هل ربح المصريون شيئا فى زمن الانقلاب منذ انقلاب العسكر على الدكتور محمد مرسى ، أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ البلاد ، الإجابة البسيطة التى يدركها كل مصرى بداية من المواطن البسيط وغير المتعلم إلى الحاصل على شهادات عليا أن المصريين خسروا كل شيء فى هذا الزمن الأسود – وعلى رأسها كرامتهم – الذى جاء بشخص مثل عبدالفتاح السيسي ليتحكم فى مصيرهم ويبيع أرضهم ويغرقهم فى الديون ويجعل البلاد مهددة بالإفلاس بل ويضيق عليهم فى الحصول على لقمة العيش عبر رفع الأسعار وخفض الدخول من خلال تهميش قيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية بجانب مسلسل فرض الرسوم والضرائب الذى لا يتوقف .
الأزمات التى يعانى منها المصريون فى زمن الانقلاب تؤكد أن الاقتصاد المصرى فى طريقه إلى الانهيار وأن الكارثة الكبرى قادمة لا محالة وأن من يتحمل مسئولية الانهيار هو السيسي وعصابة العسكر .
موارد ريعية
فى هذا السياق قال "مركز أمد للدراسات" إن أسباب الأزمة تراكمية، تتحمل مسئوليتها حكومات الانقلاب المتتابعة لاعتمادها على الموارد الريعية، فيما يتعلق بالنقد الأجنبي، من خلال عوائد قناة السويس، وايرادات السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية في قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة، مكنت من حالة الضعف لأداء الاقتصاد المصري.
وأكد المركز فى ورقة بحثية حول الأزمة الاقتصادية فى زمن الانقلاب أن الاقتصاد المصري لهذا السبب يتأثر سلبيًا، كلما مرت المنطقة أو العالم بأزمة سياسية أو اقتصادية، فتتراجع عوائد السياحة، وتتناقص إيرادات قناة السويس، وتكون تحويلات العاملين بالخارج عرضة للنقص، ويكون الاقتصاد المصري، في موقع المتغير التابع في معادلة العلاقات الاقتصادية الدولية.
وأشار إلى أن اهتمام حكومات الانقلاب بعد يوليو 2013، توجه للتوسع في البنية الأساسية، بشكل يزيد على الاحتياجات التنموية، وهو ما ساهم في التفريط في الموارد المالية المتاحة من قروض ومساعدات، موضحا أن إنشاء البنية الأساسية يكون مرتبطا بالتنمية العمرانية المنتظرة، وهو ما لم يحدث في مصر، فالعاصمة الإدارية الجديدة على سبيل المثال، لا ينتظر منها استيعاب أعداد كبيرة من السكان، ولكنها ستضم قلة من الأغنياء، القادرين على نفقات المعيشة بها، كما أنها في مجمل مشاريعها العمرانية تخاطب الخارج.
وكشف المركز أن حكومات الانقلاب تجاهلت أن يكون لديها برامج حقيقية، فيما يتعلق بالاستثمار الحقيقي، في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، كما تجاهلت تقديم برنامج للتخلص من الديون المحلية والخارجية، بما يمكنها من حسن توجيه المتاح من إيرادات الموازنة للتعليم والصحة وانتاج التكنولوجيا.
جذب الاستثمارات
وشدد على أن حكومات الانقلاب حتى الآن، فشلت في جذب استثمارات مباشرة، يمكنها أن تحسن من أداء الاقتصاد المصري، وتقلل من اعتماده على الخارج، أو تساعد في توطين التكنولوجيا، لافتا إلى أن معظم الاستثمارات الأجنبية في قطاعات استخراج النفط والغاز، وفي قطاعات السياحة، والعقارات، أو الخدمات المالية، خاصة تلك التي تأتي في إطار برنامج الخصخصة.
وأكد المركز أن هذه التوجهات في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة، جعلت الاستثمارات عبئا على الاقتصاد المصري، من خلال إخراج هذه الشركات أرباحها من السوق التى تقدر بمليارات الدولارات في الوقت الذي تعاني فيه مصر أزمة في النقد الأجنبي .
وحمل حكومات الانقلاب المتعاقبة منذ يوليو 2013، المسئولية عن الأزمة الاقتصادية لأنها هي من تضع السياسات وتنفذها، وتعقد الاتفاقيات الدولية، للديون والاستثمار الأجنبي، وغير ذلك من الأمور التي ينتج عنها التزامات مادية، موضحا أن هذه الحكومات هي التي رأت أن الدخول مع صندوق النقد في 3 برامج هو المخرج من أزمتها الاقتصادية، والحقيقة أن الأمور ازدادت تعقيدًا.
