بعد بيان وزير الدولة للإعلام بحكومة المنقلب عبد الفتاح السيسي الخاص بمعاقبة أصحاب الآراء أو التعليقات التي تمدح الموقف الإيراني أو تلوم على استضافة الخليج للقواعد الأمريكية كتب المحامي والكاتب بصحيفة "الوطن" الكويتية سعد العجمي "ثم أن بيانكم هذا ليس ذا قيمة إذا لم يعقبه موجة محاسبة لكل أصحاب المقاطع الشامتة والمستهزئة بدول الخليج، فعّل دورك بالرقابة وأعلن القـبــض على كل جواميس الترعة، الذين شمتوا بنا ونحن تحت العدوان والـقــصف حتى تحقق الردع العام ونلتمس نحن حسن النوايا".
وهو ما كشف عن تراجع الدور المصري بظل الانقلاب على مستويات عدة وأبرزها في الملف الجانب الدبلوماسي، فضلا عن تآكل الهيبة إلى نسبة (صفر) وهي مرحلة وصفت بغير المسبوقة من التراجع الذي لم يعد خافيًا على أحد، بل أصبح مادة يومية للنقاش والسخرية والانتقاد في الفضاء العربي.
ولم تكن الأزمة الخليجية الأخيرة سوى مرآة عاكسة لهذا الانحدار، حيث ظهر الموقف المصري لقائد الانقلاب وعصابته ووزير خارجيته مرتبكًا، متأخرًا، ومفتقدًا لأي وزن أو تأثير، هذا الارتباك لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وأمنية جعلت الدولة المصرية — كما يرى كثير من المحللين — فاقدة للقدرة على اتخاذ موقف مستقل، ومكبّلة بحاجتها المستمرة للدعم الخارجي، ما جعلها عرضة للضغط والاستخفاف.
دولة بلا موقف
ولم يكن المشهد الذي ظهر خلال الأزمة الخليجية الأخيرة سوى امتداد لمسار طويل من التراجع، يصف أحمد دهشان @ahmdahshan هذا التراجع بأنه “حزن وكآبة على ما آلت إليه أوضاع السياسة الخارجية المصرية”، مشيرًا إلى أن مصر أصبحت تصدر “18 بيانًا في 18 يومًا”، وكأنها تحاول تعويض غياب الفعل بكثرة الكلام، ويرى دهشان أن هذا السيل من البيانات لم يزد الأمور إلا سوءًا، لأنه كشف عن “تخبط” و“استصغار” غير مسبوق لدور الدولة المصرية، حتى وصل الأمر إلى أن يصبح “مهينًا” في نظر المتابعين.
هذا التراجع لم يكن مفاجئًا لمن تابع مسار الدولة منذ 2013، فكما يذكّر الأكاديمي في العلوم السياسية د. عصام عبد الشافي @essamashafy، فإن من دعموا الانقلاب وساهموا في “تقزيم دور مصر” هم أنفسهم من يشتكون اليوم من غياب الدور المصري، ويقول عبد الشافي: إن "ما يحدث اليوم هو “حصاد أعمالكم”، لأن تدمير الحواضن الشعبية وقمع القوى الوطنية أفقد مصر قدرتها على إنتاج موقف خارجي مستقل، وجعلها دولة بلا سند داخلي، وبلا شرعية سياسية قادرة على اتخاذ قرار سيادي".
هذا الضعف البنيوي انعكس مباشرة على الأزمة الخليجية، فبينما كانت دول الخليج تتعرض لهجمات مباشرة، بقيت القاهرة صامتة لأيام طويلة، ثم خرجت بمواقف متأخرة ومرتبكة، وكما كتب سعد العجمي @saadal3jmi، فإن مصر “تحركت بعد 16 يومًا”، ثم تحرك الأزهر بعد 17 يومًا، ثم الحكومة بعد 18 يومًا، في مشهد يوحي بأن القاهرة لم تتحرك بدافع موقف مبدئي، بل بدافع “استدراك” متأخر بعدما أدركت حجم الغضب الخليجي، ويضيف العجمي ساخرًا أن التحرك جاء “عندما قرب موعد زكاة الفطر”، في إشارة إلى أن التحرك كان بحثًا عن دعم مالي، لا عن موقف سياسي.
هذا الانطباع تعزّز أكثر بعدما رفضت السعودية والكويت استقبال وزير الخارجية المصري في بداية جولته، قبل أن يتم “تصحيح البروتوكول” لاحقًا، وقد تداول مغردون هذا الحدث باعتباره إشارة واضحة إلى أن مكانة مصر لم تعد كما كانت، وأن الخليج لم يعد يتعامل معها باعتبارها شريكًا استراتيجيًا، بل دولة “تحتاج إلى إعادة ضبط”، وقد أشار حساب @alrougui إلى تفاصيل استقبال الوزير المصري في الرياض بعد هذا الارتباك البروتوكولي.
