكيانات السياسية، الدول وفواعل ما دونها، تسعى للاكتفاء الذاتي تجنباً للضغوط ورغبة في الاستقلال والسيادة، إلا أن ذلك أمر متعذر جداً إلا في حالة بعض القوى العظمى. بل إن بعض القوى المتخاصمة تتعاون فيما بينها في ظروف ما إذا ما تلاقت مصالحها، مثل تبدل التحالفات في حروب القارة الأوروبية في القرون الأخيرة، وتعاون تركيا في حرب استقلالها مع الاتحاد السوفياتي، وقضية إيران كونترا مع الولايات المتحدة.

وأخيراً، إن التماس الأعذار للدول الكبيرة وحرمان حركة تحرر وطني في ظل ظروف صعبة مثل حماس وأخواتها أمر لا يستقيم سياسياً ولا أخلاقياً، فهي الطرف الأضعف والأكثر اضطراراً والأقل قدرة على الاكتفاء الذاتي والاستقلالية.

حماس وإيران

إن حصر علاقة حركة حماس بالجمهورية الإيرانية في البعد المادي، بل الدعم المالي تحديداً، تقييم غير دقيق. وقد كنتُ شرحت في مقالي “حماس وإيران: حقائق يحجبها الواقع والاستقطاب” عوامل أهمية إيران بالنسبة لحماس، وأهمها اثنان: كون إيران الدولة الإقليمية الوحيدة التي لا تعترف بالكيان الصهيوني وتدعو لتحرير كل فلسطين، وكونها الدولة الوحيدة كذلك التي تعترف علناً بدعم المقاومة بالمال والسلاح وغير ذلك.

وبالتالي، إذا ما أضفنا هذا البعد المهم لكل ما سبق، فالنقاش الأخلاقي ليس إذا ما إذا كانت حركات المقاومة تقبل دعماً منها، وإنما مدى تأثير ذلك الدعم عليها، وهو ما سنناقشه تالياً.

يقول الدكتور معتز بأنه “لا يُشترط الطهارة فيمن يقدم الدعم” لحركة مقاومة أو تحرر وطني – وهذا صحيح – ولكن ذلك برأيه لا يزيل الإشكالية، إذ ينبغي النظر في “ما يترتب على هذه الإعانة ” ومراعاة “الاستثمار السياسي الذي يرتهن إليه كل دعم”.

ونقول إنه ينبغي التفريق بين استثمار لدعم من قبل الجهة الداعمة وبين ارتهان من يحصل عليه لها، كما ينبغي التفريق بين التصريحات والسياسات، إذ لا يمكن النظر للأمرين كأنهما شيء واحد . لا شك أن إيران (وغيرها) ستسعى للاستثمار فالدول ليست جمعيات خيرية وإنما تصنع سياساتها بناء على رؤاها ومصالحها، ولكن هل قدمت حماس لها تنازلات تثبت ارتهانها لها؟

لم تخض حماس في الدم السوري، ولا أيّدت سياسات إيران الإقليمية بل أكدت مراراً أنها تتعاون معها حصراً ضد الاحتلال، وخالفتها واحتلفت معها في أكثر من محطة مثل انتخابات 2006 والموقف من الثورة السورية، وخاضت معاركها دائماً بأجندة فلسطينية واضحة، ولا يبدو أنها سمحت بحالة مذهبية أو ثقافية شيعية في غزة التي تديرها بل كافحت حركة “الصابرين” التي سعت لذلك، ما ينفي عنها أي ارتهان في أجندتها وقرارها.

يقول الدكتور الخطيب إن “شريك المجاهد مجاهد” وفق تصوراتنا الدينية والأخلاقية وإن ذلك يتسبب بإشكالية في حالة إيران. والحقيقة أنها شريك بالمعنى السياسي، وأما المعنى الديني فأعتقد أنه لا ينطبق هنا – ولستُ من أهل النظر فيه – إذ ثمة فوارق كبيرة بين الفرد والدولة. لكن المقاومة لم تكذب حين قالت إن طهران قدمت الدعم، حتى ولو تراجع مستواه مؤخراً، ولم يكن ليستقيم أن تشكر المقاومةُ كلَّ من قدم إسهاماً ولو محدوداً وتعُدَّه شريكاً في النصر ثم تستثني من ذلك الجهة التي كان لها إسهام ملموس في تسليحها وخاصة قوتها الصاروخية التي كانت عنوان المواجهة.

ويدعي الدكتور أن “الشاكرين لإيران يصمتون عن جرائمها” ما “يجعل الشكر مطلقاً لا مقيّداً بفعل دون آخر”. والحقيقة أن ذلك غير دقيق، فقد تواترت تصريحات قيادات الصف الأول في حماس في رفض تأييد سياسات إيران الإقليمية، وقد أطلق مشعل وهنية وغيرهما تصريحات واضحة حول “الاختلاف مع إيران في سوريا” و”من يدعمنا في الحق لا ندعمه في الباطل”. لكن ليس مطلوباً ولا متوقعاً منها إعادة هذه التصريحات إزاء كل حدث، إذ معروف عنها تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول والهجوم على أي منها، حتى تلك التي تحاربها وتصنفها على قوائم الإرهاب.

