رصد مراقبون وجود فجوات وتناقضات بين الأهداف المعلنة وآليات التطبيق الميداني، خاصة فيما يتعلق بحركة تداول المحاصيل داخلياً وسياسات التصدير والشراء.
وفقاً للتصريحات الرسمية الصادرة عن رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي، فإن الدولة تبذل جهوداً مكثفة للحفاظ على ثبات الأسواق وتقليل التضخم، مشيراً إلى أن المستهلك بات يشعر بحالة من الاطمئنان النسبي انعكست على ترشيد الاستهلاك والشراء وفقاً للاحتياجات الفعلية فقط.
وتقود استراتيجية حكومة مدبولي على التصدير من أجل الاستيراد حيث يتبنى إستراتيجية إنتاج محاصيل معينة مخصصة للتصدير بهدف توفير تدفقات من العملة الصعبة، والتي تُستخدم لاحقاً في تغطية كلفة استيراد السلع الإستراتيجية النادرة محلياً، وعلى رأسها القمح.
ويربط الخطاب الرسمي عدم القدرة على الوصول إلى إنتاج محلي كامل بنسبة 100% بوجود عائق طبيعي أساسي ومستمر، وهو محدودية الموارد المائية المتاحة للبلاد وأنه لا اكتفاء من القمح كمثال.
في بنية الإنتاج وحركة السوق
في مقابل السردية الرسمية، يشير خبراء ومراقبون إلى مجموعة من الإشكاليات الهيكلية والقرارات الجدلية التي تؤثر سلباً على المعروض في الأسواق المحلية:
1. معضلة التمويل والجدوى من مشاريع الاستصلاح
أثار الباحث والمحلل د.محمد الشريف عبر حسابه المعرف بـ @MhdElsherif) تساؤلات حول العائد الفعلي من ميزانيات الاستصلاح الكبرى، فبمقارنة الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، يتبين أن المساحة المزروعة ارتفعت من حوالي 9.1 مليون فدان عام 2016 لتصل إلى حوالي 10.4 مليون فدان في موسم 2023-2024، بزيادة تقدر بـ 1.3 مليون فدان.
والمساحة المحصولية الإجمالية (التي تشمل زراعة أكثر من محصول في الأرض الواحدة سنوياً) بلغت 15.8 مليون فدان عام 2016، وارتفعت إلى 17.0 مليون فدان في أكتوبر 2025 بزيادة إجمالية بلغت 7.5% فقط على مدار نحو عقد من الزمن.
وعقب المدون M.Shaaban (@shaaban77 على هذه الأرقام موضحاً أن هذه الزيادة الطفيفة تؤكد أن مشاريع الاستصلاح الواسعة لم تقدم الزيادة المطلوبة في الإنتاج؛ بسبب "أزمة المياه" التي حذر منها الخبراء مسبقاً. واعتبر أن حل الأزمة لا يكمن في التوسع الأفقي المكلف للأراضي، بل في تحسين الإنتاجية الزراعية وتطوير البحث العلمي المتخصص.
التدخل الإداري وتأثيره على أسعار التداول
ويرى بعض الناشطين والمراقبين لحركة الأسواق، مثل حساب @Egyprince7، أن هناك قرارات تنظيمية تؤدي بصورة غير مباشرة إلى إحداث تشوهات في السوق المحلية. وتشمل هذه الانتقادات فرض حظر أو قيود على تنقل الحاصلات الزراعية بين المحافظات، مما يتسبب في تراجع كميات المعروض بالأسواق الحرة وارتفاع أسعارها (مثل وصول سعر الطماطم إلى مستويات قياسية).
وإلزام المزارعين بتسليم المحاصيل بأسعار توصف بالمنخفضة لصالح الصوامع الحكومية أو محطات فرز وتصدير تابعة لجهات متنفذة (مثل محطات التصدير المرتبطة بحزب مستقبل وطن)، مما يحرم الفلاح من تحقيق هامش ربح عادل، ويجعل الدولة تتحكم في المعروض المحلي بناءً على فوائض عملية التصدير.
العوامل الفنية الحاكمة لحركة السلع
من الناحية الفنية والاقتصادية، يؤكد المتخصصون في تداول السلع أن الأسواق المحلية تخضع لعدة مؤثرات طبيعية وإجرائية تساهم في صياغة السعر النهائي للمستهلك، حيث تمر محاصيل مثل الطماطم بارتفاعات دورية حتمية خلال "فاصل العروات" (خاصة بين العروات الصيفية والشتوية) حيث ينتهي موسم الحصاد القديم قبل نزول إنتاج الموسم الجديد، مما يقلل المعروض مؤقتاً.
وتؤدي موجات الحرارة المرتفعة أو الصقيع المفاجئ إلى تلف مساحات من المحاصيل وتراجع إنتاجية الفدان الواحد. وتصدر الوزارة أحياناً قرارات تنظيمية مشددة لنقل محاصيل إستراتيجية (كالقمح) لضمان التوريد الإلزامي للصوامع ومنع الاحتكار والتهريب، في حين يفترض قانوناً أن تظل السلع الاستهلاكية اليومية (كالخضراوات والفاكهة) جارية بحرية عبر أسواق الجملة الكبرى (مثل سوقي العبور وأكتوبر) لضمان التوازن بين التصدير والاستهلاك المحلي.
وتظهر المؤشرات وجود فجوة واضحة بين رغبة الحكومة في ضبط الأسواق وتوفير العملة الصعبة عبر التصدير، وبين الواقع الميداني الذي يعاني فيه المستهلك من قفزات سعرية متتالية عقب قرارات رفع الوقود.
ويرى الخبراء أن إيجاد توازن حقيقي يتطلب مراجعة سياسات التوريد الإجباري، والتركيز على رفع كفاءة الفدان مائياً وعلمياً، لضمان ألا يأتي التصدير على حساب الكفاية الغذائية للمواطن محلياً.
وتتقاطع ملفات الأمن الغذائي، وإدارة الحاصلات الزراعية، والتجارة الخارجية في مصر لتشكل أحد أكثر المحاور نقاشاً بين الأجهزة التنفيذية والمراقبين الاقتصاديين.
ويتعارض هذا الطموح اللوجستي للتوسع في معالجة وتخزين الحبوب مع السردية التي يطرحها مدبولي وسط معاناة بالأساس من عجز جوهري في إنتاجها محلياً بسبب أزمة المياه.