عندما تمرد جون قرنق على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، كتبت مقالا حينها قلت له: الجنوب تحت أيديكم منذ أن أعطاكم الرئيس السابق جعفر نميرى الحكم الذاتى واستثناكم من تطبيق الشريعة، فلو أنت فقط حصدت ثمار المانجو التى تسقط من الأشجار فى جوبا وشحنتها من مطار جوبا لأوربا لأصبح الجنوب أثرى ولاية فى إفريقيا. دعك من ذهب ومعادن الجنوب التي كان ومازال يسرقها رجال الأعمال الإنجليز الذين تحرضهم البارونة كوكس وهيلدا جونسون وزوجة ريك مشار الإنجليزية التى اغتالها قرنق وغيرهم، لكن عواجيز الشيوعيين الذين يحكموننا الآن بعد ثورة ديسمبر بنفس أشخاصهم وأسماءهم وأفكارهم العتيقة قالوا وقتها: لا، الجنوبيون سودانيون ومن حقهم أن يشربوا الخمر فى الخرطوم علنا وليس سرا، ويخرجون يترنحون فى شوارع الخرطوم ويتضاربون، وبعد ذلك ينظر فى أمرهم هل يحاكمون أم لا. ( مثل ما يقول وزير عدل حمدوك الآن لأنهم سودانيون ويحق لهم ممارسة عاداتهم فى أى بلد فى السودان لو بصنع الخمور البلدية الضارة بالصحة والتى تخدرهم وتفترهم عن الإنتاج).
ويعتبر وزير العدل بحكومة حمدوك أن قوانين الله تعالى قوانين مقيدة للحريات ولا تحترم عادات غير المسلمين حتى وإن تجولوا عراة كما يعيشون على فطرتهم فى الجبال؛ فإذا كان الله تعالى قد أمر بأن يعاقب شارب الخمر الذى يجاهر بفعله بالجلد، فأسلم له بذلك شعب السودان كما أسلموا بوجوب الصلاة، فلماذا تحاول أنت أيها المخلوق أن تنصب نفسك مشرعا من دون الله و تجبر الشعب على تطبيق قوانين من اختراعك؟ هل لأنك دكتاتور تتبع للدكتاتور الأكبر أمريكا التى تجبر شعوب العالم على أن تطبق قوانينها بالقوة؟ فإن رفصت حوصرت وجوعت وطردت من (المجتمع الدولى)!
أما وزير أوقاف السودان الحالي فيقول: من يعبد الوثن دعه، لا تعلمه ولا تدعوه للإسلام حتي لا تصنف إرهابيا عند أمريكا! والوزير مسئول عن الدعوة والإرشاد قبل الأوقاف، ولكنه وظف نفسه محاربا للفساد المالى والإرهاب لدى أمريكا تمشيا مع صفقة القرن، مع أن أمريكا هي أكبر دولة تدعو للتنصير فى العالم، وتصرف عليه مليارات الدولارات، فما المانع أن تتطور أنت يا وزير الإرشاد وتدعو لدينك الإسلامى كما تفعل أمريكا؟ لقد أغلقوا محطات طيبة لأنها كانت تشرح الإسلام بلغات دول أفريقيا المجاورة مع أن إذاعات التنصير بالآلاف تبث بكل اللغات من أمريكا وغيرها!
لقد حارب قرنق بدعم أمريكا حكومة الصادق المنتخبة إلى أن حدث انقلاب البشير الذى أيدته أولا أمريكا ظنا منها أن البشير عسكرى علمانى، ثم حارب قرنق جيش السودان إلى أن انتصر عليه جيشنا بقيادة البشير، وعندها قالت له أمريكا: لقد فشلت فى فرض العلمانية بالحرب، اذهب فاوض البشير واتفق معه واحكم معه كنائب له إلى أن نجد خطة أخرى لإفشال المشروع الإسلامى فى السودان، والغريب أن الشيوعيين واليساريين الذين كانوا وقتها مع قرنق يحرضونه على العالمانية رضوا بالفتات الذى ألقى لهم ونسوا موضوع العالمانية وطردوا أعمامنا الصادق و المرغنى الذين كانوا يحاربون معهم البشير من كل الوزرات؛ باعتبار أنهم متأسلمون طائفيون رجعيون صنايع أمريكا وانجلترا؛ وذلك تصنيف الشيوعيين منذ عهد حكومات ما بعد الاستقلال وفقا لتصنيف الاتحاد السوفيتي العظيم وقتها.
