السيسي “رجل الخرسانة”.. فجأة “تخضّير القاهرة” ومؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة التصحر

- ‎فيتقارير

لم يُعرف المنقلب عبدالفتاح السيسي خلال سنوات من انقلابه باعتباره؛ جعل حماية الأشجار والمساحات الخضراء أولوية في مشروعات التطوير العمراني، بل ارتبطت عهده بصورة توسع هائلة في الطرق والكباري والمحاور والإنشاءات الخرسانية، كثير منها أُنجز على حساب مساحات خضراء وأشجار قائمة، لذلك أثار قرار اختيار مصر لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2028، بالتزامن مع اعلان السيسي تبنّي مشروع لـ"تخضير القاهرة".

 

وأثارت  موجة من التساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي حول العلاقة بين الحدثين، خصوصًا في ظل الجدل المتصاعد خلال الأسابيع الأخيرة بشأن إزالة الأشجار والمساحات الخضراء في القاهرة والجيزة.

ولهذا تبدو عبارة «السيسي يوجه بتخضير القاهرة» غريبة على الأقل من زاوية سجل السنوات الماضية.

 

فالحديث ليس عن زراعة شجرة أو إطلاق حملة تشجير جديدة، وإنما عمن ارتبط اسمه بمشروعات عمرانية ضخمة أعادت رسم القاهرة ومدن أخرى بالخرسانة والأسفلت والمحاور المرورية، بينما كان السؤال المتكرر من المواطنين والمهتمين بالبيئة: ماذا عن الأشجار التي تقف في طريق هذه المشروعات؟ لاسيما وأن الشجرة المعمرة ليست رقمًا في كشف حساب.

وبحسب الإعلان المتعلق باستضافة المؤتمر، اعتمدت الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر بالإجماع استضافة مصر للدورة الثامنة عشرة عام 2028.

وبعد أيام قليلة، صدر قرار بتبنّي مشروع لتخضير القاهرة وتحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء.

وهنا ظهرت قراءة سياسية وإعلامية تقول: "هل يمثل توقيت التوجيه استجابة للانتقادات المتصاعدة بشأن الأشجار، أم أن استضافة مؤتمر دولي متخصص في مكافحة التصحر وتدهور الأراضي أعطت الملف البيئي أهمية إضافية لدى الدولة؟".

لا توجد، حتى الآن، إشارة رسمية تقول إن استضافة مؤتمر 2028 هي السبب المباشر وراء توجيه «تخضير القاهرة»، ولذلك ينبغي التمييز بين الوقائع المعلنة وبين قراءة المنتقدين للتوقيت.

 

مهم.. لكنه مخادع

 

 الكاتب والباحث مصطفى الأعصر @MostafaAlasar نشر تعليقًا مطولًا على إعلان تخضير القاهرة، بدأه بالقول: أبرز خبر النهارده ويمكن الأهم في الشأن المصري"، لكنه رأى أن طريقة تقديم الخبر قد توحي بأن السيسي غير راضٍ عن أداء الحكومة أو أنه لم يكن على علم بما يحدث من إزالة للأشجار والمساحات الخضراء.

ويربط الأعصر ذلك بما يصفه بأنه سنوات من تجريف المناطق الخضراء، وإزالة الأشجار، والتوسع في الكتل الخرسانية والمطاعم والكافيهات والمشروعات المختلفة.

 

 ثم يطرح سؤالًا مركزيًا: "..إذا كانت الدولة قد أدركت الآن أهمية الأشجار والبيئة، فلماذا لم يحدث ذلك طوال السنوات السابقة؟".

ويضيف، أن بإمكانه التغاضي عن الجدل السابق، إذا كان هناك بالفعل تغيير في سياسة الدولة تجاه البيئة، لكنه يشكك في مدى استمرارية هذا التغيير، مستندًا إلى تجارب سابقة لمشروعات قومية كبرى.

 

https://x.com/MostafaAlasar/status/2096696522633105829/photo/1

ويستند الأعصر في جزء من منشوره إلى الصورة الخاصة بمشروع المليون ونصف المليون فدان، موضحًا أنها من موقع رئاسة الجمهورية، كما يشير إلى صورة حسني مبارك خلال إحدى زيارات مشروع توشكى.

وجوهر انتقاد الأعصر لا يتعلق بالشجرة وحدها، وإنما بطريقة إدارة المشروعات العامة. فهو يقارن بين التوجيهات الحالية الخاصة بالتخضير وبين مشروعات زراعية كبرى مثل مشروع المليون ونصف المليون فدان، ثم يستحضر تجربة توشكى، ليصل إلى فكرة أساسية مفادها أن المشكلة ليست في الإعلان عن مشروع ضخم، وإنما في:

يقول "الأعصر": "خلينا نفتكر أول هدفين من المشروع مُعلن عنهم على موقع الرئاسة: 

– إنشاء ريف مصري جديد وعصري، تكون نواته سلسلة من القرى النموذجية تعالج مشكلات الماضي وتستثمر مقومات الحاضر.

