ماذا لو استمر الرئيس محمد مرسي في حكم مصر؟

- ‎فيتقارير

في يونيو 2026 وتحديدا في 17 من الشهر قبل 7 سنوات، جاء تخلص الانقلاب من الرئيس الشهيد محمد مرسي سواء بمادة قاتلة، أو على الأقل بالقتل البطيء الذي حذر منه هو نفسه بالتوازي مع قراءة واستشراف مبني على أراء المؤشرات والنشطاء بعد مرور أكثر من عقد على أحداث 2013.

شكل السؤال الافتراضي "ماذا لو استمر عصر الرئيس محمد مرسي ولم يحدث تدخل الثالث من يوليو؟" مادة خصبة ومستمرة للنقاش السياسي والاقتصادي في مصر. لم يكن هذا التساؤل مجرد محاولة لاستدعاء الماضي، بل تحول مع مرور السنوات – وبلوغ عام 2026 – إلى أداة تحليلية لمقارنة المآلات والواقع المعيش مع مسار ديمقراطي وليد قُطعت مجاريه مبكراً.

 

تأتي أهمية السؤال في تفكيك المشهد عبر استعراض دقيق وموسع لشهادات وأقوال نخبة من الصحفيين، الباحثين، والنشطاء الذين تفاعلوا مع هذا التساؤل الأصلي، مقدمين قراءات موضوعية واستنباطات سياسية واقتصادية ترسم ملامح "مصر البديلة" في حال استمرار التجربة المدنية المنتخبة.

مسار الحرية وتداول السلطة (بناء الدولة المدنية)

 

أجمع باحثون وصحفيون على أن استمرار الرئيس مرسي لم يكن يعني بالضرورة "تأبيد حكم الإخوان" كما روجت الأذرع الإعلامية، بل كان سيعني ترسيخ "صندوق الانتخابات" كآلية وحيدة لإدارة الخلاف السياسي وتداول السلطة.

وهو ما أكد عليه الكاتب الصحفي قطب العربي عبر  Kotb El Araby على فيسبوك وأشار إلى أن صياغة السؤال التي تفترض استمرار الإخوان حتى الآن تنطلق من فرضية خاطئة؛ إذ إن الميزة الأساسية لتلك الفترة كانت الديمقراطية والتعددية، ويؤكد أنه لو استمرت تلك الحقبة وفقاً لدستور 2012، لكانت مصر قد شهدت حتى اليوم 3 انتخابات رئاسية تنافسية وحقيقية ونزيهة، ولكان من المتوقع تماماً أن يتداول الحكم قوى سياسية أخرى غير الإخوان، وربما كنا سنتعرف على رئيسين أو ثلاثة بخلاف محمد مرسي بعد نهاية دورته الأولى في عام 2016، كما كان سينتج عن ذلك برلمان حقيقي ممثل لكل الأطياف (يمين، يسار، سلفيين) قادر على مساءلة السلطة التنفيذية وحكومات تحترم الشعب وتخضع للرقابة الشعبية بعيداً عن طبخات الأجهزة الأمنية.

 

                https://www.facebook.com/photo?fbid=10162251879431749&set=a.10151753808401749

أما الحقوقي محمد رمضان وعبر @m2omar3 فأشار إلى طبيعة شخصية وتوجهات الرئيس مرسي، حيث يؤكد أنه "لم يكن رجل صدام ولا شخصية دموية"، وكان يهدف بالأساس إلى العبور بمصر من مرحلة انتقالية صعبة دون إراقة دماء، ويستنبط من هذا الحديث أن استمرار حكمه كان سيحمي السلم المجتمعي، ويمنع نشوء دولة السجون والمعتقلات السياسية، ويحافظ على دماء المصريين التي أهدرت لاحقاً في الميادين نتيجة إصرار الدولة العميقة على الحل العسكري.

المآلات الاقتصادية ومعيشة المواطن والتنمية

 

وشكل الجانب المعيشي والمؤشرات الاقتصادية المقارنة المادة الأكثر تفاعلاً بين النشطاء والمواطنين، خاصة في ظل القفزات غير المسبوقة في معدلات التضخم والديون والانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه مصر بظل الانقلاب الذي كان عبد الفتاح السيسي والعصابة رافعته الرئيسية.

