بعد تقدم نظيرتها الخليجية .. تصنيفات جامعاتنا : فخاخ تزييف وبدعة التسويق الأكاديمي

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي تسجل فيه الجامعات الخليجية قفزات رقمية لافتة، تعاني نظيراتها المصرية العريقة من تحديات هيكلية وتمويلية تجعل المنافسة غير متكافئة، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الجوهر الحقيقي للتعليم العالي بعيداً عن بريق المؤشرات الدعائية.
 

زيف أرقام التعليم العالي بمصر في فخ "ويبومتركس 2026"

وفي مطلع عام 2026، احتفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية بأن هناك "إنجازاً جديداً للجامعات المصرية بوجود 10 جامعات ضمن أفضل 1000 جامعة على مستوى العالم" في تصنيف "ويبومتركس العالمي". وبحسب بيان الوزارة، فقد وصلت 83 مؤسسة تعليمية مصرية إلى القائمة الإجمالية التي ضمت 8000 منشأة تعليمية.

غير أن تقريراً استقصائياً كشف زيف هذه الأرقام؛ إذ تتبع حساب منصة متصدقش المتخصصة في تدقيق الحقائق وتفنيد الشائعات الأرقام الصادرة، وتبين أن الوزارة وقعت في فخ مواقع منتحلة تزيّف الترتيب الفعلي للجامعات.

 

الفجوة الرقمية والانتحال                

أثبت الفحص الدقيق للمصدر الأصلي بحسب المنصة لتصنيف "ويبومتركس" في يناير 2026 أن 20 جامعة مصرية على الأقل تم تضخيم تصنيفها الحقيقي بشكل مفرط، وكانت أبرز الفروقات كالتالي:

  • نادي الألف الكبار: ادعت الوزارة وجود 10 جامعات، بينما لم يتواجد في الحقيقة سوى 5 جامعات فقط وهي: (القاهرة، الإسكندرية، المستقبل، المنصورة، وعين شمس).
  • جامعة القاهرة: صُنفت رسمياً في المرتبة 456، بينما أعلن بيان الوزارة أنها بالمركز 405 (بزيادة وهمية قدرها 51 مركزاً).
  • جامعة الإسكندرية: الترتيب الحقيقي 592 | المعلن في بيان الوزارة 517 (بفارق 75 مركزاً).
  • جامعة بنها: الترتيب الحقيقي 1268 | المعلن رسمياً 917 (بفارق تضخيمي بلغ 351 مركزاً).
  • جامعة حلوان: الترتيب الحقيقي 1615 | المعلن رسمياً 1052 (بفارق 563 مركزاً).
  • جامعة أسوان: الترتيب الحقيقي 2082 | المعلن رسمياً 1517 (بفارق 565 مركزاً).

 

جذور الفخ التكنولوجي والمالي

تأسس تصنيف "ويبومتركس" عام 2004 عبر مختبر "Cybermetrics" الإسباني لسد الفجوة بين التصنيفات التقليدية ودول الجنوب العالمي بالاعتماد على الحضور الرقمي وموارد الوصول المفتوح.

إلا أن الموقع الرسمي للتصنيف تعرض للإغلاق مؤخراً نتيجة لتحديات مالية، وتغيرت منهجيته لتعتمد على قواعد بيانات جديدة، مع فرض رسوم استدامة تبلغ 200 يورو على كل جامعة للحصول على نسختها الكاملة. هذا الفراغ استغلته 3 مواقع منتحلة ومزيفة وهي:

  1. webometrics.org
  2. webometricsranking.com
  3. webometrics.online

نشرت هذه النطاقات بيانات مجانية مغلوطة، فوقعت في فخها العديد من المؤسسات الأكاديمية والإعلامية عالمياً، ومنها وزارة التعليم العالي المصرية وجامعاتها مثل جامعة بنها التي احتفت ببيانات مزيفة أكد ناشر التصنيف "إيسيدرو أجويلو" فبركتها واصفاً الاعتماد عليها بالسلوك "غير المهني والمضلل"، مهدداً باستبعاد أي جامعة تستشهد بها مستقبلاً. ولم تكن مصر بمفردها؛ إذ رصد الباحث "فلاديمير موسكوفين" 178 بياناً صحفياً مغلوطاً في 25 دولة اعتمدت على هذه المواقع المزيّفة، تصدرتها إندونيسيا بـ 94 بياناً.

