لم يعد السؤال الذي يتردد في مصر والسودان متعلقاً فقط بحجم المياه التي تتدفق عبر نهر النيل، وإنما بات مرتبطاً بمستقبل الأمن المائي والغذائي لملايين المواطنين في البلدين، في ظل الانحسار الملحوظ في مناسيب النهر بعدد من المناطق السودانية، وتصاعد المخاوف من أن تكون المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الشح المائي، بالتزامن مع استمرار إثيوبيا في تشغيل سد النهضة بصورة منفردة، وغياب اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات الملء والتشغيل.
ومع انتشار صور ومقاطع فيديو على نطاق واسع، قيل إنها توثق تراجعاً كبيراً في مناسيب مياه النيل داخل السودان، تصاعدت التساؤلات حول ما إذا كانت دولتا المصب، مصر والسودان، تواجهان بالفعل مرحلة أكثر خطورة من أزمة سد النهضة، أم أن ما يجري يرتبط بعوامل مناخية وموسمية مؤقتة لا يمكن تحميل السد وحده مسؤوليتها.
غير أن التطورات الأخيرة أعادت فتح ملف ظل حاضراً لأكثر من عقد، وهو: هل تعاملت القاهرة مع أزمة سد النهضة بالقدر الكافي من الجدية والحسم منذ بدايتها، أم أن سياسة الانتظار والمفاوضات المفتوحة سمحت لإثيوبيا بفرض واقع جديد على الأرض؟
انحسار النيل في السودان يثير المخاوف
تشير تقارير ومشاهد متداولة إلى انخفاض ملحوظ في مناسيب المياه بعدد من المناطق السودانية، خصوصاً على امتداد النيل الأزرق، مع ظهور جزر وألسنة رملية في مجرى النهر، فيما تحدثت تقارير عن تأثر بعض محطات ومضخات مياه الشرب، بما يثير مخاوف بشأن إمدادات المياه والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية.
وامتدت المخاوف، وفقاً لما يتم تداوله، إلى مناطق من الخرطوم وولايات نهر النيل والشمالية، في وقت يواجه فيه السودان أصلاً أوضاعاً إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة بسبب الحرب المستمرة، ما يجعل أي اضطراب إضافي في مصادر المياه تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصحي.
ويرى خبراء في شئون المياه أن التعامل مع هذه التطورات يجب أن يستند إلى بيانات علمية دقيقة، لأن انخفاض مناسيب النيل قد يرتبط بعوامل متعددة، من بينها التغيرات المناخية، ومعدلات الأمطار، وطبيعة التصريف من الخزانات، وإدارة السدود، وليس بالضرورة أن يكون سببه المباشر سد النهضة وحده.
لكنهم يحذرون في الوقت ذاته من أن غياب الشفافية والتنسيق وتبادل البيانات بين دول حوض النيل الشرقي يجعل من الصعب تحديد المسئولية بدقة، ويزيد من مخاطر سوء التقدير في أوقات الجفاف والفيضان على حد سواء.
"السنوات العجاف".. تحذيرات من أزمة مائية طويلة
وأثارت مشاهد انحسار المياه مخاوف من دخول مصر والسودان مرحلة من الشح المائي، خصوصاً في ظل استمرار تشغيل سد النهضة واحتفاظ إثيوبيا بقدرة كبيرة على التحكم في توقيتات وكميات المياه المتجهة إلى دولتي المصب. وكان نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة ومستشار وزير التموين الأسبق، قد وصف المشاهد المتداولة عن انخفاض مناسيب النيل بأنها "مفجعة جداً"، محذراً من احتمالات مواجهة سنوات مائية صعبة.
ويرى خبراء أن خطورة الوضع لا تكمن في عام مائي واحد، وإنما في احتمال تزامن انخفاض الإيرادات الطبيعية للنهر مع استمرار التشغيل الأحادي لسد النهضة، وهو السيناريو الذي يمكن أن يُضاعف الضغوط على الموارد المائية في مصر والسودان.
ويشير مختصون إلى أن مصر تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل في مواردها المائية، في حين يعتمد السودان بدرجة كبيرة على النهر في الزراعة ومياه الشرب، وبالتالي فإن أي نقص طويل الأمد في التدفقات قد تكون له تداعيات تتجاوز ملف المياه إلى الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاجتماعي.
السد العالي.. هل يكفي لمواجهة الأزمة؟
تؤكد القاهرة، في المقابل، أن السد العالي وبحيرة ناصر يمثلان خط الدفاع الأول أمام تقلبات الإيراد المائي، وأن المخزون الاستراتيجي يمكن أن يساعد في مواجهة فترات انخفاض التدفقات.
