خلفيات من الضغط للتطبيع والاستغلال .. الجزائر تقطع علاقاتها مع أبوظبي مع تصاعد التوتر

- ‎فيعربي ودولي

قطعت الجزائر، الخميس 10 سبتمبر 2026، علاقاتها الدبلوماسية رسميًا مع الإمارات العربية المتحدة، بحسب ما أورده التلفزيون العمومي الجزائري، وقال التلفزيون: "إن القرار جاء بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، من دون أن يورد تفاصيل إضافية بشأن الأسباب المباشرة للقرار.

 

 ويأتي الإعلان، وفق المادة المرفقة، تتويجًا لمسار طويل من التوتر بين الجزائر وأبوظبي، بعدما كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت خلال فترات سابقة تعاونًا اقتصاديًا واستثماريًا، وتضع المادة في هذا السياق خطوة جزائرية اتُّخذت في فبراير 2026، تمثلت في بدء إجراءات إلغاء اتفاق النقل الجوي الموقّع بين البلدين في أبوظبي عام 2013، والمصادق عليه بمرسوم رئاسي جزائري في ديسمبر 2014.

 

 وتشير المادة إلى أن الجزائر لم تقدم حينها تفسيرًا رسميًا مفصلًا للخطوة، بينما شهدت الفترة السابقة تصاعدًا في الانتقادات الجزائرية للإمارات، بالتوازي مع تداول اتهامات في وسائل إعلام جزائرية بشأن تدخل أبوظبي في الشؤون الداخلية الجزائرية ومحاولات زعزعة الاستقرار الإقليمي.

وبعد إعلان الجزائر بفترة قصيرة، كتب أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات على إكس يقول: "العلاقات الدبلوماسية تدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح، لا بالألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فك الشفرات، ولا يمكن أن تكون رهينة احتقان داخلي أو عجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات".

 

وبحسب "رويترز"، لم يذكر قرقاش الجزائر بالاسم ولم يربط تعليقاته بما صدر من قرار لكنه قال في المنشور على إكس: "الغموض ليس سياسة والضجيج لا يعوض غياب الرؤية، والدبلوماسية الناجحة تقوم على وضوح المواقف وحسن إدارة المصالح والاختلافات، وما عدا ذلك ليس سوى تعبير عن قصور في الرؤية والإدارة".

موقع استراتيجي

واستعرضت منصات تحليلية قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات باعتباره نتيجة لمسار من الخلافات الجيوسياسية التي تصاعدت خلال السنوات الماضية، ويعتبر أن القرار كان متوقعًا في ضوء اتساع التباين بين البلدين حول ملفات النفوذ والأمن الإقليمي وفق صحيفة «لوموند»، كانت الإمارات محل انتقاد متكرر في الصحافة الجزائرية، ولا سيما خلال الفترة الأخيرة التي شهدت الحرائق في الجزائر.

ويتمثل جوهر الخلاف في صراع على النفوذ والأمن في المحيط الجنوبي للجزائر، فوفقًا للتقرير، تنظر الجزائر إلى توسع الحضور الإماراتي ودعم أبوظبي لقوى سياسية وعسكرية في ليبيا ومنطقة الساحل باعتباره تحركًا يمكن أن يضعف النفوذ الجزائري التقليدي في جواره المباشر ويزيد الضغوط على حدود البلاد، ويربط التقرير هذه النظرة كذلك بالعلاقات الوثيقة بين الإمارات والمغرب، وبالتقارب المغربي الإسرائيلي.

 

 وامتداد الحدود الجزائرية مع مالي لنحو 1300 كيلومتر، ومع النيجر لنحو 950 كيلومترًا، ومع ليبيا لنحو 980 كيلومترًا، ويشرح أن الجزائر اعتمدت لفترة طويلة على علاقاتها ووساطاتها مع المجتمعات والقوى المحلية في هذه المناطق للتأثير في النزاعات ومنع انتقال تداعياتها إلى الأراضي الجزائرية، وبالتالي فإن دخول قوى خارجية تدعم أطرافًا عسكرية وسياسية مستقلة عن التأثير الجزائري يمكن، أن يؤدي إلى تراجع قدرة الجزائر على إدارة أو التأثير في التطورات الواقعة بمحاذاة حدودها.

وتمدد الحضور الإماراتي في عدد من الساحات المتصلة جغرافيًا، فيذكر دعم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في السودان، ودعم خليفة حفتر في شرق ليبيا، إضافة إلى قرض بقيمة 460 مليون يورو لتشاد، وحضور بدرجات متفاوتة في مالي والنيجر وموريتانيا. ويعتبر التقرير أن ما يثير القلق الجزائري ليس نشاط الإمارات في دولة واحدة، وإنما تزامن تحركاتها في عدد من المناطق المحيطة بالجزائر في الوقت نفسه.

