تصاعد إضراب عمال وعاملات شركة «وبريات سمنود» للغزل والنسيج بمحافظة الغربية ، وسط استمرار أزمة تأخر الأجور وتجزئتها، وغياب مفاوضات جادة بين إدارة الشركة والعاملين، بحسب ما وثقته المفوضية المصرية للحقوق والحريات.
وكان العمال قد دخلوا بإضرابهم يوم الخميس 17 سبتمبر، احتجاجًا على ما يقولون "إنه تكرار لتأخير مستحقاتهم المالية، وعدم صرف الجزء الثاني من الأجور في مواعيده، إلى جانب توقف العلاوة الدورية منذ ثلاث سنوات، وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، فضلًا عن أزمة الاشتراكات التأمينية ووقف خدمات التأمين الصحي عن مئات العاملين".
وتقول المفوضية: "إن الأزمة لا تقتصر على الجانب المالي، وإنما تمتد إلى حقوق أساسية مرتبطة بالأجر والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، محذرة في الوقت نفسه من تحميل العمال والعاملات كلفة التعثر وسوء الإدارة".
مدير الشركة يغادر.. والعمال ينتظرون التفاوض
بحسب رواية المفوضية، تجمع العمال صباحًا وتوجهوا إلى مكتب مدير الشركة لعرض مطالبهم، إلا أن المدير غادر المكان دون عقد لقاء معهم، ليبقى العمال في فناء الشركة لبعض الوقت احتجاجًا، دون أن تبادر الإدارة إلى فتح قناة تفاوض معهم.
وترى المفوضية أن مغادرة المسؤول الإداري دون الاستماع إلى مطالب العمال، بالتزامن مع استمرار تأخر مستحقاتهم، لا تمثل معالجة للأزمة، وإنما تزيد من حالة الاحتقان داخل الشركة.
وكانت الإدارة قد صرفت، وفقًا للمفوضية، مبلغ 900 جنيه فقط لكل عامل من الجزء الثاني من الأجر، الذي يبلغ نحو 3500 جنيه، بما يعادل قرابة ربع المستحق، بينما لا يزال الجزء المتبقي غير مصروف مع اقتراب نهاية الشهر.
ويثير ذلك مخاوف العمال من انتقال أزمة التأخير إلى أجر الشهر الجديد، خصوصًا في ظل تراكم الالتزامات الأسرية والمعيشية.
900 جنيه في مواجهة أعباء الأسر
خلف الأرقام الخاصة بالأجور المتأخرة، تظهر آثار الأزمة على حياة العمال وأسرهم. وتنقل المفوضية عن العاملين حالة من الانهيار والبكاء بين بعضهم، نتيجة عدم قدرتهم على الوفاء بالاحتياجات الأساسية لأسرهم، بالتزامن مع مصروفات العام الدراسي وغيرها من الالتزامات اليومية.
وبالنسبة إلى العاملات، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا، إذ يتجاوز عدد النساء العاملات في الشركة 400 عاملة، وفقًا للمفوضية، وبينهن عاملات يعُلن أسرهن ويتحملن منفردات نفقات الأبناء والاحتياجات المنزلية.
ومن ثم، فإن تأخير الأجور أو صرفها على دفعات لا يمثل، بالنسبة إلى هؤلاء العاملات، مجرد أزمة في موعد استحقاق الراتب، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأسر على توفير الغذاء والتعليم والعلاج والاحتياجات الأساسية.
وتشير المفوضية إلى أن المادة 11 من الدستور المصري تنص على حماية المرأة المعيلة، كما تستند في مطالبها إلى الالتزامات المتعلقة بحقوق المرأة في العمل والأجر والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.
أزمة أجر تتجاوز حدود التأخير
ويقول العمال: "إن مطالبهم لا تتعلق فقط بصرف الأجور المتأخرة، وإنما تمتد إلى مجموعة من المشكلات المتراكمة داخل الشركة".
وبحسب ما أوردته المفوضية، يطالب نحو 450 عاملًا وعاملة بالحصول على كامل مستحقاتهم المالية، إلى جانب تطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه، وصرف العلاوة الدورية المتوقفة منذ ثلاث سنوات.
كما تشير إلى أن أجور بعض العاملين بعقود مؤقتة تتراوح بين 3 و5 آلاف جنيه، وهو ما يضع هؤلاء العمال في مواجهة ضغوط معيشية إضافية.
ولا تتوقف الأزمة عند الأجور، إذ تتحدث المفوضية عن خصم اشتراكات التأمينات الاجتماعية من العاملين دون توريدها، في ظل مديونيات تقول إنها تتجاوز 15 مليون جنيه، فضلًا عن وقف خدمات التأمين الصحي لنحو 500 عامل.