غير أن خبراء يحذرون من أن مخزون بحيرة ناصر ليس مصدراً لا ينضب، وأن قدرته على حماية مصر ترتبط بطول فترة الجفاف وحجم العجز المائي، فضلاً عن الاحتياجات المتزايدة للسكان والزراعة والصناعة.
ويقول محللون إن وجود السد العالي لا يلغي الخطر، بل يمنح مصر مساحة زمنية للتكيف مع الأزمة، لكن استمرار نقص التدفقات لسنوات متتالية قد يفرض إجراءات أكثر صعوبة، تشمل تقليص المساحات الزراعية، وزيادة الاعتماد على تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، ورفع تكلفة توفير المياه.
السؤال الأصعب: لماذا انتظرت القاهرة كل هذه السنوات؟
في قلب الجدل الحالي، يبرز سؤال سياسي أكثر حساسية: لماذا لم تتمكن مصر، طوال أكثر من عشر سنوات من المفاوضات، من الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا بشأن قواعد الملء والتشغيل؟
ويرى خبراء أن القاهرة اعتمدت لفترة طويلة على المسار التفاوضي، مع التعويل على الوساطات الإقليمية والدولية، بينما كانت إثيوبيا تستكمل بناء السد وتزيد من قدراتها التشغيلية، حتى أصبح المشروع واقعاً قائماً يصعب تغييره.
ويذهب محللون إلى أن المشكلة لم تكن في المفاوضات ذاتها، وإنما في الفارق بين سرعة التحرك الإثيوبي وبطء الاستجابة المصرية، إذ تمكنت أديس أبابا من تحويل السد من مشروع قيد الإنشاء إلى أمر واقع، بينما ظلت القاهرة تتحرك في إطار سياسي وقانوني لم ينجح حتى الآن في فرض قواعد ملزمة للتشغيل.
ويعتقد هؤلاء أن استمرار التفاوض من دون آليات ضغط فعالة، ومن دون اتفاق ملزم، أتاح لإثيوبيا توسيع هامش المناورة، وأضعف قدرة مصر على التأثير في قرارات التشغيل والملء.
هل كان الصمت المصري مقصوداً؟
هنا يطرح مراقبون سؤالاً أكثر إثارة للجدل حول فترة حكم المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي هل كان الهدوء المصري تجاه بعض التطورات المرتبطة بسد النهضة نتيجة حسابات سياسية واقتصادية، أم أنه كان مجرد تقدير خاطئ للموقف الإثيوبي؟
ويحذر خبراء من القفز إلى استنتاجات تؤكد وجود صفقة سرية أو تعمد مصري للإضرار بالمصالح المائية، في ظل عدم وجود أدلة علنية موثوقة تثبت ذلك. لكنهم يشيرون إلى أن سياسة القاهرة خلال السنوات الماضية تزامنت مع علاقات إقليمية معقدة، شملت الإمارات والسعودية وإثيوبيا، إلى جانب مصالح اقتصادية واستثمارات متبادلة. وهنا يظهر اسم الإمارات في النقاش، باعتبارها دولة لعبت دوراً اقتصادياً وسياسياً بارزاً في المنطقة، ولها علاقات قوية مع كل من القاهرة وأديس أبابا.
ويطرح منتقدون للنظام المصري تساؤلات حول ما إذا كانت حسابات العلاقات مع أبوظبي قد أثرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في طريقة إدارة القاهرة لملف سد النهضة، خصوصاً في ظل الحديث عن الدعم المالي والسياسي الإماراتي لمصر، وعن الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا.
لكن هذا الطرح، بحسب خبراء، يحتاج إلى أدلة ووثائق واضحة تثبت وجود ارتباط مباشر بين الدعم الإماراتي للقاهرة وبين موقف مصر من سد النهضة، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة لمجرد تزامن المصالح والعلاقات السياسية.
الإمارات وإثيوبيا.. ملف يحتاج إلى تدقيق
تؤكد الوقائع السياسية والاقتصادية أن الإمارات حافظت على علاقات قوية مع إثيوبيا، كما لعبت أدواراً في ملفات إقليمية متعددة، في الوقت الذي قدمت فيه دعماً اقتصادياً واستثمارياً لمصر. ويرى محللون أن تضارب المصالح بين دول المنطقة يفرض على القاهرة أن تتعامل مع ملف المياه باعتباره أمناً قومياً لا يخضع للحسابات السياسية قصيرة الأجل.