وقدم  الأكاديمي أحمد عبد الباسط عبر @Ahmed Abdel-Basit Mohamed مقارنة موضوعية وملموسة لما كانت ستكون عليه حياة المواطن؛ فلو استمر هذا العصر لظلت أسعار السلع الأساسية (كالغاز، واللحوم، والدواجن) عند مستويات آمنة ومناسبة لدخل الأسرة المصرية بدلاً من القفزات الجنونية الحالية، والأهم من ذلك في نظره، هو الجانب التنموي والبشري؛ إذ إن غياب الـ 100 ألف سجين سياسي كان سيعني وجود هؤلاء الشباب والعلماء والصحفيين في جامعاتهم ومكاتبهم يشاركون في بناء بلدهم بدلاً من هدر أعمارهم في الزنازين، كما أن الجامعات كانت ستظل منبراً للفكر والحرية لا ساحة لأمن الدولة والمخبرين، مع وجود أحزاب ومعارضة حقيقية تحمي الاقتصاد من القرارات الفردية الفاشلة.

كما أوضحت عبر تحليل وتوثيق الصحفية شيرين عرفة  @shirinarafah أن استمرار الحكم المدني كان سينأى بمصر عن مسار "التدمير والخراب الممنهج" الذي تمر به الدولة حالياً، والذي سبق وأن وصفت ملامحه بكل دقة صحيفة الإيكونوميست البريطانية في تقريرها الشهير عام 2016 بعنوان "خراب مصر على يد السيسي".

وترى أن التدهور الاقتصادي وضياع مقدرات الدولة يمثل نكسة حقيقية تفوق في أثرها الهزائم العسكرية، وهو ما اعترف به النظام الحالي ضمنياً عبر تشبيه أزماته بفترة نكسة 1967.

        https://x.com/shirinarafah/status/1854634263855219051

 

مؤشرات "مؤسسة مرسي للديمقراطية"

وعبر  @morsidemocracy  أكدت المؤسسة في استعراض لها ومن خلال رصدها الأكاديمي أن استمرار الرئيس مرسي كان سيعفي البلاد من أزمة الديون الخارجية الباهظة التي بلغت مستويات كارثية وتجاوزت 157 مليار دولار، وتؤكد أن الدولة كانت ستلتزم بالنسب الدستورية المقررة للتعليم والصحة (3% لكل منهما من الموازنة)، مما كان سيكفل رفع كفاءة المنظومة الطبية والتعليمية ودخول الجامعات والمستشفيات المصرية ضمن التصنيفات العالمية، بالإضافة إلى جذب استثمارات حقيقية نتيجة أجواء الحرية وسيادة القانون.

        https://x.com/morsidemocracy/status/1808467478567125429

السيادة الوطنية والملفات الإقليمية الاستراتيجية

 

وتجمع الشهادات والتحليلات السياسية على أن هندسة العلاقات الخارجية في عهد الرئيس مرسي كانت تميل إلى الندية واستقلالية القرار القومي والتمسك بالحقوق التاريخية.

الصحفي وائل قنديل وعبر  @waiel65 اتفق مع من سبقه من المشاركين ومنهم قطب العربي في تحليلهما على أن بقاء الرئيس مرسي في السلطة كان سيمنع الكوارث الاستراتيجية التي حلت بمصر؛ فلم يكن ليوقع على "اتفاق المبادئ" لعام 2015 الذي شرعن بناء سد النهضة الإثيوبي وحرم مصر من شريان حياتها لأول مرة في التاريخ. كما كان سيمتنع قطعياً التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أو التنازل عن حقول غاز المتوسط، أو بيع أراضي وجزر الدولة (مثل رأس حكمة) لمستثمرين خارجيين وفاءً لديون عبثية، ويصف قنديل الدفاع عن الوضع الحالي بأنه نوع من "الوثنية السياسية" التي تستخدم للتغطية على الفشل والتبعية الكاملة.

        https://x.com/waiel65/status/1807362078417555916

الموقف من القضية الفلسطينية والعدوان على غزة.