– زيادة الرقعة الزراعية من 8 ملايين فدان إلى 9.5 ملايين فدان بنسبة زيادة 20٪.

نرجع للماضي، لما مبارك في 1997، وحكومة الجنزوري، قرروا يبدأوا مشروع توشكى، واللي كذلك يبدو إنه كان بلا أي دراسات جدوى، لكن بروباجندا عن المشاريع القومية اللي هتنقذ مصر من التصحر.. عشان بعد 13 سنة تقريبًا يُعلن بشكل رسمي فشل المشروع، وخسارة مصر لمليارات الجنيهات."

https://x.com/MostafaAlasar/status/2096696522633105829/photo/1

انقلاب في خطاب الأشجار

أما حساب "الموقف المصري" @AlmasryAlmowqef، فيطرح المسألة بصورة أكثر مباشرة من زاوية تزامن الأحداث، ويلفت الحساب إلى أن موجة الجدل الأخيرة بشأن الأشجار بدأت مع أعمال التطوير في شارع جامعة الدول العربية وأحياء الدقي والعجوزة، مع إزالة أشجار كبيرة ومعمرة، بحسب ما أورده في منشوره.

ويشير "الموقف المصري" إلى أن قرار الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر باختيار مصر لاستضافة مؤتمر 2028 صدر في 30 أغسطس، ثم جاء بعد ذلك قرار وزارة التنمية المحلية بحصر الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية وتعويضها، ثم جاء اجتماع السيسي وتوجيهه بمشروع "تخضير القاهرة".

ومن هنا يطرح الحساب تساؤلًا حول ما إذا كان التوقيت الدولي المرتبط بمؤتمر مكافحة التصحر قد ساهم في دفع الحكومة إلى تغيير خطابها تجاه الأشجار والمساحات الخضراء.

https://x.com/AlmasryAlmowqef/status/2096614620488167881

ولا يقول الطرح "إن هناك وثيقة رسمية تثبت أن مؤتمر 2028 هو سبب القرار ولكن ترتيب الأحداث هو الذي يُستخدم كقرينة سياسية في التحليل":

30 أغسطس: اختيار مصر لاستضافة مؤتمر مكافحة التصحر 2028،  بعد ذلك: تحرك حكومي لحصر الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية والتعهد بالتعويض.

5 سبتمبر: اجتماع رئاسي يضم مسؤولين معنيين بملفات القاهرة والتخطيط والهيئة الهندسية، يتبعه توجيه بتبنّي مشروع «تخضير القاهرة».

 

 ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه المنتقدون: هل استضافة مؤتمر مكافحة التصحر جعلت صورة مصر البيئية وملف التشجير أكثر حساسية على المستوى الدولي؟

حساب @KarimOsman\_1 كتب تعليقًا يربط بين توقيت تصاعد الاهتمام الإعلامي بملف الأشجار وبين إعلان استضافة مصر مؤتمر التصحر.

 

 وجاء في التعليق: "شايف أن الإعلام قرر يركز في القصة دي أول ما اختاروا مصر تستضيف مؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام ٢٠٢٨".

ولا يتحدث فقط عن قرار التخضير، وإنما عن التحول في حجم الاهتمام الإعلامي والسياسي بملف الأشجار بعد الإعلان عن استضافة المؤتمر.

 

وسخرت رضوى @RadwaZaad: بعد أن ربطت بين إعلان استضافة مصر مؤتمر التصحر وبين ظهور قيادات ومسؤولين في حملات زراعة الأشجار.

 

 وكتبت: "مصر فازت باستضافة "مؤتمر التصحر".. فتلاقي كل قيادات القسم نزلت تزرع شجر بدل اللي اتشال".

 https://x.com/RadwaZaad/status/2096576678289899612

آخر العمليات كانت تدمير الغطاء الشجري للدقي والعجوزة وشارع جامعة الدول العربية

ووفقا لدراسات وتقارير، تبين فقدان مصر أكثر من 4 ملايين متر مربع من الغطاء الشجري خلال 10 سنوات فقط ما بين 2014 و2023، وكان نصيب القاهرة لوحدها 911 ألف متر مربع من المساحات الخضراء في 3 سنوات فقط بين 2017 و2020.

وتناقص نصيب الفرد في القاهرة من المساحات الخضراء إلى أقل من متر إلا ربع في 2020، أما دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية فقالت أن نصيب الفرد من الأشجار في مصر في 2022 بلغ شجرة واحدة لكل مواطن، بينما قالت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2020 واللي بيقول إنه نصيب الفرد من المساحات الخضراء في المحافظات المصرية 17 سنتيمتر فقط.

وسياسات الحكومات في العهد الحالي في تقطيع الأشجار ليس استثناءً لما نشوف أنه بين 2001 و2023 فقدت مصر أكثر من 4470 فدانا من الأشجار بنسبة انخفاض 1.2% من المساحة الشجرية، بينما يقدر مركز حلول للسياسات البديلة نسبة تراجع الغطاء الشجري من 143 هكتار في 2010 إلى 35 ألفا فقط في 2023.