مثلث استنزاف المستهلك: ضرائب واحتكار وأكذوبة تصنيع محلي.. السيسي “شريك” في كل هاتف بمصر !

- ‎فيتقارير

ينقسم العبء على المواطن في سلعة الهواتف المحمولة إلى 10% جمارك، 5% رسم تنمية، 14% قيمة مضافة، 5% لوزارة الاتصالات، و1% أرباح تجارية، مضافاً إليها هوامش ربح الوكلاء. والنتيجة هي "اقتصاد جباية" يدفع فيه المصري ثمن فشل جذب الاستثمارات التصنيعية من قوته اليومي، بينما تظل وعود الوزارة بخفض الأسعار عبر زيادة الإنتاج (15 مليون جهاز) حبراً على ورق.

مقصلة "تريد لاين" والوكلاء

ويبدو السعر الرسمي يتجاوز المنطق بعدما رفعت شركة "تريد لاين" (الموزع المعتمد) أسعار "آيفون 17" بزيادات تصل إلى 10 آلاف جنيه، ليصل سعر الجهاز إلى 130 ألف جنيه، رغم رفعه مسبقاً في أغسطس الماضي.

وبينما يبلغ السعر العالمي للجهاز حوالي 1200 دولار، يُباع في مصر بما يتجاوز 2000 دولار، في وقت يتساءل فيه المراقبون عن دور "الموزع المعتمد" الذي يفترض حصوله على خصومات عالمية، ليفاجأ المستهلك بهامش ربح فج يتجاوز السعر العالمي بزيادة قدرها 200 دولار (على الأقل) حتى بعد إضافة كافة الضرائب، مما يشير إلى استغلال حالة الاحتكار.

الضرائب تلتهم ثلث قيمة الجهاز

وتفرض حكومة السيسي رسومًا جمركية وضريبية تصل في إجماليها إلى 38.5% على الهواتف المستوردة، تشمل رسماً مستحدثاً على أجهزة القادمين من الخارج.

ويرى المراقبون أن فرض 31 ألف جنيه ضريبة على جهاز استخدام شخصي للمغترب هو "جباية إجبارية" بذريعة حماية التصنيع المحلي، بينما الحقيقة هي سد عجز الموازنة وإرضاء شركات المحمول.

أكذوبة التصنيع المحلي

وانتاج مصانع الهواتف المحمولة في مصر خلال عام 2025 بلغ نحو 10 ملايين هاتف بين ذكية وتقليدية لعدد من العلامات العالمية على رأسها أوبو وفيفو وشاومي ونوكيا وسامسونج.

وتتوقع وزارة الاتصالات قفزة كبيرة في إنتاج الهواتف خلال عام 2026 بنسبة 50% ليصل إلى 15 مليون جهاز وذلك ضمن خطة تستهدف الوصول إلى إنتاج 100 مليون هاتف سنويًا بحلول عام 2030 يتم تخصيص 25% منها للسوق المحلي، مقابل 75% للتصدير إلى أسواق المنطقة.

وبتحليل الأرقام، فإن ما يحدث حالياً في أغلب المصانع هو "تجميع المكونات" (SKD)، أي استيراد الأجزاء الرئيسية من الخارج (الشاشة، اللوحة الأم، المعالج) وتركيبها في مصر. هذا لا يعتبر تصنيعاً كاملاً بقدر ما هو مرحلة نهائية. والأزمة هنا أن الدولة تفرض ضرائب على المستورد لحماية هذا "التجميع"، لكن النتيجة لم تكن انخفاض السعر، بل ارتفعت أسعار المجمع محلياً لتقترب من المستورد.

حتى أن شركات كبرى مثل (أوبو، ريلمي، فيفو) جمدت خطط توسعها أو أجلتها لعام 2027، بسبب تضاعف تكاليف الإنتاج والوقود ما يكشف عن مفارقة، حين يبرر المسئولون الضرائب بحماية "التصنيع المحلي"، ترتفع أسعار الهواتف المُصنعة بمصر بنسبة 15% شهرياً، لتصل أسعارها إلى أرقام تقارب المستورد.

ويصف النشطاء المشهد بأنه "حصار للمستهلك"؛ حيث تم منع دخول الهواتف من الخارج بحجة التصنيع، ثم رُفعت أسعار المصنع محلياً والمستورد معاً، ليصبح المواطن محاصراً بين جودة غائبة وسعر يمثل 3 أضعاف السعر العالمي.

فإذا كانت الشركات العالمية "تهرب" أو "تؤجل"، فكيف يمكن تسميته تصنيعاً محلياً ناجحاً؟ وإذا كان هناك تصنيع محلي فأين الميزة السعرية؟ على الأقل يكون أرخص بنسبة 40% لأنه لا يدفع جمارك كاملة ويوفر تكاليف الشحن.

السعر المحلي يحدده الوكلاء

بدأت الحكاية بقرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف الواردة من الخارج للاستعمال الشخصي، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2026، لينهي آمال الكثيرين في الحصول على تكنولوجيا حديثة بسعرها العادل، ويجبرهم على السقوط في فخ "السعر المحلي" الذي تحدده حفنة من الوكلاء تحت إشراف منظومة ضرائب لا تشبع.