والإعلامي محمد جمال هلال وعبر  @gamal_helal استحضر الموقف التاريخي المشهود للرئيس مرسي إبان حرب غزة عام 2012 والتي توقفت بكلمة وشروط من مصر وليس من أمريكا، ويؤكد أن غزة وفلسطين افتقدتا المواقف والأفعال الحقيقية والذمة النزيهة، ويستنبط من كلامه أن استمرار الحكم المدني كان سيمنع تغول الكيان الصهيوني، ولم تكن مصر لتسمح باحتلال الجانب الفلسطيني من معبر رفح أو خنق الأشقاء والمتاجرة بدمائهم، بل كانت مصر ستستعيد دورها القيادي في تفعيل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

تفكيك خطابات التوجيه المعنوي والسخرية السياسية

 

ولم تخلُ تعليقات الباحثين من استخدام الكوميديا السوداء والمقارنات الحادة لتفنيد المزاعم والبروباغندا الإعلامية التي استخدمت لشحن الشارع في 2013.

وسلط سامح سعيد  @samehsaied19 الضوء على المفارقة الحادة؛ حيث يرى أن الصعود الحالي هو في الواقع "صعود إلى الهاوية"، مستعرضاً كيف تحولت الوعود الوردية لـ 30 يونيو إلى واقع مرير ارتفعت فيه الأسعار وتدهورت قيمة العملة بشكل غير مسبوق، مما يثبت زيف كافة التحذيرات السابقة التي ادعت أن استمرار الإخوان سيخرب الاقتصاد.

        https://x.com/samehsaied19/status/1938758219666772308

أما تحليل الكاتب والصحفي نظام المهداوي  @NezamMahdawi فقدم الحديث عن دور النخب مبيناً كيف قادت جبهة الإنقاذ وشخصيات مثل البرادعي وباسم يوسف الشارع بدعوى "إنقاذ الثورة وتحقيق العدالة الاجتماعية"، ويرى المهداوي أن النتيجة الحتمية لإجهاض حكم مرسي لم تكن سوى تحويل مصر إلى معتقل كبير وتراجع دورها الإقليمي، معتبراً أن الحرية التي منحتها حقبة مرسي لهؤلاء الإعلاميين هي التي صنعت نجوميتهم، ومبدياً أسفه على صمت وتراجع تلك النخب عن الاعتراف بالجرم التاريخي الذي شاركوا فيه وسلّموا بموجبه البلاد لحكم عسكري أضر بالعباد والبلاد.

 

الاستنتاج العام للتقرير

 

بناءً على القراءات المتقاطعة والشهادات الموثقة للباحثين والنشطاء حتى عام 2026، يمكن صياغة خلاصة واضحة للإجابة على التساؤل الأصلي: إن استمرار الرئيس محمد مرسي في حكم مصر كان سيعني بالدرجة الأولى العبور بالبلاد إلى بر الأمان الدستوري والسياسي عبر ترسيخ التعددية، وحماية الأصول الاستراتيجية والمائية للدولة من البيع والتنازل، وإدارة الملف الاقتصادي بأولويات تنموية (تعليمية وصحية) وبشرية تحمي المواطن البسيط، بدلاً من الدخول في نفق الاستدانة المفرطة والتبعية السياسية.

نتائج تتطلب عودة منهجية مرسي

وفي ورقة نشرتها الباحثة سحر خميس عبر "منظمة واشنطن دي سي" أكدت أنه سبق وفاة الرئيس مرسي وتلتها تطورات لا تقل خطورة؛ فبعد فوزه عام 2012 في أول انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية في تاريخ مصر في أعقاب ثورة 2011 التاريخية، واجه مرسي جملة من التحديات الاستثنائية، بالإضافة إلى المسؤولية الجسيمة المتمثلة في إدارة دولة بحجم مصر جغرافياً وسياسياً وديموغرافياً، حيث كان مُطالباً بحل مشكلاتها العديدة المتراكمة طوال 30 عاماً من الحكم الاستبدادي لمبارك.