https://x.com/matsda2sh/status/2070173088835121360

الريادة الخليجية مقابل مأزق الجامعات المصرية

وعند وضع أزمات التزييف جانباً والنظر للتصنيفات الرسمية المعتمدة دولياً، نجد أن المقارنة الأكثر موضوعية تكمن في رصد الفجوة المتسعة بين الجامعات المصرية ونظيرتها الخليجية التي باتت تهيمن على المراكز الأولى عربياً.

ووفقاً لتصنيف QS العالمي لعام 2027، نجد واقعاً مغايراً، فضمن الصدارة الخليجية المطلقة؛ تسيطر جامعات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الملك عبدالعزيز (السعودية)، وجامعة قطر، وجامعة خليفة (الإمارات) على صدارة المشهد العربي متأرجحة في الترتيب العالمي بين توب 100 وتوب 200.

وعن دلائل تأخر جامعات مصر العريقة، تأتي جامعة القاهرة في المرتبة 363 عالمياً، وهي تقع عملياً خلف حوالي 10 إلى 12 جامعة خليجية، وتليها بقية الجامعات المصرية بمسافات أبعد.

 

معايير التصنيف الدولية

وهذا التفوق الخليجي لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو نتاج مباشر لتفاعل المعايير الحسابية للتصنيف مع الفوارق التمويلية والبشرية:

معيار نسبة الأساتذة إلى الطلاب: وهو المعيار الأكثر إجحافاً بالجامعات المصرية الحكومية؛ ففي الخليج تحافظ الجامعات على أعداد طلاب محدودة وصارمة تمنح نسبة أستاذ لكل 10 أو 15 طالباً ($1:10$). في المقابل، تضم جامعة القاهرة ربع مليون طالب ($250,000$) بنسب تقترب من أستاذ لكل 100 طالب في الكليات النظرية، مما يخسف بترتيبها العام مئات المراكز.

التمويل واستقطاب الكفاءات: تتيح الميزانيات الضخمة لجامعات الخليج توفير معامل خارقة وشراء خدمات العلماء الأكثر استشهاداً بأبحاثهم عالمياً (Highly Cited Researchers)، بينما يهاجر الباحث المصري المتميز بسبب ضعف الرواتب والميزانيات المحلية، ليُسجل إنتاجه البحثي باسم الجامعة الخليجية المستقطِبة له.

تدويل التعليم: تجتذب بيئة الخليج نسباً مرتفعة من الطلاب والأساتذة الأجانب محققة نقاطاً كاملة في هذا المعيار، بينما تعتمد مصر بشكل شبه كامل على الكوادر المحلية.

 

الأكاديميا المصرية وأزمة النشر الدولي

خلف هذه الأرقام تكمن أزمة معيشية وإنسانية صامتة لأساتذة الجامعات في مصر، ففي منشور مؤثر عبر فيسبوك، عبر الدكتور نادر نور الدين، الأستاذ بجامعة القاهرة، عن هذا الواقع المرير الذي يربط تدني الرواتب بتراجع النشر العلمي الدولي، مستشهداً ببيت شعر كامل الشناوي: "وأنا لا أشكو ففي الشكوى انحناء.. وأنا نبض عروقي كبرياء".

https://www.facebook.com/photo?fbid=122297551556034666&set=pcb.122297551652034666

وأشار نور الدين إلى أن الأساتذة يرفضون الشكوى أمام الكاميرات والحديث إعلامياً عن تدني المرتبات حفاظاً على هيبتهم الأكاديمية أمام طلابهم ولأنهم أصحاب رسالة لا وظيفة، موضحًا أن تكلفة نشر البحث الواحد في المجلات العلمية المرموقة المؤثرة في الترتيب تبلغ 5 آلاف دولار، وأقل مجلة تضيف قيمة للبحث والجامعة لا تقل تكلفتها عن ألفي دولار، وهي مبالغ طائلة تفوق قدرة الأستاذ والباحث المصري.

