لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد محطة دبلوماسية للاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات بين القاهرة وبكين، بقدر ما تكشف عن اختبار اقتصادي جديد لمصر، في ظل أزمة مالية وضغوط متواصلة على العملة والموارد الدولارية، وتوجه حكومي متزايد إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والتخارج من بعض الأصول والشركات الحكومية.
وخلال الزيارة التي جرت يومي 1 و2 سبتمبر 2026، وقّعت مصر والصين خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية وأكثر من 20 وثيقة تعاون في مجالات مختلفة، مع تركيز واضح على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والإنتاج.
لكن خلف العناوين الرسمية عن "الشراكة الاستراتيجية" يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا تريد الصين فعليًا من مصر في هذه المرحلة، وماذا ستقدم القاهرة في المقابل؟
ماذا تريد بكين من قناة السويس؟
بالنسبة إلى الصين، تمتلك مصر ميزة لا يمكن تجاهلها: الموقع الجغرافي وقناة السويس والموانئ، إلى جانب قربها من أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وتسعى الشركات الصينية إلى إعادة تنظيم سلاسل الإمداد والإنتاج عالميًا، وهو ما يجعل وجود قاعدة تصنيع قريبة من طرق التجارة الدولية أكثر أهمية من مجرد تصدير السلع من المصانع الصينية إلى السوق المصرية.
وبالتالي، فإن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمكن أن تتحول بالنسبة إلى بكين من مجرد منطقة استثمارية إلى حلقة في شبكة إنتاج وتصدير أوسع.
وهنا يصبح السؤال المصري الحقيقي: هل ستنجح القاهرة في انتزاع قيمة مضافة حقيقية من هذا الحضور، أم تتحول الأراضي والموانئ والحوافز المصرية إلى منصة جديدة للصناعة الصينية دون استفادة مصرية متناسبة؟
أزمة الاقتصاد تفتح الباب.. ولكن بأي ثمن؟
تأتي هذه الشراكة في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية كبيرة، ما يجعل الاستثمارات الأجنبية ورأس المال الخارجي عنصرًا أساسيًا في حسابات الحكومة.
وخلال السنوات الماضية، اتجهت الدولة إلى جذب استثمارات ضخمة في أصول ومشروعات وأراضٍ استراتيجية، كان أبرزها صفقة رأس الحكمة، بالتوازي مع برنامج لطرح عدد من الشركات الحكومية أمام المستثمرين.
وفي هذا السياق، يثير التوسع في الشراكات الأجنبية سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع: هل تستخدم الدولة الاستثمار الأجنبي لبناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد الدولار، أم لتوفير سيولة مؤقتة في مواجهة أزمة مالية متراكمة؟
فالاستثمار الذي يدخل في مصنع ويخلق إنتاجًا وصادرات وفرص عمل يختلف جذريًا عن بيع أصل قائم أو منح حقوق طويلة الأجل في أصول استراتيجية بهدف توفير موارد مالية عاجلة.
ومن هنا لا تكمن القضية في رفض الاستثمار الصيني أو العربي أو الغربي، وإنما في شروط الاستثمار، ونسبة الملكية، وحقوق الإدارة، ونقل التكنولوجيا، ونسب المكون المحلي، وحجم الصادرات، والعائد الذي يعود إلى الخزانة المصرية.
هل تتحول مصر إلى "مصنع صيني"؟
الصين لا تبحث فقط عن سوق جديدة لمنتجاتها؛ فهي تمتلك بالفعل قدرة هائلة على الإنتاج والتصدير.
الأهم بالنسبة إلى بكين هو الوصول إلى مواقع إنتاج قريبة من الأسواق العالمية، والاستفادة من موقع مصر التجاري واتفاقياتها مع الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
وهنا يمكن أن تكون مصر مستفيدًا كبيرًا إذا نجحت في فرض شروط واضحة على الاستثمارات الصينية: إنتاج محلي حقيقي، تدريب العمالة، نقل التكنولوجيا، زيادة نسبة المكونات المصرية، وتوجيه نسبة معتبرة من الإنتاج إلى التصدير.