ولكن الشيوعيين التقدميين وقتها انفردوا بالمناصب مع الكيزان، وجاءوا وقعدوا وزرا تحت البشير وكان معهم مسلم شمالى موجود الآن لعله فى انتظار منصب وهو من تمسك وقتها بأن لا تفتتح مكاتبات جمهورية السودان الرسمية بالبسلمة (لأن السودان ليس كله مسلمين)! هذا الكلام الذي لم يطالب به قرنق ولا أكول ولا مشار، المهم أنه مسلم عالمانى مثل الحلو وعبد الواحد ولازم يقول أي شيء يبرر نضاله ضد الإسلام.
ولعل الجيش الآن قد لاحظ أن الحلو وعبد الواحد قد خافوا أن يفوتهم مولد سلام جوبا بعد أن رأوا رفقاء تمردهم ممن كانوا يرددون بلا فهم أنهم عالمانيون قد اتخذوا مواقعهم فى رأس الدولة وحققوا أحلامهم الشخصية، فرموا لهم بجزرة أشهى من جزرة أمريكا وقالوا لهم: قولوا ما تريدون الآن، فقط دعكم من الاختباء وراء أمريكا وادعاء المظلومية. تعالوا اجلسوا مع من سبقكم ممن وقعوا سلام جوبا، فإن عالمانية الدولة سيحددها برلمان الشعب المسلم قريبا، وليزداد عدد رؤوس الدولة عددا من الرؤوس الأخرى التى لم تعرف غير أن تلجأ لأمريكا كمعارضة ضارة ضد أى حكومة سودانية وطنية جادة.

بعد أن رضخ قرنق وأتى حاكما بمحرضيه الشيوعيبن للخرطوم التى ظلت ومازالت وستظل تطبق الشريعة، رأت أمريكا أن الإسلام سينتقل إلى الدول الإفريقية المجاورة للجنوب إذا استمر الاستقرار لأن تيار الإسلاميين كان هو الأقوى؛ فقررت أمريكا فصل الجنوب، وأتوا بالعالم كله وأشهدوه علي فصل الجنوب، وسموا البشير وقتها رجل السلام، وقالوا إن على عثمان، وزير خارجية البشير وقتها، مرشح لجائزة نوبل، ثم أقاموا احتفالات عاطفية فى جوبا، ووعدوا الجنوبيين بتحويلهم لولاية أمريكية مرفهة وذهب سلفاكير بعد ذلك بيومين لإسرائيل، وفورا بعد عودته دارت حرب أهليه فى الجنوب إلى أن تدخل البشير لإيقافها؛ فاشادت به أمريكا كرئيس دولة السودان المنتخب عام 2015م، لكن عندما رفض البشير أن يصبح دكتاتورا مفضلا لأمريكا؛ أشعلت أمريكا الحرب مرة ثانية من جنوب كردفان ودارفور بنفس الشخصيات الشمالية المسلمة التى كانت مع قرنق تحت مسمى الحركة الشعبية (شمال) هذه المرة، وهم أنفسهم الذين كونت بهم أمريكا "قحت" بعد أن جمعتهم مرة أخرى وسموهم بدلا من متمردين بشركاء نضال معارضين، وضمتهم فنادق ومقاهى فى الغرب وضموا لهم عمنا المتخصص فى النضال الصادق رحمه الله من مصر ومسلحين فى دول الجوار وأدار سفير أمريكا اعتصام القيادة يعاونه سفير بريطانيا الذى أتى بفولكر ليواصل موضوع صرف السودانيين عن الاستقرار والإنتاج، و منع نشر الوعى فى مواطنى المناطق (المهشمة) حتى تستمر شركات الصهاينة فى سرقة ثروات تلك المناطق النائية.
