مشروع “أبيدوس 2” بأسوان.. حقوقيون: خداع للعمال وتعريضهم لخطر الموت بلا تعويض

- ‎فيتقارير

أزمة جديدة بمحطة أبيدوس 2 للطاقة الشمسية في أسوان، تعود خلفيتها إلى ما قبل تاريخ 20 مايو، حيث نظم العمال وقفة احتجاجية جماعية سلمية للمطالبة بقرارات عاجلة تحميهم من شمس الصعيد الحارقة. تلخصت مطالبهم في:

تعديل ساعات العمل الرسمية لتصبح من السادسة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، بدلاً من الجدول القائم من السابعة صباحاً حتى الثالثة عصراً، وذلك بهدف تجنب ساعات الذروة الحرارية في موقع مكشوف بالكامل.

رفع الأجر اليومي من 225 جنيهاً مصرياً إلى 500 جنيه لمواجهة مشقة العمل وغلاء المعيشة.

تحسين بيئة العمل وتوفير كميات كافية من مياه الشرب، وتأمين عيادة طبية مجهزة للتعامل مع حالات الطوارئ والإصابات داخل الموقع.

في وقت، يُصنف فيه مشروع "أبيدوس" (Abydos) كأحد أكبر مشروعات الطاقة المتجددة في مصر وإفريقيا، وينقسم إلى مراحل متعددة (منها أبيدوس 1 وأبيدوس 2)، وهو مخصص لإنتاج الكهرباء من الخلايا الفوتوفولتية النظيفة.

وتبلغ القدرة الإجمالية المستهدفة للمحطة نحو 1000 ميجاوات، مدعومة بنظام متطور لتخزين الطاقة عبر البطاريات بقدرة تصل إلى 600 ميجاوات/ساعة، بهدف دعم الشبكة القومية الموحدة للكهرباء في مصر،

إلا أن الرصد الحقوقي أشار إلى ظروف العمالة في مشروعات الطاقة الكبرى (مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان في بداياته)، ركزت تلك التقارير على غياب منظومات الإسعاف الأولي السريعة داخل المواقع النائية، وتأخر الاستجابة الطبية عند حدوث ضربات الشمس أو الإصابات الإنشائية، بالإضافة إلى ضعف التعويضات الممنوحة لأسر عمال اليومية في حالات الوفاة أو العجز الجزئي.

وتنص "معايير الأداء" (Performance Standards) الخاصة بالجهات المانحة الدولية على وجوب التزام الشركات المقترضة بتوفير بيئة عمل عادلة وآمنة (المعيار رقم 2 المتعلق بالعمالة وظروف العمل).

تُلزم هذه التقارير المطورين بإنشاء آلية لتلقي شكاوى العمال (Grievance Mechanism) ومراقبة مقاولي الباطن، وتعتبر التقارير الحقوقية المستقلة أن الفجوة تكمن دائماً في آليات التفتيش الفعلي على الأرض ومدى مطابقتها للتقارير الورقية المرفوعة للجهات المانحة.

ويقع المشروع في منطقة "كوم أمبو" بمحافظة أسوان (جنوب مصر)، وهي منطقة تتميز بأعلى معدلات سطوع شمسي، ولكنها تعاني في الوقت نفسه من درجات حرارة قياسية تتجاوز 45°C خلال فصل الصيف.

ويتبع المشروع لشركة "إيميا باور" (AMEA Power) الإماراتية بالشراكة مع شركة "كيودن إنترناشونال" (Kyuden International) اليابانية. يحظى المشروع بحزمة تمويلية دولية ضخمة تبلغ قيمتها تقريباً 571.8 مليون دولار، بقيادة مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة لمجموعة البنك الدولي، ومشاركة جهات تنموية أوروبية وآسيوية.

حجم العمالة وطبيعة التعاقدات

ويُقدر حجم العمالة الإجمالية في المراحل الإنشائية الذروية للمشروع بين 1500 إلى 2500 عامل والفنيين. تنقسم هذه العمالة إلى مهندسين وإداريين معينين بشكل دائم، والكتلة الأكبر المتمثلة في عمال الإنشاءات، الحفر، وتركيب الألواح.

وتعتمد الشركات المطورة للمشروع على شبكة واسعة من "مقاولي الباطن" المحليين لتوفير العمالة اليدوية. هذا النمط يؤدي غالباً إلى تشغيل نسبة كبرى من العمال بنظام "اليومية" أو الأجر المؤقت، مما يحرمهم من العقود المباشرة والتأمين الصحي الفعال، ويجعل رصد أعدادهم الدقيقة متغيراً بحسب مراحل التنفيذ اليومية.