وأوضح المركز أن اللجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على قروض، لم يكن مجرد نزهة، بل فاتورة كبيرة دفعها المصريون، عبر تخفيض قيمة الجنيه من نحو 9.5 جنيه للدولار قبل عام 2016 إلى ما يصل إلى 53 جنيها في 2026 وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة ثروات ومدخرات المصريين، بنحو 60%، وعمَّق من ظاهرة الدولرة، واكتناز الذهب فيما تبقى للمصريين من مدخرات، وحرم هذا الأمر المجتمع من استثمار تلك الأموال التي تم إخراجها من الدورة الاقتصادية للمجتمع.
فوائد الديون
وأكد أن حكومات الانقلاب توسعت في الاقتراض الخارجي والمحلي دون رؤية اقتصادية سليمة، موضحا أن الديون العامة، ما لم توجه للاستثمار والإنتاج، تظل عبئا على الأجيال الحالية والمستقبلية، وهو ما زاد نسبة فوائد الديون فى أزمة الموازنة العامة للدولة حيث أصبحت الديون تصل إلى نسبة 40% تقريبًا من إجمالي الإنفاق العام .
ولفت المركز إلى أنه من الطبيعي في ظل هذه النسبة المرتفعة للفوائد من الإنفاق العام، أن يتراجع الاهتمام بالإنفاق على الصحة والتعليم والاستثمار، وهو ما تولد عنه تراجع مستوى المعيشة للمصريين بشكل عام، معربا عن أسفه لأن حكومات الانقلاب تعمل على تنفيذ برنامج للخصخصة، بدون حدود حتى أصبح كل شيء قابلا لأن يدخل في إطار برنامج الخصخصة، خاصة بعد العمل بما يعرف بقانون صندوق مصر السيادي.
وقال فى هذا السياق قامت حكومات الانقلاب بتصفية صروح صناعية أقيمت منذ الستينيات وكانت عمدا للاقتصاد المصري، في قطاعات الحديد والأسمنت والورق، مما ترتب عليه زيادة اعتماد مصر على الخارج، وارتفاع قيمة الواردات، مؤكدا أن الأجهزة والهيئات الرقابية تتحمل مسئولية الأزمة الاقتصادية بجانب الحكومات لأنها لم تمثل صمام أمان للمجتمع المصري تجاه التصرفات والسياسات غير السليمة للحكومات ولم تنجح في تقليل معدلات الفساد في الأداء الحكومي، وما نتج عنه من أضرار اقتصادية واجتماعية أصابت المجتمع في مقتل.
وأكد المركز أن مجلس نواب السيسي يكتفي أعضاؤه من المعارضة بمجرد إلقاء بيانات عند مناقشة الموازنة العامة لدولة العسكر، أو مناقشة بعض القوانين، بينما تمرر حكومة الانقلاب كل ما تريد في الجوانب الاقتصادية وغيرها، مما يعد تفريغًا لهذا المجلس من دوره ووظيفته.
فئران تجارب
وأكد الخبير الاقتصادي محمد الهواري أن ما تفعله حكومة الانقلاب حاليًا لا علاقة له من قريب أو بعيد بتطبيق برنامج إصلاحي، ولا حتى بالمقاييس الرأسمالية أو النيوليبرالية؛ بل لا يعدو مجموعة من التحركات اليائسة البائسة، ليس للإصلاح الكلي أو الجزئي، ولا حتى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ بل مجرد: "إصلاح ما يُمكن إنقاذه"، مشيرا إلى أن ذلك يتم بعشوائية شديدة لمحاولة تنفيذ شروط مؤسسات التمويل الدولية، من أجل الحصول على المزيد من القروض التي قد تجنبنا الانهيار الكامل لفترة معينة، ولكنه قادم لا محالة.
وقال الهوارى فى تصريحات صحفية إن ما يُتخذ حاليًا من إجراءات اقتصادية يأتي في سياق لا يحتمل مثل تلك المجازفات غير المحسوبة، ووفقًا لآليات ملتبسة بشدة، موضحا أنه لا يعترض على "التفكير من خارج الصندوق" لكن "التفكير خارج الصندوق" لا يعني أن يتحول شعب بالكامل إلى مجموعة من فئران التجارب، تُجرب فيهم باسم الإصلاح أفكارًا لا أساس عملي لها ولا مرجعية أكاديمية، ولم تسبقها دراسات جدوى أو مخاطر، ولم يرها التاريخ قبلاً، مثل أن تنتقي وقتا ينكمش فيه الاقتصاد بدرجة كبيرة، وتتراجع فيه القوة الشرائية بنسبة 50% على الأقل لاستحداث ضريبة كضريبة القيمة المُضافة .
