«المتحدة» مجلس جديد يفتح باب إعادة الهيكلة وتقليص الإمبراطورية الإعلامية

- ‎فيتقارير

تفتح التغييرات الواسعة التي شهدها مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية  الباب أمام مرحلة جديدة في واحدة من أكبر المنظومات الإعلامية التي توسعت سلطة الانقلاب العسكرى، في بنائها خلال السنوات الأخيرة، وسط مؤشرات على انتقال الأولوية من التوسع وبناء النفوذ الإعلامي إلى إعادة الهيكلة وضبط الإنفاق، وربما تقليص حجم النشاط.

وأعلنت «المتحدة» الأسبوع الماضي تشكيل مجلس إدارتها الجديد برئاسة سيف الوزيري، الذي يشغل أيضًا منصب العضو المنتدب، وضم المجلس المستشار محمود فوزي، والمنتج تامر مرسي، والرئيس التنفيذي للمصرف المتحد طارق فايد، والرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة المجموعة المالية هيرميس كريم علي عوض، ورئيسة مجلس إدارة منصة «ووتش إت» نشوى جاد، إلى جانب محمد يحيى لطفي وأحمد علي عبد الرحمن وشريف الخولي.

لكن اللافت في التشكيل الجديد أنه لا يقتصر على خروج أسماء ارتبطت بالمرحلة السابقة، وفي مقدمتها محمد السعدي، وإنما يمتد إلى طبيعة الشخصيات الجديدة، التي يغلب على خبراتها العمل القانوني والمالي والاستثماري وإدارة المؤسسات والأصول والمنصات الرقمية.

ويعكس ذلك، بحسب قراءة للمشهد، تحولًا محتملًا في وظيفة مجلس الإدارة، من إدارة ماكينة إعلامية آخذة في التوسع إلى التعامل مع شركة تواجه أسئلة تتعلق بكلفة هذا التوسع وجدواه.

 

أزمة مالية بعد تراجع الدعم

وتقول مصادر إن الأزمة المالية التي تواجهها الشركة منذ فترة أصبحت أكثر وضوحًا مع تراجع الدعم الذي كانت تحصل عليه خلال فترة إدارة فريق رئيس المخابرات العامة السابق اللواء عباس كامل، سواء الدعم المالي أو السياسي، بالتزامن مع خروج كامل وفريقه من إدارة الملفات التي ارتبطت بهم داخل المنظومة الإعلامية.

ولا توجد، في المقابل، بيانات مالية معلنة يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة من حجم الأزمة الحالية أو الخسائر المتداولة بشأن الشركة.

وكانت تقارير قد نشرت في عام 2021 عن تحقيقات في ملفات إنتاج درامي داخل المجموعة، من بينها أعمال تابعة لشركة «سينرجي»، على خلفية شبهات تتعلق بإهدار المال العام، مع حديث مصادر حينها عن مبالغ وصلت إلى مئات الملايين من الجنيهات.

 

من التوسع إلى المراجعة

نشأت «المتحدة» في سياق مشروع بدأ منتصف العقد الماضي لتجميع عدد كبير من الأصول الإعلامية والإعلانية والإنتاجية تحت مظلة واحدة.

وكان الاستحواذ على «إعلام المصريين»، ثم إدماجها مع كيانات أخرى من بينها «دي ميديا»، جزءًا من هذا المسار الذي انتهى إلى واحدة من أكثر المنظومات الإعلامية اتساعًا في مصر، تضم قنوات تلفزيونية وصحفًا ومواقع إلكترونية وشركات إنتاج وإعلانات ومنصات رقمية ورياضية.

وارتبطت ملكية «إعلام المصريين» و«إيجل كابيتال» بمنظومة استثمارية مرتبطة بأجهزة الدولة، بينما أصبحت «المتحدة» لاحقًا الكيان الأوسع الذي يضم هذه الأصول. كما وصفت دراسات وتقارير إعلامية توسع الشركة بأنه جزء من عملية تركيز ملكية وسائل الإعلام الخاصة في مصر.

وكان التوسع في الإنتاج الدرامي أحد أبرز مظاهر هذا المشروع؛ إذ تشير بيانات بحثية حول صناعة الدراما المصرية إلى أن «سينرجي»، التي بدأت بإنتاج مسلسل أو اثنين سنويًا، ارتفع إنتاجها إلى سبعة مسلسلات عام 2016، ثم 17 مسلسلًا في 2019 و25 مسلسلًا في 2020، في ذروة صعود النموذج الإنتاجي المرتبط باسم تامر مرسي.