 

 وتحتل ليبيا موقعًا محوريًا في هذه القراءة، إذ يقدمها التقرير باعتبارها المثال الأوضح على اقتراب النفوذ المدعوم إماراتيًا من المصالح الأمنية الجزائرية. ويشير إلى أن إعادة هيكلة أجهزة الاستخبارات الجزائرية أضعفت، بحسب ما يورده، بعض شبكات النفوذ الجزائرية في دول الجوار، خصوصًا لدى جماعات الطوارق «كل آجر» القريبة من الحدود الليبية، وفي المقابل، فأن فصيلًا مهمًا من هؤلاء الطوارق أصبح خاضعًا لسلطة خليفة حفتر، وأن عناصر منهم جرى تجنيدهم في «اللواء 128» العامل في منطقة فزان جنوب غربي ليبيا، وهو ما يقدمه التقرير باعتباره تحولًا في ميزان النفوذ داخل منطقة حدودية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الجزائر.

والعلاقة الإماراتية المغربية تزيد من حساسية الجزائر تجاه التحركات الإماراتية، فبحسب التقرير، ينافس المغرب الجزائر على النفوذ في منطقة الساحل، فيما يعمل على توثيق علاقاته مع السلطات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كما عرض المغرب عام 2023 إتاحة منفذ أطلسي للدول الأفريقية الحبيسة في الساحل. ويشير التقرير إلى أن المشروع لا يزال، حتى الآن، أقرب إلى الطرح منه إلى مشروع مكتمل التنفيذ.

التطبيع والضغط الإماراتي

صحيفة «لوسوار دالجيري» في ديسمبر 2023، اتهمت الإمارات بأداء دور يضر بالمصالح الجزائرية لمصلحة المغرب، ويضع التقرير هذه القراءة ضمن تصور أوسع يرى أن النفوذ الإماراتي في منطقة الساحل يمكن أن يتحول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى عامل يعزز موقع الرباط في المنافسة الإقليمية مع الجزائر.

وقالت: "إن تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية في أواخر عام 2020 أدى إلى زيادة حدة التوتر الجزائري المغربي، وإن الصحافة الجزائرية ربطت بين التحركات الإماراتية والمصالح الإسرائيلية، استنادًا إلى العلاقة التي تجمع أبوظبي والرباط ضمن إطار اتفاقات أبراهام"، ومن ثم، يعرض التقرير الحضور الإماراتي في محيط الجزائر باعتباره جزءًا من تقارب بين أطراف ترى الجزائر أن تحركاتها تمس مصالحها الأمنية والاستراتيجية.

 

 ولا يحصر التقرير أسباب اتساع الدور الإماراتي في تحركات أبوظبي وحدها، بل يشير كذلك إلى تغير البيئة السياسية في دول الساحل نفسها، فبعد خروج القوات الفرنسية، بدأت الأنظمة العسكرية الجديدة، في إعادة النظر ليس فقط في النفوذ الفرنسي وإنما أحيانًا في الدور الجزائري أيضًا، وقرار مالي إلغاء اتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015، أدى إلى فقدان الجزائر إحدى أدوات حضورها الدبلوماسي المهمة في المنطقة.

وفي ظل هذا الفراغ، يذكر التقرير أن الإمارات وتركيا والمغرب عملت على تطوير علاقاتها مع السلطات العسكرية الجديدة في منطقة الساحل، التي أصبحت تبحث عن شركاء وداعمين جدد بعد تراجع النفوذ الفرنسي، والتحول في موازين القوى الإقليمية أتاح لأبوظبي مساحة أكبر للحركة بالقرب من المجال الحيوي الجزائري.

وفي مواجهة هذه التطورات، يشير التقرير إلى أن الجزائر اتجهت إلى تعزيز حماية حدودها وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية، ويذكر أن مخصصات الجيش الجزائري لعام 2025 ارتفعت إلى ما يعادل 23.8 مليار يورو، أي نحو ضعفين ونصف مستواها في عام 2022، وأن الإنفاق العسكري أصبح يمثل نحو 20% من الميزانية الوطنية، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

https://x.com/political0s/status/2098013145314869505

عدا دولة واحدة

 وفي أكتوبر 2025، كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد وصف علاقات بلاده مع دول الخليج بأنها «أخوية» باستثناء دولة واحدة، في إشارة فُهمت على نطاق واسع بأنها للإمارات، واتهم الدولة التي لم يسمّها بالتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية والسعي إلى زعزعة استقرار البلاد.

