الضبعة..وثائق سرية تكشف عيوبًا هندسية وتأخيرات ومخالفات ومخاوف من إهدار مليارات الجنيهات

- ‎فيتقارير

اتهامات تضع فساد الإدارة وسلامة المشروع النووي تحت المجهر

تواجه شركة "روساتوم" الروسية، الخاضعة لسيطرة الدولة، اتهامات بإخفاقات تتعلق بالسلامة والأمن وجودة الإنشاءات والإدارة في مشروع محطة الضبعة النووية بمصر، وفق وثائق داخلية حصلت عليها صحيفة "بوليتيكو".

وتفتح هذه الوثائق الباب أمام تساؤلات أوسع لا تتعلق فقط بالسلامة النووية، وإنما أيضاً بالحوكمة والرقابة على مشروع ضخم تقدر تكلفته بمليارات الدولارات، وبمدى شفافية إدارة الأموال والعقود والجدول الزمني للمشروع، خصوصاً مع تضارب التقديرات بشأن موعد تشغيل المفاعل الأول.

وتزداد حساسية القضية لأن محطة الضبعة تعتمد التكنولوجيا الروسية نفسها المستخدمة في مشروع "باكس 2" النووي في المجر، ما يجعل أي خلل موثق في مشروع الضبعة ذا تداعيات تتجاوز الحدود المصرية إلى مستقبل حضور "روساتوم" في أوروبا.

وثائق داخلية تكشف مشكلات داخل المشروع

بحسب رسالة سرية مؤرخة في 4 يونيو وموجهة إلى مسؤول تنفيذي في "روساتوم"، تحدثت هيئة المحطات النووية المصرية عن "عيوب" في عدد من وحدات المفاعلات، وعن مخالفات لما وصفته بـ"ثقافة السلامة النووية"، إضافة إلى اتهام مسؤول في المشروع بـ"الإهمال المتعمد".

وتضمنت الوثائق التي حصلت عليها "بوليتيكو" مراجعات داخلية أعدتها "روساتوم" نفسها، وتناولت تأخيرات في التنفيذ ومشكلات هندسية وجودة البناء وإدارة المشروع.

وبحسب المصدر الذي شارك الوثائق، وهو مسؤول استخبارات طلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالحديث إلى وسائل الإعلام، فإن هذه المستندات لم يسبق نشرها.

عيوب في الخرسانة.. وإصلاحات استغرقت عاماً

تكشف الرسالة المصرية عن مشكلات في الأعمال الإنشائية، من بينها ظهور عيوب وصفت بأنها "خطيرة" في الخرسانة.

وتشمل هذه المشكلات فراغات خلف الكسوة المعدنية في الوحدة الرابعة، وعيوباً في بلاطات أساس الوحدات الأولى والثانية والثالثة، استغرق إصلاحها نحو عام، إلى جانب عيوب في البنية الخلوية للجدار الأسطواني لمبنى مفاعل الوحدة الرابعة.

وتثير هذه الوقائع تساؤلات جوهرية حول آليات مراقبة الجودة في مشروع نووي يفترض أن يخضع لأعلى مستويات التدقيق، وحول المسؤولية عن اكتشاف العيوب وإصلاحها والتأكد من عدم تأثيرها على سلامة المنشآت مستقبلاً.

اتهامات بالتلاعب في نسب الإنجاز

من أخطر ما ورد في الرسالة اتهام الهيئة المصرية لـ"روساتوم" باستخدام "أساليب مضللة" و"أعمال وهمية" لإظهار أن نسبة إنجاز المحطة تجاوزت 50%.

وبحسب الرسالة، فإن المعاينة البصرية للموقع كانت تشير إلى أن المباني الرئيسية للجزيرة النووية لا تزال في مراحل الإنشاء تحت الأرض.

وفي حال ثبوت هذه الاتهامات، فإن القضية لا تتعلق بمجرد تأخير هندسي، وإنما بمسألة أكثر خطورة تتصل بدقة التقارير المقدمة عن نسب الإنجاز، وآليات الرقابة على الإنفاق، ومدى ارتباط الدفعات المالية بمستوى الإنجاز الفعلي.