وتجعل هذه الأوضاع من الإضراب، بحسب رواية العمال، تعبيرًا عن تراكم مشكلات تتعلق بالأجر والتأمين والرعاية الصحية، وليس احتجاجًا على واقعة منفردة.
تمويلات لإعادة الهيكلة.. والعمال لا يرون أثرها
تتزامن الأزمة الحالية مع إعلان بنك الاستثمار القومي نجاح خطة لإعادة هيكلة الشركة، تضمنت، بحسب ما أوردته المفوضية، ضخ تمويلات تتجاوز 74 مليون جنيه ومضاعفة الأجور.
غير أن العمال يقولون: "إن هذه الإجراءات لم تنعكس بصورة ملموسة على أوضاعهم المالية أو على خطوط الإنتاج، وهو ما يثير تساؤلات حول مسار الأموال التي تم ضخها وأوجه إنفاقها، ومدى انعكاس خطط إعادة الهيكلة على حقوق العاملين".
ومن هنا تطالب المفوضية بفتح تحقيق فني ومالي مستقل في أوجه إنفاق التمويلات التي أعلن عنها البنك، وإعلان نتائج التحقيق أمام العاملين والرأي العام.
غياب التأمين الصحي يزيد هشاشة العمال
تمثل أزمة التأمين الصحي أحد أكثر جوانب النزاع حساسية، خصوصًا بالنسبة للعاملين الذين يعتمدون على الخدمة الصحية المرتبطة بالعمل في الحصول على العلاج والرعاية الطبية.
وتقول المفوضية: "إن خدمات التأمين الصحي متوقفة عن نحو 500 عامل، بالتزامن مع الحديث عن خصم اشتراكات تأمينية من العاملين دون توريدها".
وترى المنظمة أن الجمع بين تأخر الأجور واضطراب الوضع التأميني ووقف الخدمات الصحية يضاعف المخاطر الاجتماعية التي يتحملها العمال، ويجعل الأزمة تتجاوز حدود الخلاف المالي بين الإدارة والعاملين.
المفوضية تحذر من تحويل الإضراب إلى أزمة أمنية
وتحذر المفوضية المصرية للحقوق والحريات من مواجهة العمال المضربين بالتهديد أو الفصل أو الجزاءات أو أي تدخلات أمنية بسبب احتجاجهم على أوضاعهم المالية والوظيفية.
كما تعتبر أن استمرار الإضراب هو نتيجة لتجاهل المطالب العمالية، وليس سببًا في تعطيل العمل، داعية إلى التعامل مع النزاع باعتباره أزمة عمالية تحتاج إلى التفاوض والتسوية، وليس إلى الضغط على المحتجين.
وتطالب المفوضية وزارة العمل بالتدخل الفوري للقيام بدورها في التفتيش والوساطة وتسوية النزاع الجماعي، والتحقق من المخالفات المتعلقة بالأجور والتأمينات، ومتابعة تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
كما دعت المجلس القومي للمرأة إلى متابعة أوضاع العاملات، خاصة المعيلات منهن، لضمان عدم تحول الأزمة المالية والإدارية في الشركة إلى عبء إضافي على النساء وأسرهن.
مطالب عمالية تتجاوز الأجر
وضعت المفوضية مجموعة من المطالب لإنهاء الأزمة، في مقدمتها صرف باقي مستحقات العاملين من الأجر المتأخر بصورة فورية، وضمان صرف أجر الشهر الجديد كاملًا وفي موعده.
وتشمل المطالب كذلك تطبيق الحد الأدنى للأجور على جميع العاملين، بمن فيهم العمالة المؤقتة، وصرف العلاوات الدورية المتوقفة، وتسوية الموقف التأميني وتوريد الاشتراكات والمتأخرات، وإعادة خدمات التأمين الصحي.
كما تطالب بفتح تحقيق مستقل في التمويلات التي جرى ضخها لإعادة هيكلة الشركة، إلى جانب ضمان عدم تعرض العمال المشاركين في الإضراب لأي إجراءات انتقامية أو تعسفية.
ويبقى جوهر الأزمة بالنسبة إلى العمال أبعد من مجرد الحصول على راتب متأخر؛ فهو يتعلق بالقدرة على تأمين احتياجات أسرهم، والحفاظ على حقهم في العلاج والضمان الاجتماعي، والعمل في ظروف توفر قدرًا من الاستقرار والكرامة.
ومع دخول الإضراب يومه الرابع، تبدو الحاجة إلى تدخل تفاوضي جاد أكثر إلحاحًا، في ظل استمرار الفجوة بين ما أعلنته الجهات المسؤولة عن إعادة هيكلة الشركة وتحسين أوضاعها، وبين ما يقول العمال إنهم يعيشونه فعليًا من تأخر في الأجور وتراجع في الخدمات الأساسية.