أثار احتجاز الصحفية السودانية درة قمبو في مطار القاهرة ثم ترحيلها قسريًا إلى الدوحة، موجة واسعة من الإدانات من نقابة الصحفيين السودانيين والمرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى عشرات الصحفيين والناشطين الذين اعتبروا الواقعة مؤشرًا خطيرًا على تدهور بيئة العمل الصحفي في مصر بالنسبة للسودانيين.
الواقعة التي بدأت مساء الجمعة، حين وصلت قمبو إلى القاهرة بموافقة أمنية مسبقة، تحولت خلال ساعات إلى قضية رأي عام سودانية، بعدما كشفت الصحفية عن تفاصيل احتجازها لمدة 16 ساعة، ومنعها من الماء والعلاج، ومصادرة هواتفها، قبل ترحيلها برفقة عنصر أمني مصري.
مطالبة بتوضيح رسمي من القاهرة
أصدرت نقابة الصحفيين السودانيين بيانًا شديد اللهجة، طالبت فيه السلطات المصرية بتفسير رسمي لأسباب منع درة قمبو من دخول البلاد رغم حصولها على موافقة أمنية مسبقة. البيان الذي انتشر على نطاق واسع عبر المنصات السودانية، أكد أن قمبو فوجئت بإدراج اسمها في قائمة الممنوعين من الدخول، رغم استيفائها الإجراءات القانونية كافة.
النقابة وصفت احتجازها لأكثر من 12 ساعة بأنه “غير إنساني”، مشيرة إلى أن السلطات المصرية جرّدت الصحفية من هاتفها وجواز سفرها، ومنعتها من التواصل الطبيعي، قبل ترحيلها قسريًا إلى الدوحة تحت حراسة أمنية.
ورأت النقابة أن ما حدث يمثل استهدافًا مباشرًا للصحفيين السودانيين الناقدين، وأن الواقعة ليست حادثًا فرديًا، بل جزء من “نمط أوسع من الضغط على الأصوات الصحفية المعارضة”، على حد وصف البيان.
المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان: انتهاكات متعددة للمواثيق الدولية
من جانبه أصدر المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان @SnohrSd بيانًا مطولًا في 16 مايو، أدان فيه بشدة احتجاز قمبو وترحيلها القسري.
وأكد المرصد أن ما تعرضت له الصحفية يمثل انتهاكًا صريحًا لعدد من الاتفاقيات الدولية، من بينها المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحرية التعبير، والمادة 12 الخاصة بحرية التنقل، والمادة 9 التي تحظر الاحتجاز التعسفي، إضافة إلى المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تحظر الإبعاد القسري إذا كان يُعرّض الشخص لخطر محتمل.
كما أشار البيان إلى أن تفتيش هواتف قمبو لمدة أربع ساعات، واحتجازها دون مبرر قانوني، يمثلان “تعسفًا واضحًا في استخدام السلطة”، ويقوضان الضمانات القانونية المتعلقة بحرية الحركة وسلامة الصحفيين.
وحذَّر المرصد من خطورة استخدام المنافذ الجوية كأداة للترهيب أو الإبعاد القسري بحق الإعلاميين، مؤكدًا أن حماية الصحفيين “ركيزة أساسية لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف”.
https://x.com/SnohrSd/status/1791469910208362827
صحفيون: مصر لم تعد بيئة آمنة
لم يتوقف الأمر عند بيانات النقابة والمرصد، بل فتح شهية عشرات الصحفيين السودانيين لانتقاد السلطات المصرية، معتبرين أن ما حدث مع قمبو يعكس تحول الموافقات الأمنية من إجراء تنظيمي إلى أداة جباية وابتزاز.
كتب الصحفي كمبال عبدالواحد في عدة منشورات أن قمبو احتُجزت في “التوقيف الخاص” بالمطار منذ الجمعة، رغم حصولها على الموافقة الأمنية، وأنها أُبلغت بعد وصولها بأنها ضمن قائمة المحظورين.
https://x.com/kambal/status/1791501234567890000
وأضاف عبدالواحد أن ترحيلها إلى الدوحة برفقة عنصر أمني “يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا مُنحت الموافقة الأمنية من البداية؟”.
كما كتب الصحفي يوسف النعمة @YousifAlneima منشورًا أكد فيه تفاصيل الاحتجاز والتفتيش والترحيل، معلنًا تضامنه الكامل مع قمبو
https://x.com/YousifAlneima/status/1791465432109875200
16 ساعة من الاحتجاز ومنع الماء والعلاج
في شهادتها التي انتشرت على نطاق واسع، قالت درة قمبو إن الساعات الست عشرة التي قضتها محتجزة في مطار القاهرة كانت “من أسوأ ما يمكن أن يعلق في الذاكرة”.
وأوضحت أنها وصلت إلى القاهرة بموافقة أمنية مسبقة، بعد دفع أكثر من 400 دولار لحجوزات السفر، لكنها قضت معظم الوقت داخل غرفة احتجاز “غير آدمية من حيث النظافة والمعاملة”.
وأضافت أنها مُنعت من الحصول على الماء والطعام لساعات طويلة، رغم حاجتها إلى أدوية خاصة بالقولون وارتفاع ضغط الدم، وأن هواتفها صودرت منذ اللحظة الأولى، وخضعت لتحقيقات متكررة حول عملها وزياراتها السابقة لمصر.
واتهمت قمبو السلطات المصرية بتحويل الموافقات الأمنية إلى “باب للابتزاز والتحكم”، مؤكدة أن احتجاز المرحلين في ظروف سيئة وحرمانهم من العلاج والاتصال “لا يتوافق مع أبسط الحقوق الإنسانية”.
اتهامات لقمبو بالعداء لمصر
في المقابل، ظهرت أصوات مصرية تبرر قرار المنع والترحيل. كتب محمد الديسطي @yehia5yehia أن قمبو “صحفية كارهة لمصر” ومن “أتباع الدعم السريع”، وأن إدراجها في القائمة السوداء “أمر طبيعي”.
https://x.com/yehia5yehia/status/1791587654321098765
هذه الرواية لم تلقَ قبولًا واسعًا في الوسط الصحفي السوداني، لكنها تعكس جانبًا من الخطاب المصري الرسمي وغير الرسمي تجاه الصحفيين السودانيين خلال السنوات الأخيرة.
وتكشف واقعة احتجاز وترحيل درة قمبو عن أزمة أعمق تتجاوز شخصًا واحدًا، وتمس علاقة مصر بالوسط الصحفي السوداني، بل وباللاجئين والمقيمين السودانيين عمومًا.
فبينما ترى النقابات والمرصد الحقوقي أن ما حدث يمثل انتهاكًا خطيرًا لحرية الصحافة وحقوق الإنسان، تصر السلطات المصرية على الصمت، تاركة المجال للتكهنات والتوترات.
وفي ظل غياب توضيح رسمي من القاهرة، تتزايد المخاوف من أن تتحول مصر — في نظر كثير من السودانيين — من دولة جارة تستضيف القوى السياسية والإعلامية، إلى بيئة غير آمنة للصحفيين والناشطين.