وهنا تظهر إحدى أبرز علامات الاستفهام حول مشروع الضبعة: كيف يمكن لمشروع بهذه الحساسية والحجم أن يواجه فجوة بين نسب الإنجاز المعلنة وما تظهره المعاينات الميدانية، ومن يتحمل مسؤولية التدقيق والمحاسبة؟

مخالفات أمنية وبيئة عمل غير مهنية

لم تقتصر الاتهامات على الأعمال الإنشائية، إذ تحدثت الرسالة عن بيئة عمل وصفتها بأنها غير مهنية.

وأشارت إلى ضبط عمال بحوزتهم "مشروبات كحولية محظورة"، واستخدام تصاريح مزورة وانتحال صفة أشخاص آخرين للدخول إلى الموقع بصورة غير مصرح بها، فضلاً عن التقاط صور ومقاطع فيديو داخل موقع البناء ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما قالت الهيئة إنه أضر بسمعة المشروع.

كما تحدثت الرسالة عن حادث إصابة خطير تعرض له أحد العمال، أدى إلى "كسر مفتوح شديد"، قبل نقله في سيارة خاصة بدلاً من سيارة إسعاف مجهزة، واعتبرت الهيئة أن ذلك جرى بصورة متعمدة للتستر على الحادث.

ووصفت الهيئة هذه الممارسات بأنها تمثل تجاهلاً لسلامة العاملين والمسؤولية المهنية، وانتهاكاً للوائح السلامة في موقع العمل وللالتزامات الخاصة بالإبلاغ عن الحوادث.

تدقيق داخلي يحذر من تأخر المشروع

وتتطابق بعض المخاوف الواردة في الرسالة المصرية مع ما ورد في أربع وثائق داخلية إضافية لـ"روساتوم"، بحسب "بوليتيكو".

ففي مشروع تدقيق داخلي أُعد عام 2025، حذرت الشركة من وجود "خطر كبير" يتمثل في عدم الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، وتوقعت تأخر الجدول الزمني للوحدة الأولى بنحو 18 شهراً، من سبتمبر 2028 إلى مارس 2030.

وهذا التقدير يضع الرواية الرسمية للحكومة المصرية أمام اختبار صعب؛ إذ أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في يوليو توقعه بدء تشغيل الوحدة الأولى عام 2028، مع اكتمال المفاعلات الأربعة بحلول 2030.

وبذلك، فإن الفارق بين التوقعات الحكومية والتقديرات الواردة في التدقيق الداخلي لا يمثل مجرد اختلاف في المواعيد، بل يثير تساؤلات حول واقعية الجداول الزمنية، وتكلفة التأخير، ومن يتحمل الأعباء المالية الناتجة عنه.

أين تكمن شبهة الفساد؟

لا تثبت الوثائق المعروضة، بحد ذاتها، وجود فساد مالي أو جنائي في مشروع الضبعة، لكن طبيعة الاتهامات تفتح عدة مسارات تستحق التحقيق المستقل.

أولها الشفافية المالية، خصوصاً إذا كانت نسب الإنجاز الفعلية تختلف عن النسب المعلنة، وما إذا كانت هناك مدفوعات أو التزامات مالية مرتبطة بأعمال لم تنجز بالمستوى المعلن.

وثانيها المساءلة عن عيوب البناء؛ إذ إن إصلاح عيوب كبيرة في الأساسات والخرسانة بعد تنفيذها يطرح سؤالاً حول تكلفة الإصلاح، ومن يدفعها، وهل يتحملها المقاول أم تتحملها الدولة المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وثالثها تضارب المسؤوليات والرقابة، في ظل كون المشروع من أكبر مشروعات البنية التحتية في مصر، بينما تتولى جهة حكومية مصرية الإشراف على المشروع وتنفذه شركة روسية حكومية.