المهم نعود لموضوع قرنق، فلقد كنت قد سمعت قبل عقدين من فم دكتور اقتصاد سعودى، قال إنه كان قد حضر للدكتوراه فى نفس الجامعة التى درس فيها قرنق كمبعوث من جيش السودان وقتها فى أمريكا. مضيفا: كنا نشعر بأن قرنق يعد من قبل الأمركان لدور ما فى السودان لأنهم كانوا يقيمون له ندوات كل فترة فيتحدث فيها عن السودان وأفريقيا؛ فلما تمرد قرنق فى أوائل الثمانينات عرفنا السبب، هذا ما قاله الدكتور السعودى فور تمرد قرنق. إذا ما الفرق بين قرنق وأى مناضل تسبب فى قتل الآف من شباب السودان بدعوى النضال من أجل حقوق (الهامش) و بين أى مناضل أتى الآن ليتمتع بامتيازات مجلس السيادة أو الوزارء أو سيأتى لاحقا بعد مباحثات سلام وسيطها الأمريكى بيزلى( مسئول برنامج الغذاء العالمى)، فما هى علاقة الغذاء العالمى بالسياسة فى السودان؟ وهل قام بيزلى بتعليم بسطاء كاودا زراعة القمح أو الذرة ؟ وهل قال لهم بكم يبيع هو جرام الذهب فى أوربا؟
ختاما، هل عرف شباب السودان تاريخ بلادهم الحديث وملابسات ثورتهم؟ ماذا أمامهم غير أن يقوموا بانتخابات الآن قبل غدا بلا تعطيل بحجج عودة نازحين وتعداد سكانى وغيره. فى كل دول العالم لا يذهب للانتخابات أكثر من 20 فى المئه من الشعب حتى فى امريكا، فكم عدد النازخين بالنسبة لتعداد السكان؟ ولماذ لا يتم تحقيق الاستقرار الآن ليلحقوا هم بالانتخابات القادمة؟
ما هو البديل عن انتخابات مبكرة ليعرف الشعب من الذى يحكمه؟ وإلى متى سننتظر؟ والغريب أن قادة منظمة "قحت" يقولون: لو أقمنا انتخابات الآن، فسيفوز بها الكيزان! حسنا لو أن الشعب اختارالكيزان، لماذا لا يحكمون؟ وهل أنتم اوصياء على شعب جاهل؟ كمثل المواطن الذى سأل أحد قادة لجنة إزالة التمكين: ماذا فعلتم من أجلنا؟ قال له: أزلنا الكيزان وفسادهم. فقال له: حسنا لماذا زادت المعاناة المعيشية والفقر بعدهم؟ وأين الأموال التى قلتم إنها كانت تضيع فى الفساد؟ فقال له عضو اللجنة: لأن الكيزان مازلوا يحكمون البلد بالدولة العميقة؟!
هل علم جيل شباب الثورة الآن أن بلادنا يضيع وقتها عدد محدد من العواجيز الذين كانوا شبابا بعد الاستقلال فمات بعضهم ومازال بعضهم توظفه أمريكا وبريطانيا حتى الآن لتعطيل الإنتاج فى بلادنا وتضليل الشباب تحت شعارات الثورات والحريات الفوضوية وعدالة أمريكا المدعاة؟ من كان منكم يعرف د.حمدوك، وما دوره فى الثورة؟ ومن عينه؟ ولماذا لم يتول الحكم أحد قادة الثورة؟!
…………………..
* مهندس وسياسي سودانى

Facebook Comments