 

 وتعيد المادة المرفقة إلى الواجهة أيضًا أزمة سابقة تعود إلى يونيو 2022، عندما تصاعدت على مواقع التواصل ووسائل إعلام جزائرية أنباء عن طلب الجزائر من السفير الإماراتي مغادرة البلاد، على خلفية مزاعم بشأن توقيف أربعة أشخاص قيل إنهم جواسيس إماراتيون يعملون لصالح جهاز الموساد، غير أن وزارة الخارجية الجزائرية نفت رسميًا تلك الأنباء في 21 يونيو، ووصفتها بأنها «غير صحيحة ولا أساس لها من الصحة»، مؤكدة استمرار العلاقات الودية والمتينة بين البلدين.

 

 وتزامن ذلك مع قرار الرئيس عبد المجيد تبون إنهاء مهام وزير الاتصال محمد بوسليماني وتكليف الأمينة العامة للوزارة بتسيير شؤونها بالنيابة، من دون إعلان الرئاسة آنذاك أسباب الإقالة، وتذكر المادة أن خبر إقالة الوزير جاء بعد فترة وجيزة من تداول صحيفة «النهار» الجزائرية خبرًا عن طرد السفير الإماراتي، قبل أن تحذف الصحيفة الخبر من صفحاتها الرسمية.

 

 وفي السياق ذاته، تنقل المادة عن حسابات ونشطاء على مواقع التواصل روايات مختلفة لتفسير أحداث يونيو 2022، ومن بين ما أوردته ما نسبته إلى الناشط الإعلامي الجزائري أحمد داوود، من وصف العلاقات الجزائرية الإماراتية بأنها «متوترة جداً». كما تنقل عن الصحفي المغربي هرباز نبيل، عبر روايات واتهامات تتعلق بملفات لمسؤولين جزائريين في الإمارات.

 

 وحديث عن تجسس إماراتي على الجزائر، ويربط ذلك بالتعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين، وتورد كذلك رأيًا للمفكر الجزائري محمد العربي زيتوت، عبر حسابه @mohamedzitout، اعتبر فيه الأزمة آنذاك واحدة من تجليات صراع الأجنحة بين الجنرالات، وربط بين خبر طرد السفير الذي نشرته «النهار» ثم سُحب، وإقالة وزير الاتصال.

 

 تسلسل من الأحداث التي وقعت في الجزائر خلال فترة قصيرة في يونيو 2022، فتذكر استقبال الرئيس تبون لأمير قطر السابق، ثم تداول خبر طرد السفير الإماراتي، ثم الهجوم على مقر إقامة السفير الجزائري في الخرطوم، وأخيرًا إقالة وزير الاتصال ضمن مجموعة أحداث قد تكون مرتبطة، مع الإشارة إلى أن الارتباط بينها كان محل تحليلات وتكهنات في حينه.

 

 أما فيما يتعلق بالدور الإماراتي في أفريقيا ومنطقة الساحل، فتشير تقارير وتحليلات تناولت تدخلات إماراتية محتملة في عدد من الدول الأفريقية، لكنها تذكر في الوقت نفسه عدم وجود تقارير موثقة، وفق ما ورد فيها، تثبت تورطًا إماراتيًا مباشرًا في دعم جماعات جهادية في نيجيريا أو منطقة جنوب الصحراء، كما تشير إلى أن الجزائر لم تعلن رسميًا إثبات مثل هذا التورط.

 

 وتضع المادة ذلك في إطار أوسع من التوتر الجزائري بشأن الوجود والتدخلات الأجنبية في منطقة الساحل والصحراء، ولا سيما التطورات المرتبطة بليبيا ومالي والنيجر، مع الإشارة إلى أن تقارير إعلامية جزائرية في عام 2021 تحدثت عن احتمال ضلوع الإمارات في دعم مجموعات مسلحة في منطقة الساحل، من دون أن يصدر، بيان حكومي جزائري يثبت ذلك.

 

 وبذلك يربط التقرير بين إعلان الجزائر في 10 سبتمبر 2026 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات وبين سلسلة من التوترات السياسية والدبلوماسية التي تصاعدت خلال السنوات السابقة، مع استحضار أزمة يونيو 2022 وما صاحبها من أخبار نُفي بعضها رسميًا، إلى جانب تصريحات ومواقف لنشطاء وإعلاميين تناولوا طبيعة العلاقة بين البلدين وتفسيراتهم لأسباب التوتر. ويظل الإعلان الرسمي الصادر اليوم هو الواقعة الجديدة الأساسية، بينما تمثل بقية الوقائع والتعليقات الواردة في المادة خلفية زمنية وتحليلية لمسار العلاقة.