وأوضح أن بعض الجامعات المصرية تقدم مكافآت للنشر الدولي لكنها ضئيلة جداً ولا تتجاوز 5% من التكلفة الفعلية لإخراج ونشر البحث، في حين تتحمل الجامعات في الخارج والخليج قيمة النشر بالكامل (100%).

وأكد أن هذا العجز المالي يضطر العلماء المصريين إلى العزوف الإجباري عن النشر الدولي، وهو ما يهبط بترتيب الجامعات المصرية في تصنيفات مثل شنغهاي وQS كضريبة مباشرة لإهمال العنصر البشري والمادي.

https://www.facebook.com/photo?fbid=122297551556034666&set=pcb.122297551652034666

أما تاريخياً، فإن ما يتردد شعبياً عن وصول جامعة القاهرة للمرتبة الخامسة عالمياً في عهد الرئيس مبارك ليس سوى مغالطة إعلامية كلاسيكية؛ حيث كان ذلك التصنيف الصادر عام 1961 (في عهد عبد الناصر) يقيس الكثافة الطلابية العددية فقط كأكبر كتلة بشرية، وليس الكفاءة الأكاديمية. ففي عهد مبارك، كانت جامعة القاهرة تتأرجح خارج أفضل 550 جامعة عالمياً، ولم تدخل تصنيف شنغهاي لسنوات طويلة.

 

تفكيك "بدعة" التصنيفات بعيون وزير التعليم السعودي الأسبق

وسط حمى الجري خلف التصنيفات، يطرح الدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم السعودي الأسبق، قراءة نقدية حادة ومفككة لهذه المنظومة عبر حسابه الرسمي على منصة إكس @aleissaahmed، مشيراً إلى أن هذه التصنيفات تحولت من أدوات قياس إلى مساحة للدعاية والتجارة.

ولخص الدكتور العيسى أهم أبعاد هذه "البدعة" في سبع نقاط أساسية:

الفارق الجوهري بين التصنيف والاعتماد الأكاديمي: التصنيف يعتمد على أرقام مجمعة ومؤشرات تسويقية قد لا تعكس الواقع، بينما الاعتماد الأكاديمي عملية صارمة لضمان الجودة عبر فحص ميداني حقيقي للمناهج والمعامل.

الأصول التجارية للتصنيفات: بدأت كـ "مادة صحفية جاذبة" عام 1983 عبر صحيفة US News، ثم تحولت لتجارة وإعلام مع ظهور تصنيف شنغهاي (2003) وQS والتايمز (2004) اللذين انفردا لتحقيق مكاسب مالية إضافية.

تحول الوسيلة إلى غاية: تسعى الجامعات اليوم لتحسين مركزها في التصنيف كهدف تسويقي ودعائي بحت شبيه بتصنيفات الفنادق، مما يغفل الهدف الأساسي للتعليم.

منهجية معيارية ظالمة: تحاول هذه المؤشرات اختزال الجامعات كمؤسسات حضارية متنوعة غير ربحية داخل نموذج قياسي موحد وجاف ($Benchmarking$).

المكاسب المالية المستترة لمؤسسات التصنيف: تحقق تلك المؤسسات مكاسب هائلة من تقديم "خدمات استشارية مدفوعة الأجر" لتدريب الجامعات على كيفية التلاعب بالبيانات والصعود في الترتيب، إلى جانب بيع التقارير ورعاية المؤتمرات.

مخاطر تدمير جودة التعليم: إن إقحام هيئات الاعتماد الرسمية في لعبة النقاط والتصنيفات سيعصف بمصداقية العملية التعليمية ويحولها لمجرد منافسة إعلامية مبتذلة.

نموذج كبرياء "هارفارد": يختتم العيسى بنموذج لجامعة هارفارد عندما سُئل نائب رئيسها للشئون الأكاديمية عن تراجع ترتيبها للمركز الخامس في أحد التصنيفات، فرد ساخراً: "هل تمزح معي؟ هارفارد لا تلقي بالاً لتلك التصنيفات، فهي أكبر من المؤسسات التي تصدرها، ونحن من نُقيم برامجنا داخلياً بأنفسنا".

https://x.com/aleissaahmed/status/2048420866564755936