ويقول هؤلاء إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الإمارات قد دعمت سد النهضة بصورة مباشرة، وإنما ما إذا كانت شبكة العلاقات والمصالح الإقليمية قد جعلت القاهرة أقل قدرة على ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على أديس أبابا.
وفي كل الأحوال، فإن تحميل الإمارات وحدها مسئولية أزمة سد النهضة، من دون أدلة موثقة، قد يصرف الانتباه عن السؤال الأهم ما الذي فعلته الدولة المصرية خلال السنوات العشر الماضية لمنع تحول السد إلى واقع مائي مفروض؟
هل دفعت مصر ثمن سياسة "الانتظار"؟
يرى خبراء في العلاقات الدولية أن أحد أخطر جوانب أزمة سد النهضة يتمثل في أن الوقت كان يعمل لمصلحة إثيوبيا؛ فكل عام يمر كان يعني تقدماً إضافياً في بناء السد، ثم بدء الملء، ثم التشغيل، بينما كانت المفاوضات تدور حول التفاصيل.
وبحسب هذا التحليل، فإن القاهرة لم تخسر فقط جولات تفاوضية، وإنما خسرت جزءاً من هامش الحركة، بعدما أصبح السد قائماً ويعمل، وأصبح التراجع عنه شبه مستحيل من الناحية العملية. ويقول محللون إن أي استراتيجية ناجحة في ملف بهذا الحجم كانت تتطلب منذ البداية الجمع بين التفاوض والضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، إلى جانب بناء تحالفات إقليمية ودولية واسعة، بدلاً من الاعتماد المفرط على المفاوضات وحدها.
ماذا ينتظر المصريون إذا استمر الجفاف؟
المصير المحتمل للمصريين، وفقاً للخبراء، لا يمكن اختزاله في سيناريو "العطش المباشر"، إذ إن الدولة تمتلك أدوات للتعامل مع نقص المياه، بينها السد العالي، وإعادة استخدام المياه، والتحلية، وترشيد الاستهلاك. لكن الخطر الأكبر يتمثل في ارتفاع تكلفة المياه والغذاء، وتراجع الرقعة الزراعية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فضلاً عن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية الممتدة.
ويحذر خبراء من أن استمرار الشح المائي مع زيادة السكان قد يجعل مصر أمام معادلة صعبة، خصوصاً إذا تزامن الجفاف الطبيعي مع إدارة أحادية لسد النهضة، وعدم وجود اتفاق ملزم يضمن الحد الأدنى من التدفقات في سنوات الجفاف الممتد.
أما السودان، فقد يكون أكثر هشاشة أمام هذه التداعيات بسبب الحرب وتدمير البنية التحتية، ما يجعل أي اضطراب في مياه النيل تهديداً مباشراً لملايين السكان.
المعركة لم تعد حول السد فقط
اللافت في الأزمة الحالية أن المعركة لم تعد، وفقاً لخبراء، حول بناء سد النهضة من عدمه، بل انتقلت إلى سؤال أكثر خطورة من يملك قرار المياه في النيل الأزرق؟. فإثيوبيا ترى أن لها حقاً سيادياً في استغلال مواردها المائية، بينما تؤكد مصر والسودان ضرورة وجود قواعد ملزمة تضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب. وبين الموقفين، يبقى غياب الاتفاق النهائي هو جوهر الأزمة.
ويرى محللون أن مصر أمام لحظة مراجعة حقيقية لسياساتها خلال العقد الماضي، وأن استمرار التعامل مع الأزمة باعتبارها ملفاً تفاوضياً مفتوحاً قد لا يكون كافياً بعد أن دخل السد مرحلة التشغيل.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط هل بدأ عصر الجفاف؟ بل أيضاً هل كانت مصر مستعدة له؟
فإذا كان الانحسار الحالي نتيجة عوامل مناخية مؤقتة، فإن الأزمة ستتراجع مع تحسن الإيرادات. أما إذا كان جزءاً من اتجاه طويل الأمد، بالتزامن مع استمرار التشغيل الأحادي لسد النهضة، فإن مصر والسودان قد يواجهان واحدة من أخطر أزمات الأمن المائي في تاريخهما الحديث.
وفي هذه الحالة، فإن المسئولية السياسية ستتجاوز إثيوبيا وحدها، لتشمل أيضاً تقييم أداء حكومتي القاهرة والخرطوم، ومراجعة سنوات التفاوض، وطرح سؤال طالما جرى تأجيله هل أضاعت دولتا المصب الوقت، حتى أصبح السد أمراً واقعاً، وأصبح النيل نفسه رهينة لمعادلات جديدة في القرن الأفريقي؟