وتناولت العديد من المنظمات الحقوقية المستقلة والتقارير النقابية ظروف العمل في قطاع الإنشاءات والطاقة المتجددة في المناطق الحارة، ومن أبرز هذه المعالجات:

ومن ذلك منظمة العمل الدولية (ILO)  التي أصدرت تقارير دورية تحذر فيها من أثر التغير المناخي على بيئة العمل، وتؤكد التقارير أن قطاع الإنشاءات في الشرق الأوسط وإفريقيا هو الأكثر عرضة للمخاطر، تضع المنظمة معايير محددة توجب حظر العمل تحت أشعة الشمس المباشرة في ساعات الذروة (غالباً من الساعة 11 صباحاً حتى 3 عصراً)، وتلزم الشركات بتوفير فترات راحة مظللة ومياه مبردة ومملحة لتعويض السوائل.

انتهاكات في المشروع

وفي تقرير ل"مركز النديم لحقوق الإنسان" و"المفوضية المصرية للحقوق والحريات"  @ECRF_ORG استعرضا الانتهاكات الجسيمة والتجاوزات القانونية التي تشهدها بيئة العمل في مشروع "أبيدوس 2" للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، يتمحور التقرير حول واقعة تراجع إدارة المشروع عن المواعيد الآمنة للعمل التي أقرتها بشكل مؤقت في أعقاب وفاة أحد العمال نتيجة الإجهاد الحراري الشديد. واعتبرت المفوضية هذا التراجع بمثابة تعريض واعٍ ومتعمد لحياة مئات العمال للخطر، متجاوزاً حدود الإهمال الإداري إلى مصاف الجرم الحقوقي والقانوني الذي يتطلب المساءلة الجنائية والرقابية.

أولاً: جذور الأزمة ووفاة العامل أحمد عبد المقصود

ورغم حضور ممثل عن مؤسسة التمويل الدولية (عضو مجموعة البنك الدولي) قبيل الواقعة بيوم واحد للاستماع إلى العمال ووعده بالتحرك، إلا أن الإدارة تباطأت في التنفيذ، وفي اليوم التالي مباشرة، ومع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، أصيب سبعة عمال بحالات إغماء حادة، بينما توفي العامل أحمد عبد المقصود إثر إصابته بإجهاد حراري قاتل، مما أثبت أن المطالب العمالية كانت دفاعاً عن الحق في الحياة وليست مجرد تحسين لشروط العمل.

ثانياً: الخداع العمالي والتحول من الإهمال إلى التعريض الواعي للخطر

 

يوضح التقرير الحقوقي أنه في أعقاب الوفاة وحالة الغضب العمالي العارم، اضطرت إدارة المشروع إلى الاستجابة الفورية وتعديل ساعات العمل لتجنيب العمال حرارة الشمس الحارقة، غير أن هذه الاستجابة لم تكن سوى مناورة وتهدئة مؤقتة؛ إذ سرعان ما عدلت الإدارة عن قرارها عقب إجازة العيد وأعادت العمال قسرياً إلى المواعيد القديمة والمميتة دون أي اعتبار لسلامتهم.

 

وترى المفوضية أن هذا السلوك ينقل الواقعة قانونياً من دائرة سوء التقدير أو الإهمال العابر إلى "دائرة التعريض الواعي لخطر جسيم ومعلوم"، فالإدارة عرفت الخطر يقيناً، ورأت نتائجه الكارثية المتمثلة في الوفاة والإصابات، وغيرت المواعيد بناءً على ذلك، ثم اختارت بكامل إرادتها إعادة العمال إلى نفس الظروف الخطرة، مما يفتح الباب واسعاً للمساءلة الجنائية المباشرة لإدارة الشركة والمسؤولين عنها.

ثالثاً: نظام "عمال اليومية" كأداة للتحايل والهروب من الحماية

 

يسلط التقرير الضوء على البنية الهيكلية للعمالة في المشروع، معتبراً أن الاعتماد على نظام "عمال اليومية" هو أحد الجذور الرئيسية للانتهاك. فالمشروع يعتمد على عمالة مؤقتة في أعمال إنشائية شاقة وخطرة تمتد لشهور داخل محطة ضخمة تبلغ قيمتها مئات الملايين، دون منحهم عقوداً مكتوبة أو تأميناً اجتماعياً وصحياً فعالاً.

 

هذا النمط يمثل تحايلاً صريحاً على جوهر قانون العمل المصري، الذي يعتد بعلاقة العمل الفعلية والمنتظمة بغض النظر عن المسمى الذي تطلقه الشركة. ويؤدي هذا الوضع إلى تحويل حياة العامل إلى "تكلفة هامشية" في حسابات الأرباح، وفي حال الوفاة، تُترك الأسرة دون عائل ودون أي حماية قانونية أو مسارات واضحة وجبر عادل للضرر والتعويض.