 

عودة تامر مرسي بعد 5 سنوات

واجه هذا النموذج أول اختبار كبير في عام 2021، عندما أُطيح بتامر مرسي من رئاسة «المتحدة» بعد موسم درامي أثار انتقادات واسعة، بالتزامن مع تقارير عن مراجعة ملفات إنتاجية ومالية داخل المجموعة.

ونشرت تقارير آنذاك أن لجنة من جهات سيادية فحصت ملفات المجموعة، خصوصًا «سينرجي»، وأن التحقيقات شملت أعمالًا مثل «نسل الأغراب» و«الملك ــ أحمس»، مع تقديرات لمبالغ محل التحقيق وصلت إلى نحو 800 مليون جنيه.

المفارقة أن مرسي، الذي خرج من قمة المنظومة عام 2021 وتوارى عن منصبه في مجلس إدارة الشركة، عاد الآن إلى المجلس الجديد. ولا تعني عودته توليه رئاسة الشركة مجددًا؛ فهو أحد أعضاء المجلس إلى جانب شخصيات مالية وقانونية واستثمارية، فيما بقي سيف الوزيري رئيسًا وعضوًا منتدبًا.

لكن العودة تحمل دلالة سياسية وإدارية، خصوصًا أن مرسي كان أحد أبرز مهندسي مرحلة التوسع والهيمنة على سوق الدراما المصرية، وصاحب «سينرجي» التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى لاعب رئيسي في سوق الإنتاج التلفزيوني.

 

محمود فوزي.. الذراع القانونية والسياسية

في قراءة لتشكيل المجلس الجديد، يبدو اسم المستشار محمود فوزي من أكثر الأسماء إثارة للانتباه، ليس فقط بحكم خلفيته الحكومية والقانونية، وإنما أيضًا لطبيعة الملفات التي تعامل معها طوال مسيرته.

وتولى فوزي وزارة الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، ويمتلك خبرة قانونية تتجاوز عقدين. كما شغل منصب أمين عام مجلس النواب ومستشارًا قانونيًا لرئيس المجلس خلال الفصل التشريعي الأول، وعمل مستشارًا قانونيًا لعدد من الوزراء، بينهم وزراء الاستثمار والتجارة والصناعة والمالية والعدالة الانتقالية.

ولم تقتصر مهمته على العمل الإداري داخل البرلمان، إذ شارك في أعمال مرتبطة بصياغة قوانين وقواعد حاكمة للعملية السياسية، من بينها قوانين مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب وتقسيم الدوائر، كما شارك في أعمال اللجنة التي أسهمت في صياغة مشروع دستور 2014.

وخلال وجوده في الحكومة، كان فوزي أحد أبرز المسئولين عن تمرير الملفات التشريعية للحكومة داخل البرلمان، بما في ذلك قانون الإجراءات الجنائية الجديد، كما شارك في ملف تعديل قوانين مجلس النواب وتقسيم الدوائر الانتخابية عام 2025.

ومن ثم، يضيف وجوده داخل «المتحدة» شخصية ذات خبرة طويلة في إدارة العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان، وهندسة الأطر القانونية والمؤسسية.

وتقول مصادر إن فوزي مرشح لأن يكون «الرجل الأقوى» داخل مجلس الإدارة الجديد، وإن وجوده يعكس رغبة في إحكام السيطرة المؤسسية والقانونية على مرحلة إعادة ترتيب الشركة، أكثر من إدارة تفاصيل الإنتاج الإعلامي اليومية.

 

ثقل مالي واستثماري في المجلس

إذا كان فوزي يمثل البعد القانوني والسياسي، فإن حضور طارق فايد وكريم علي عوض وشريف الخولي يلفت الانتباه إلى البعد المالي والاستثماري في التشكيل الجديد.

ويمتلك فايد خبرة مصرفية تقارب أربعة عقود، وعمل في البنك المركزي المصري وتولى منصب وكيل المحافظ للرقابة المكتبية ورقابة المخاطر، كما ترأس بنك القاهرة لسنوات قبل توليه منصبه الحالي رئيسًا تنفيذيًا وعضوًا منتدبًا للمصرف المتحد.

كما شارك فايد في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي وفي أعمال مرتبطة بالاستقرار المالي والرقابة المصرفية.

أما كريم علي عوض، فهو الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة المجموعة المالية هيرميس، ما يمنحه خبرة مباشرة في الاستثمار والخدمات المالية وأسواق رأس المال.