واشار إلى أنه لا يوجد أي مبرر منطقي لإعادة هيكلة الدعم ككل سوى الكلام المُكرر عن الحاجة إلى خفض عجز الموازنة، وهي إجابة غاية في السذاجة، لأن أي طالب علوم اقتصاد في الفرقة الثانية يعلم جيدًا أن خفض الدعم دون زيادة في الأجور يؤدي غالبًا لخفض الحصيلة الضريبية للدولة، ما يعني عجزًا في متحصلات الخزانة العامة أكبر مما وفره خفض الدعم، مشددا على أن هيكلة الدعم هي أداة لإزالة تشوهات سعرية موجودة في الاقتصاد الوطني في أوقات الانتعاش الاقتصادي والارتفاع المطرد في الأجور، وليست وسيلة للتوفير وسد عجز الموازنة في أوقات الأزمات الاقتصادية.
عبقري عصره
وأوضح الهوارى أن من يضطر إلى رفع مخصصات الخدمات والمواد الأساسية مثل الكهرباء والمياه والغاز والوقود في ميزانيته الشخصية، دون أن تتوفر لديه زيادة في الدخل؛ سيضطر إلى تخفيض إنفاقه على بنود محورية أخرى كالملابس والمأكولات والترفيه والتعليم، مما يسبب ركودًا في تلك الأسواق. وبالتالي ستنخفض الحصيلة الضريبية بصرف النظر عن الهيكل الضريبي المُطبق.
وتساءل عمَّن هو عبقري عصره وزمانه، صاحب فكرة إيجاد آليات جديدة لتمويل ودعم وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة – سواء من خلال ضوابط التمويل التي وضعها البنك المركزي أو عبر قروض الصندوق الاجتماعى للتنمية – دون فك مركزية إدارة المنظومة أولًا، ودون تفعيل لدور الأجهزة المعنية بمنع الاحتكارات وحماية المستهلك، وإعطائها ضبطية قضائية تكفل لها ضرب أي محاولات من كبار المنتجين والتجار لتدمير هذه المشروعات باعتبارها منافسة لهم، وكذلك في ظل غياب تشريعات تُمكن الدولة من تشريح أو حل ثم إعادة تركيب الشركات التي يتضح من خلال توسعاتها واستراتيجية عملها أن لها طموحات احتكارية تضر بصالح المستهلك؟، مؤكدا أنه بدون كل تلك الإجراءات ستكون جميع مجهودات دعم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة ضربًا من العبث.
وأشار الهوارى إلى أن الأمر لا يختلف كثيرًا في القوانين التي تسنها حكومة الانقلاب وتحظى بموافقة مجلس نواب السيسي، انطلاقًا من منهج المجلس في الطاعة العمياء. يفترض أن تلك القوانين "جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي"، من حيث ما تقدمه للمستثمرين من تسهيلات وإعفاءات من ناحية، وقدرتها على مكافحة الفساد من خلال ضبط وإصلاح الجهاز الإداري للدولة من ناحية أخرى. وهي قوانين الاستثمار الموحد، والخدمة المدنية والحد الأقصى للضريبة على الدخل، وإجراءات كتعليق العمل بقانون فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية للتعاملات بالبورصة.
الخصخصة
وقال : نحن على ما يبدو أمام حكومة تظن أنها كلما توسعت في إصدار قوانين للاستثمار بلا ضابط أو رابط بمبدأ "هات استثماراتك وتعالى"، ستجذب مستثمرين جددًا، ربما يحدث ذلك فعلاً، ولكنها في الأغلب لن تكون استثمارات جادة. فهذا السياق جاذب للمغامرين ومستثمري "اضرب واجرى"، ممن يبحثون عن مكسب سريع، لا يفيد الأهداف الوطنية المتطلعة لتحقيق الاقتصاد الراسخ والتنمية مستدامة.
وأكد الهوارى أن المستثمر الجاد يبحث عن بيئة أعمال مستقرة، وبالتالي يحتاج لقوانين منضبطة تحمى استثماراته، لا تسهيلات ضريبية ولا أراضى مجانية. ومثل هذا المستثمر لن يأتي إلى دولة تضغط على دخول موظفى جهازها الإدارى بقوانين مجحفة مثل قانون الخدمة المدنية، الذي يدفع الموظف إلى الفساد دفعًا كى يتمكن من الحصول على حد الكفاف.
واعتبر أن الإسراع في وتيرة الخصخصة يفتقد الحد الأدنى من الرشد الاقتصادي في ظل الظروف الحالية، محذرا من أن بيع القطاع العام سيؤدي إلى نوع من انفلات الأسعار بدرجة ما، وسيزيد حتمًا من نسب البطالة، وبالتالي ستنتج عنه اضطرابات اجتماعية مختلفة، كالاعتصامات والإضرابات التي لا يجب التعويل على القبضة الأمنية في مواجهتها لكونها منطلقة من اختناق اقتصادي حقيقي، وستؤثر هذه الاحتجاجات على الطاقات الإنتاجية الموجودة.