في هذا السياق، يقدّم الكاتب والصحفي السعودي البارز داود الشريان @alshiriandawood قراءة أوسع، معتبرًا أن المنطقة كلها تعيش حالة توتر، وأن إيران ستواجه “جدارًا ممتدًا من التوجس”، لكن ما يهم هنا هو أن مصر لم تعد جزءًا من هذا الجدار، ولا من معادلة الردع، بل أصبحت — كما يرى كثيرون — متفرجًا على الأحداث، تتحرك فقط عندما تشعر بأن مصالحها الاقتصادية مهددة، بحسب ما كتب على إكس.
انفجار السجال الشعبي… وغياب الدولة
في موازاة الارتباك الرسمي، انفجر سجال شعبي غير مسبوق بين المصريين والخليجيين على منصات التواصل، وكما يصف سليم عزوز @selimazouz1، فإن “الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”، لكن من أيقظها هذه المرة لم يكن أفرادًا عاديين، بل “الخطاب الإعلامي المصري البائس” الذي تعامل مع الأزمة بخفة وبدون إدراك لحساسيتها، ويشير عزوز إلى أن الإعلام المصري بدد أهمية الموقف السياسي المنحاز للخليج، وأن غياب “خلية أزمة” لضبط الأداء الإعلامي جعل الأمور تنفلت.
هذا الإعلام، الذي اعتاد الخطاب الشعبوي، وجد نفسه فجأة في مواجهة ردود خليجية قاسية، لأن ما كان يقال في مصر لم يعد يُنظر إليه كـ“رأي فردي”، بل كـ“توجيه رسمي”، خاصة أن بعض التصريحات جاءت من إعلاميين محسوبين على النظام، ومن نواب في البرلمان، ومن شخصيات عامة، ولذلك، كما يقول دويع العجمي @dhalajmy، "لم يعد مقبولًا أن تقول القاهرة إن الإساءات حالات فردية، لأن ما صدر “يعكس سياسة وتوجيهًا للرأي العام"، ويضيف العجمي في تغريدته:
https://x.com/dhalajmy/status/2034326191625412881
ومع تصاعد الهجوم الخليجي، بدا واضحًا أن القاهرة فوجئت بحجم الغضب، وأنها لم تتوقع أن يرد الخليجيون بهذه القوة، وكما يقول العجمي، فإن "جيلًا جديدًا في الخليج لم يعد يرى في مصر الدولة التي كانت، ولا يشتري الخطاب التقليدي عن الدور التاريخي، بل ينظر إلى الواقع، اقتصاد متراجع، تعليم منهار، وأمية متفشية".
في المقابل، ظهرت أصوات مصرية تحاول التهدئة، مثل منير الخطير @farag_nassar_ الذي دعا إلى حلول اقتصادية داخلية بدل الاعتماد على الخليج، واقترح فرض “ضريبة مخاطر” على المليارديرات بدل تهديد العمالة المصرية، بينما ذهب آخرون، مثل ناصر بكري، @NMansuor95762، إلى خطاب أكثر حدة، داعيًا إلى “ترحيل العمالة المصرية” إذا كان الخليج قادرًا على الاستغناء عنها، في تغريدة أثارت جدلًا واسعًا:
https://x.com/NMansuor95762/status/2034257688041787884
كما ظهرت أصوات خليجية تستعيد مواقف سابقة، مثل زعيمة طنيطر @riomerony التي ذكّرت بموقف مصر من حصار قطر، وكيف وقف المصريون مع قطر رغم موقف النظام الرسمي.
بينما قدّم أحمد الفيفي @Ahmedmalfifi نصائح (أو ربما تهديدات) للمغتربين المصريين في الخليج بعدم الانجرار وراء السجالات:
https://x.com/Ahmedmalfifi/status/2034106209167368214
وبات الوضع يضف المشهد على محورين؛ المتعلق بتراجع السياسة الخارجية المصرية، والثاني انفجار السجال الشعبي بين المصريين والخليجيين، وكيف كشف هذا السجال هشاشة الموقف الرسمي المصري.
ووسط هذا كله، بقيت الدولة المصرية غائبة، لم تظهر قيادة سياسية تضبط الخطاب، ولم يصدر موقف واضح يحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وحتى عندما صدر بيان رسمي يدين الإساءة للخليج، جاء — كما قال العجمي — “متأخرًا”، وبدون إجراءات عملية، ما جعله بلا قيمة في نظر كثيرين.
وتكشف الأزمة الخليجية الأخيرة عن حقيقة مرة: مصر لم تعد تمتلك القدرة على فرض احترامها، لا على الداخل ولا على الخارج، تراجع الدور الإقليمي، وتآكل الهيبة الدبلوماسية، وغياب الموقف الرسمي، كلها عوامل جعلت مصر — كما يقول أحمد دهشان — "مستصغرة في الإقليم، بعدما كانت “قلبه النابض”، وفي ظل هذا التراجع، أصبح السجال الشعبي مرآة تعكس هشاشة الدولة، وانكشافها، وعجزها عن إدارة أزماتها".