ويبرز كذلك اسم شريف الخولي، الشريك والمدير الإقليمي لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط في شركة «أكتيس» للاستثمار المباشر، والمتخصص في الاستثمار المباشر والتمويل، وصاحب الخبرة الطويلة في إدارة الاستثمارات والصفقات.

وشارك الخولي في لجان استشارية حكومية مرتبطة بالاقتصاد الكلي، وهو عضو في مجالس إدارة عدد من المؤسسات والشركات، كما سبق أن شغل عضوية مجلس إدارة «المتحدة» في تشكيل سابق عام 2024.

وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المجلس الجديد؛ فهناك ثلاثة أسماء على الأقل ذات ثقل مالي واستثماري، إلى جانب شخصية قانونية ذات خبرة حكومية واسعة، في مقابل تراجع تمثيل الشخصيات المرتبطة مباشرة بالإنتاج الإعلامي والإعلاني.

ويعزز ذلك ما هو متداول في سوق الإعلام والدراما بشأن اتجاه لإعادة هيكلة الشركة والاستغناء عن بعض الشركات التي حققت خسائر، خصوصًا أن عددًا من أعضاء المجلس الجدد يمتلكون خبرات سابقة في دول خليجية، بينها السعودية والإمارات.

 

«ووتش إت» والرهان الرقمي

في المقابل، تمثل نشوى جاد الجانب الرقمي في التشكيل الجديد. فقد ترأست مجلس إدارة منصة «ووتش إت»، كما عملت سابقًا في ملف السياسة العامة لمصر والسودان لدى «فيسبوك»، وتولت مهام في وزارة الاتصالات، وتمتلك خبرة في حوكمة الإنترنت والسياسات الرقمية والأمن السيبراني والعلاقات الدولية في قطاع الاتصالات.

وخلال إدارتها لـ«ووتش إت»، تبنت المنصة استراتيجية تقوم على إنتاج أعمال أصلية والاعتماد بصورة أكبر على المواهب الجديدة.

ويشير حضورها إلى أن إعادة ترتيب «المتحدة» لا يتجه بالضرورة إلى تقليص النفوذ الإعلامي التقليدي فقط، وإنما قد تتضمن أيضًا إعادة النظر في شكل الاستثمار في المنصات الرقمية والمحتوى الجديد.

 

خروج محمد السعدي

في الجانب الآخر من المعادلة، جاء خروج المنتج محمد السعدي من مجلس الإدارة، بعد سنوات كان خلالها أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمنظومة.

وارتبط اسم السعدي بإنتاج عدد من الفعاليات الكبرى التي حظيت باهتمام رئاسي، وعلى رأسها احتفالية نقل المومياوات الملكية عام 2021، كما تحدث في وقت سابق عن متابعة عبد الفتاح السيسي لتفاصيل العمل على مدار أشهر، وملاحظاته على بعض تفاصيل الحفل.

وفي يوليو 2026، أعلنت «المتحدة» تعيين سيف الوزيري رئيسًا للشركة بعد مرحلة انتقالية، وقالت إن محمد السعدي تقدم باعتذاره رغبة منه في التفرغ لإدارة أعماله، بعدما كان قد كُلف قبل ذلك قائمًا بأعمال رئيس مجلس الإدارة.

لكن مصادر تقول إن هذا التوصيف الرسمي لا يعكس بالضرورة كل ما جرى خلف الكواليس، مشيرة إلى أن مشكلات ارتبطت بإنتاج احتفالية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية في يوليو الماضي سبقت إبعاد السعدي عن رئاسة الشركة، قبل خروجه لاحقًا من مجلس الإدارة.

وكانت شركة «سعدي ــ جوهر» من أبرز الأسماء التي تولت إنتاج الفعاليات الكبرى للدولة، بدءًا من موكب المومياوات وصولًا إلى مناسبات أخرى، كما تولى السعدي في الفترة الأخيرة ملف الدراما داخل «المتحدة»، وأنتجت شركته عددًا من الأعمال الناجحة.

وبرز ضمن الأسماء التي غادرت المنظومة أيضًا المنتج عمرو الفقي، الذي شغل سابقًا منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة.

 

تقليص العمالة والمتعاقدين

تتزامن هذه التغييرات الإدارية مع إجراءات داخلية تستهدف تقليص حجم العاملين والمتعاقدين، من بينها قرار الاستغناء عن العاملين والمتعاقدين الذين تجاوزوا سن الستين.