وبات السيسي وصافي وهبه شريكاً "مضارباً" في كل هاتف محمول يدخل البلاد؛ فوفقاً للبيانات الصادرة عن مصلحة الجمارك والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، تصل إجمالي الرسوم والضرائب المفروضة على الهواتف المستوردة إلى نحو 38.5% من قيمتها الأصلية.

وتشمل هذه النسبة ضريبة القيمة المضافة، ورسوم تنمية موارد الدولة، والرسوم الجمركية، بالإضافة إلى رسوم "الجهاز القومي" التي تُفرض تحت بند الحوكمة وتنظيم السوق. هذا الواقع جعل من هاتف مثل "آيفون 17 برو ماكس" يُباع بمبلغ يتجاوز الـ 100 ألف جنيه مصري، حيث تذهب قرابة الـ 21 ألف جنيه منها مباشرة إلى خزينة الدولة في صورة ضرائب، وهو رقم يعادل سعر هاتف كامل من الفئة المتوسطة في دول الجوار.

"التصنيع المحلي": ثمن الفشل الاستثماري

وتبرر الحكومة هذه الإجراءات "الاستباقية" برغبتها في حماية 10 مصانع محلية تم إنشاؤها لإنتاج الهواتف المحمولة، لكن الصدمة كانت في تصريحات محمد طلعت (رئيس شعبة المحمول بالغرف التجارية)، الذي أكد أن أسعار الهواتف "المصنعة في مصر" ارتفعت بنسبة 20% تزامناً مع غلاء المستورد.

ويتساءل مراقبون عما إذا كان الهدف هو دعم الصناعة المحلية، فلماذا ترتفع أسعارها بدلاً من أن تكون البديل الأرخص؟ الحقيقة المرة أن الشركات المصنعة محلياً حصلت على إعفاءات ضريبية ضخمة لكنها لم تمرر هذا التوفير للمستهلك، بل قامت بمجاراة الأسعار العالمية المحملة بالضرائب لتعظيم أرباحها، مما جعل المواطن يمول أرباح الشركات ودعم الدولة للصناعة من جيبه الخاص دون أن يحصل على ميزة سعرية واحدة.

الجباية دافعاً للجريمة

في محاولة لتبرير قرارات التضييق، روج الذراع الإعلامية أحمد موسى إلى أرقام تتحدث عن تهريب 16 مليون هاتف خلال ثلاث سنوات بقيمة 16 مليار جنيه، معتبراً أن فرض الضرائب هو الحل لاستعادة حق الدولة.

لكن المراقبين يرون أن هذا "التهريب" لم يكن إلا نتيجة طبيعية للفوارق السعرية الفجة التي خلقتها الضرائب؛ فالمواطن الذي يجد أن سعر هاتفه يزيد في مصر بـ 20 إلى 30 ألف جنيه عن الخارج، سيبحث حتماً عن طرق "غير رسمية" للحصول عليه.

وبدلاً من خفض الضرائب لتشجيع الاستيراد الرسمي وزيادة الحصيلة عبر "حجم المبيعات"، اختارت الإدارة المالية سياسة "الجباية المركزة"، مما أدى إلى انكماش السوق وهروب الاستثمارات، وهو ما أكدته تقارير عالمية حذرت من أن الهواتف الاقتصادية (أقل من 100 دولار) ستختفي من السوق المصري لأن تكلفة ضرائبها ورسومها تجعلها "غير مجدية اقتصادياً".

من يدفع "المشاريب"؟

تبدو لغة الأرقام في عام 2026 كاشفة بوضوح؛ حيث نجح السيسي في جمع قرابة 11 مليار جنيه من حصيلة إلغاء الإعفاءات الجمركية خلال عام واحد فقط، والشركات الكبرى (الوكلاء والمصنعون المحليون) حافظوا على هوامش ربح تتراوح بين 15% إلى 25% عبر تمرير كل الزيادات الضريبية وتكاليف الشحن والرقائق الإلكترونية إلى السعر النهائي. أما الطرف الخاسر الوحيد فهو المواطن المصري، الذي يجد نفسه مطالباً بدفع 140% من قيمة أي سلعة تكنولوجية يقتنيها، ليغطي "عجز الموازنة" من جهة، ويمول "أرباح الوكلاء" من جهة أخرى، في منظومة اقتصادية بارعة في استنزاف الموارد ولكنها فاشلة في توطين تكنولوجيا حقيقية ترحم جيوب المستهلكين. وكما يقول حساب عزف الليل (@voyage011291): "هذه آخرة الاقتصاد القائم على الجباية، كل مصادر العملة أصبحت خارج الخدمة، والمواطن هو الذي يحاسب على المشاريب في النهاية".

وقالت رانبا الخطيب @ElkhateebRania "الشركة اللي ابتكرت المنتج والمصانع اللي اشتغلت عليها والبلد اللي بتنتجها مش بيكسبوا المكاسب اللي بتهبرها الحكومة وكله ضايع على قصور هنا ومصيف هناك".