السؤال، هل حسّنت حماس وجه إيران فعلاً في المنطقة؟ هل امتدحت سياساتها في سوريا والعراق وغيرهما؟ الوقائع تقول بعكس ذلك، ومن القرائن الواضحة على ذلك رأي شريحة واسعة من حاضنة حماس الشعبية وكوادرها بل وبعض قياداتها.

يقرر الخطيب إن فقه الضرورة لا ينطبق على حالة حماس وإيران لا شرعياً ولا سياسياً، وهو ما نختلف معه فيه، على الأقل في البعد السياسي والاستراتيجي. فما يصح في الفرد لا يُسقطُ بسهولة على الدول، كما أن الاحتلال الصهيوني يضر بالضرورات الخمس جميعاً وأكثر منها، وقد فصلنا في أهمية إيران في هذا الصدد ومركزية الدعم الخارجي بالنسبة للمقاومة.

ويحذر الدكتور معتز من أن “الإلحاح على إبراز الفضل الإيراني” قد يسبب تراجع الدعم الإنساني “لأن صورة إيران دولياً سلبية”. والواقع أن صورة أي طرف ليست معياراً أساسياً، ليس فقط لأن بعض الأنظمة الأخرى التي شكرتها المقاومة ليست ناصعة السمعة، ولكن أيضاً لأن صورة المقاومة سلبية بالنسبة للكثيرين على الساحة الدولية الرسمية.

ويرى الخطيب أن “استثنائية القضية الفلسطينية وخصوصيتها” تعني “ثانوية كل القضايا الأخرى”، ما يثير استفهاماً حول مبدأ “تكافؤ الدماء”. والحقيقة أن مصطلح مركزية القضية الفلسطينية لم يَعْنِ يوماً عدم أهمية غيرها ولا أفضلية لدماء أبنائها، وإنما يحيل على اجتماع العرب جميعاً عليها وكونها تواجه عدواً خارجياً للجميع، دولاً وشعوباً. ورغم ذلك، فقد أقلع الكثيرون عن استخدام هذا المصلح في السنوات الأخيرة تجنباً لهذا الفهم الخاطئ.

ومن الأمور التي أستهْجِنُها في مقال الدكتور أنه ينتقل من نقد بعض الخطاب المتعلق بإيران لرفضه بالجملة حين يقول إنه لا فرق بين شكر إيران وإسباغ لقب “شهيد القدس” على اللواء قاسم سليماني، ثم يصل لرفض فكرة تلقي الدعم من أصلها. وأعتقد أن ذلك لا يستقيم مع القياس الأخلاقي فضلاً عن السياسي الذي يقوم عليه المقال.

وأخيراً، يقر الدكتور نفسه بأن المقال اكتفى بطرح الأسئلة والتفكير في القضية ولم يقدم حلولاً لهذه الجدلية أو الإشكالية، وأعتقد أن هذا نقص كبير.

فالمطلوب اليوم إقامة الحجة على حماس وغيرها من قبل من يرى بأن دعم إيران لا يلزم أو أنه مضرّ، وإلا فإنه إن لم تكن ثمة حلول وخيارات أخرى، فهذا مما يعزز سردية الاضطرار التي فصّلنا فيها آنفاً.

خاتمة

أثبتت حماس مراراً أن تلقيها الدعم من إيران وغيرها من الدول محصور في المواجهة مع الاحتلال، وأنها لم تقدم تنازلات تذكر على صعيد التوجهات العامة والسياسات والقرارات، وإن أخطأت أو تجاوزت في بعض الخطاب والتصريحات.

ولأنها ليست معصومة ولا محصّنة من النقد، فإن العتب عليها ونقدها حق بل واجب، لكن على قاعدة الحرص والنصح وليس التخوين والتشويه. وكما هو مطلوب منها أن تكون أكثر حذراً ومراعاة وأن ترشّد خطابها، ينبغي على محبيها مراعاة خصوصيتها وظروفها الصعبة، لا سيما في ظل تشرذم العالم الإسلامي والتعقيدات الكبيرة في المنطقة التي تتسبب في تناقضات لمختلف الأطراف رغماً عنها.

ولعله من المهم تجنب تقييم العلاقات السياسية من منظور أخلاقي صرف، لا سيما إن بُنيَ على طوباوية غير موجودة في المجال السياسي، فضلاً عن إسقاط مقولات شرعية وفقهية خاصة بالفرد على الدول والعلاقات معها.

Facebook Comments