وأثار القرار غضب عدد من الأسماء الإعلامية، من بينهم الصحفي عادل حمودة، الذي كان مستشارًا لـ«القاهرة الإخبارية» ويقدم برنامجًا تلفزيونيًا، والصحفي أكرم القصاص، الرئيس السابق لمجلس إدارة «اليوم السابع»، والمذيع جمال عنايت.

وبحسب المصادر، نشر القصاص تدوينة عقب إبلاغه بالاستغناء عن خدماته، لوّح فيها بكشف ما وصفه بوجود فساد داخل الشركة، قبل أن يحذف المنشور لاحقًا.

وتبدو هذه الوقائع، إلى جانب الحديث عن الأزمة المالية وحجم الخسائر، جزءًا من عملية أوسع لخفض النفقات وإعادة تعريف حجم المنظومة، بحسب ما تشير إليه المصادر.

 

ما بعد عباس كامل

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن التغيير الأكبر الذي شهدته منظومة الإعلام المصرية منذ خروج اللواء عباس كامل من رئاسة جهاز المخابرات العامة في أكتوبر2024، وما تبعه من تغييرات داخل فريقه المرتبط بالملف الإعلامي.

وكان عباس كامل أحد أبرز الشخصيات المرتبطة تاريخيًا ببناء المنظومة الإعلامية التي توسعت منذ عام 2016، بينما كان العقيد أحمد شعبان من أبرز مساعديه في إدارة تفاصيل العلاقة مع وسائل الإعلام.

وتحدثت تقارير صحفية دولية في وقت سابق عن نفوذ واسع لضباط المخابرات داخل وسائل إعلام مرتبطة بالمنظومة.

وبعد إبعاد كامل وشعبان، ظهرت مؤشرات على مراجعة طريقة إدارة الملف الإعلامي، وتحدثت مصادر إعلامية في نهاية 2024 عن مراجعات مالية وتنظيمية داخل «المتحدة».

ومنذ ذلك الحين، تتابعت التغييرات؛ فتولى طارق نور رئاسة الشركة في نهاية 2024، ثم محمد السعدي بصورة مؤقتة، قبل أن يستقر المنصب لدى سيف الوزيري في يوليو 2026.

أما التشكيل الحالي، فيبدو أكثر وضوحًا في اتجاهه: تراجع حضور الإعلاميين والمنتجين، مقابل صعود القانونيين والمصرفيين ومديري الاستثمار والمتخصصين في المنصات الرقمية.

 

هل تتجه «المتحدة» إلى التفكيك؟

تقول مصادر إن هناك اتجاهًا داخل بعض دوائر الدولة يميل إلى تصفية «المتحدة» بصورتها الحالية، أو على الأقل تقليص نشاطها وإعادتها إلى حجم أقرب إلى ما قبل مرحلة التوسع الكبير، بحيث يقتصر دورها على عدد محدد من الإنتاجات الدرامية وبعض الأصول الإعلامية الأساسية.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة تثبت اتخاذ قرار نهائي بتصفية الشركة أو تفكيكها، بل إن البيان الرسمي الصادر عن «المتحدة» يتحدث عن «استراتيجية» جديدة و«مواصلة العمل» و«البناء على ما تحقق». لكن اللافت أن التشكيل نفسه يمكن قراءته باعتباره مجلس إدارة لإعادة الهيكلة أكثر منه مجلس إدارة للتوسع.

فوجود فوزي في الجانب القانوني، وفايد وعوض والخولي في الجانب المالي والاستثماري، ونشوى جاد في المجال الرقمي، إلى جانب استمرار سيف الوزيري في القيادة، يوحي بأن السؤال الذي يواجه الشركة لم يعد فقط: كيف نكبر؟ وإنما أصبح: كيف نعيد ضبط الكيان؟ وما الذي يستحق أن يبقى داخله، وما الذي يمكن الاستغناء عنه أو تقليصه أو إعادة توظيفه؟

وتكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت «المتحدة» ستحتفظ بوظيفتها باعتبارها إحدى أوسع المنظومات الإعلامية نفوذًا في مصر، أم أن الدولة بدأت بالفعل في إعادة حساب كلفة هذه الإمبراطورية الإعلامية، تمهيدًا لإعادتها إلى حجم أكثر تواضعًا، وربما أكثر قدرة على تحقيق عائد اقتصادي مباشر.

وفي الحالتين، فإن التغيير في مجلس الإدارة لا يبدو مجرد تبديل للأسماء، بل مؤشر على تحول في طريقة النظر إلى واحدة من أبرز أدوات النفوذ الإعلامي التي تشكلت خلال العقد الأخير.