أما إذا اقتصرت العلاقة على استيراد الآلات والمنتجات الصينية، مع تقديم الأراضي والحوافز والإعفاءات، فإن مصر قد تجد نفسها أمام نموذج جديد من العجز التجاري، ولكن هذه المرة تحت عنوان "التصنيع المحلي".
من يملك القرار في الأصول المصرية؟
وسط هذا التوسع في الاستثمارات الأجنبية، يعود ملف الأصول المصرية إلى الواجهة.
فمن تيران وصنافير، التي ارتبط ملفها بترسيم الحدود ونقل السيادة إلى السعودية، إلى صفقة رأس الحكمة، ومشروعات رأس جميلة، وبرنامج الطروحات الحكومية، أصبحت قضية الأصول الاستراتيجية واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل مصر.
ولا يصح وضع هذه الملفات كلها قانونيًا في خانة واحدة، لكن القاسم المشترك بينها سياسي واقتصادي: كيف تدير الدولة أصولًا وأراضي ومشروعات ذات قيمة استراتيجية في ظل أزمة مالية وضغوط على الدولار؟
وهل يجري اتخاذ قرارات طويلة الأجل وفق رؤية اقتصادية مستقلة، أم تحت ضغط الحاجة إلى توفير النقد الأجنبي وسداد الالتزامات العاجلة؟
ماذا يريد شي من مصر؟
يمكن قراءة المصالح الصينية من الزيارة عبر أربعة محاور رئيسية:
أولًا: قناة السويس والموقع الجغرافي، باعتبار مصر نقطة اتصال رئيسية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
ثانيًا: التصنيع والتصدير، عبر استخدام مصر كقاعدة إنتاج للشركات الصينية بدل الاعتماد على التصدير المباشر من الصين.
ثالثًا: الطاقة والتكنولوجيا، خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة والرقمنة وأشباه الموصلات والتقنيات الحديثة، وهي ملفات برزت في أجندة التعاون الجديدة.
رابعًا: النفوذ الاستراتيجي، فمصر ليست مجرد اقتصاد كبير، وإنما دولة ذات موقع سياسي وعسكري مؤثر في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو ما يمنح بكين أهمية إضافية لعلاقاتها بالقاهرة في ظل إعادة تشكيل التوازنات الدولية والإقليمية.
والسؤال الأصعب: ماذا تريد مصر؟
تحتاج القاهرة من بكين أكثر من مجرد استثمارات جديدة.
تحتاج إلى استثمارات تولد الدولار، وصادرات تخفض العجز التجاري، وتكنولوجيا ترفع القدرة الإنتاجية، وشراكات لا تكتفي بتوفير التمويل وإنما تبني قاعدة صناعية مصرية.
أما الخطر فيكمن في أن تتحول الحاجة المصرية إلى العملة الأجنبية إلى نقطة ضعف تفاوضية، تجعل الأولوية لجذب الأموال بأي شروط، بدل اختيار الاستثمارات التي تخدم الاقتصاد على المدى الطويل.
وهنا تصبح زيارة شي جين بينغ اختبارًا حقيقيًا للسياسة الاقتصادية المصرية:
هل تستطيع القاهرة تحويل موقعها الاستراتيجي إلى قوة تفاوضية؟
هل تحصل مصر على مصانع وتكنولوجيا وصادرات، أم تحصل الصين على سوق وموانئ وأراضٍ وحوافز؟
وهل تكون الشراكة الصينية بداية لتحويل مصر إلى اقتصاد منتج، أم حلقة جديدة في مسلسل الاعتماد على بيع الأصول وجذب الأموال لسد فجوات التمويل؟
الإجابة لن تحددها بيانات الاحتفاء بالاتفاقيات، وإنما ما سيحدث على الأرض خلال السنوات المقبلة: حجم الاستثمارات الفعلية، وعدد المصانع، ونسبة المكون المحلي، وقيمة الصادرات، وفرص العمل، وحجم ما يدخل إلى الاقتصاد المصري من عملة صعبة.
ففي النهاية، المشكلة ليست في دخول الصين إلى مصر، وإنما في الشروط التي تدخل بها، وما الذي تحصل عليه مصر في المقابل.