أما المسار الرابع فيتعلق بالتأخيرات، إذ يمكن أن يؤدي تمديد الجداول الزمنية إلى زيادة التكلفة النهائية للمشروع، سواء بسبب ارتفاع تكاليف الإنشاء أو التمويل أو التشغيل أو إعادة الأعمال.

ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل توجد عيوب في محطة الضبعة؟ وإنما أيضاً: من كان يعلم بهذه العيوب، ومتى علم بها، ولماذا استمرت، ومن يتحمل تكلفة إصلاحها وتأخير المشروع؟

"روساتوم": الاتهامات لم تثبت

في المقابل، نفت "روساتوم" وجود ما يؤكد الاتهامات الواردة في الوثائق.

وقالت الشركة لـ"بوليتيكو" إنها تلتزم بأعلى مستويات السلامة النووية طوال فترة بناء محطة الضبعة، لكنها رفضت التعليق على ما إذا كانت قد تسلمت الرسالة أو الشكاوى التي وجهتها هيئة المحطات النووية المصرية.

وأكدت أن مستوى تنظيم العمل ونظام إدارة الجودة وثقافة السلامة يخضع للمتابعة المستمرة من القيادات الروسية والمصرية، إلى جانب حضور ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمراحل الرئيسية من المشروع.

كما قالت إن الاتهامات التي عرضتها "بوليتيكو" عليها لم يتم تأكيدها ضمن الإجراءات التعاقدية والفنية والرقابية المعتمدة للمشروع.

المفوضية الأوروبية: السلامة النووية أولوية

وقالت المفوضية الأوروبية إنها لم تكن على علم بالوثائق السرية والاتهامات الواردة فيها، لكنها أكدت أن السلامة النووية تمثل أولوية رئيسية للاتحاد الأوروبي.

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا بسبب اعتماد مشروع "باكس 2" في المجر على التكنولوجيا الروسية نفسها المستخدمة في الضبعة.

كما تمتلك "روساتوم" مشاريع نووية في دول أخرى، بينها تركيا والصين، فيما تواجه أنشطة مرتبطة بها داخل أوروبا تدقيقاً متزايداً على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا والعلاقات الوثيقة بين الشركة والدولة الروسية.

الضبعة.. مشروع ملياري تحت الاختبار

تضم محطة الضبعة المخطط لها أربعة مفاعلات روسية التصميم، وتشرف على المشروع هيئة المحطات النووية المصرية.

ورغم إعلان الحكومة المصرية استهداف بدء إنتاج الكهرباء من الوحدة الأولى عام 2028 واكتمال الوحدات الأربع بحلول 2030، فإن الوثائق الداخلية المنسوبة إلى "روساتوم" تشير إلى احتمال تأخر الوحدة الأولى حتى مارس 2030.

وبينما تؤكد الشركة الروسية سلامة المشروع وعدم ثبوت الاتهامات الموجهة إليها، فإن مضمون الوثائق يضع إدارة المشروع أمام أسئلة تتعلق بالشفافية والرقابة وجودة الإنشاءات وسلامة العاملين ودقة نسب الإنجاز والتكلفة الحقيقية للتأخير والإصلاحات.

وفي مشروع نووي بهذه الضخامة، لا تكفي البيانات الرسمية وحدها لحسم هذه التساؤلات؛ إذ إن أي شبهة تتعلق بإخفاء عيوب، أو تضخيم نسب الإنجاز، أو التستر على حوادث، أو تحميل الدولة تكلفة إخفاقات المقاول، تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً يحدد المسؤوليات ويكشف حجم الأضرار المالية والفنية إن وجدت.

أما بالنسبة إلى "باكس 2"، فإن الاتهامات المصرية قد تتحول إلى ورقة إضافية في المراجعة التي تجريها الحكومة المجرية للمشروع، خصوصاً مع الجدل القائم حول تكلفته وعلاقته بروسيا واعتماد قطاع الطاقة الأوروبي على شركة تسيطر عليها موسكو.