وأضافت أنه في حقيقة انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة تعرضت للاضطهاد والإقصاء لفترات طويلة تحت حكم الحكومات المصرية المتعاقبة، جلبت لمرسي على الفور الكثير من الأعداء والخصوم. وقوبلت التعليقات الاحتفالية الأولى مثل "نحن سعداء برؤية أول رئيس منتخب ديمقراطياً لمصر" باعتراضات من قبيل "كيف يمكننا أن نسعد برؤية أول رئيس إخواني لمصر؟". ولم يتوقف هذا الاستياء المبكر عند المستوى الفردي، بل توقفت المؤسسات السيادية الرئيسية مثل الجيش والشرطة والنظام القضائي والإعلام عن التعاون معه بعد فترة وجيزة من انتخابه، أو مساعدته في إدارة شؤون البلاد في ذلك الوقت المعقد، بل يمكن القول إنها تعمدت عرقلة أدائه وواجباته، وفي ظل خبرة مرسي السياسية المحدودة، انعكس ذلك سلباً على رئاسته وشعبيته، خاصة في عيون المعسكرات العلمانية والليبرالية التي كانت لديها مواقف مسبقة سلبية ضده بسبب خلفيته الإسلامية.

أحداث 2013 وتحول مشهد المعارضة

سرعان ما تم احتواء مظالم بعض فئات المجتمع المصري من قبل المؤسسة العسكرية، التي كانت تحكم مصر بمفردها تحت قيادة الرؤساء المتعاقبين منذ عام 1952، حيث أنهى الجيش حكم مرسي الذي استمر لعام واحد واعتقله في يوليو 2013. واعتبرت بعض الفئات أن ما حدث انتفاضة شعبية أو "ثورة ثانية"، بينما رآه آخرون "انقلاباً عسكرياً مدعوماً شعبياً" لشرعنة الاستيلاء العسكري على السلطة، ولكن أياً كانت التسمية، فإن خروج مرسي من المشهد كان بمثابة بداية لمرحلة جديدة في التاريخ المصري.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت مصر تشهد زيادة غير مسبوقة في قمع المعارضة السياسية، والتي بدأت بضرب خصوم النظام في المعسكر الإسلامي؛ حيث جرى حظر جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها منظمة إرهابية، مما أدى إلى موجة اعتقالات هائلة استهدفت أعضاءها، وحكم على كثير منهم بأحكام سجن طويلة، وتوفي بعضهم داخل السجن، ومن بينهم المرشد العام السابق للجماعة محمد مهدي عاكف، وسرعان ما اتسعت هذه الإجراءات القمعية لتشمل رموز المعارضة من مختلف التوجهات السياسية والأيديولوجية، كما شهد المجتمع المصري تكميماً واسعاً لوسائل الإعلام وقيوداً على حرية التعبير، تمثلت في غلق العديد من المنافذ الإعلامية والمواقع الإلكترونية، واعتقال الصحفيين والمدونين والنشطاء، وتمرير قوانين تقيد الصحافة، وتأسيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

ويمتد هذا المشهد القاتم لكيفية التعامل مع مرسي أثناء رئاسته وبعد الإطاحة به إلى طريقة التعامل مع وفاته؛ فلم يشر التلفزيون الرسمي إليه بصفته رئيساً سابقاً، بل ذكر اسمه مجرداً في بيان مقتضب يفيد بوفاته أثناء جلسة محاكمة. وبالمثل، ذكرت الصحف القومية اليومية خبر وفاته في أسطر قليلة في الصفحات الداخلية، وحُرم من إقامة جنازة عامة أو خاصة، ولم يُسمح سوى لـ 8 أفراد من عائلته بالصلاة على جثمانه داخل السجن قبل دفنه في مقبرة بجوار محمد مهدي عاكف في إحدى ضواحي القاهرة، بدلاً من مقابر عائلته في محافظة الشرقية كما طلب في وصيته. وبررت الحكومة سلوكها بصياغة هوية مرسي كعضو في تنظيم إرهابي محظور يحاكم بتهمة الخيانة، وليس كرئيس دولة سابق يستحق وداعاً يضمن كرامته.