تشهد المؤسسة العسكرية المصرية خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الوفيات والاغتيالات الغامضة التي طالت قادة ميدانيين رفيعي المستوى في مناطق حدودية شديدة الحساسية، وسط صمت رسمي كامل من المتحدث العسكري، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة ما يجري على الحدود الغربية والجنوبية، وحول ما إذا كانت مصر تخوض بالفعل حرب استنزاف غير معلنة.
البداية كانت مع إعلان استشهاد العميد أحمد سمير نور الدين عبدالوهاب، رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية العسكرية، الذي قُتل خلال اشتباكات على الحدود المصرية السودانية. ورغم أن بعض المصادر المحلية تحدثت عن “مطاردة مهربين”، فإن تسريبات أخرى – بينها ما نشره موقع أفريكا إنتلجنس – أشارت إلى أن العميد قُتل داخل مدينة كوستي السودانية، برفقة ثلاثة جنود مصريين، خلال غارة بطائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، أثناء مهمة استشارية تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة إلى جانب الجيش السوداني. هذا السيناريو يفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة الدور المصري داخل السودان، وما إذا كان الأمر يتعلق بتدخل عسكري محدود أو دعم عملياتي للجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع.
لم تمر أيام قليلة حتى أعلنت محافظة المنوفية تشييع جثمان العقيد أركان حرب أمجد عبد العظيم خضر، رئيس أركان أحد ألوية المشاة بالمنطقة الغربية العسكرية، الذي وافته المنية أثناء “أداء واجبه الوطني”. ورغم أن الوفاة حدثت في منطقة حدودية ملتهبة، فإن المتحدث العسكري لم يصدر أي بيان نعي أو توضيح، وهو ما أثار موجة من التساؤلات، خاصة أن العقيد خضر هو ثاني رئيس أركان لواء يستشهد خلال أسبوع واحد.
المنطقة الغربية المتاخمة لليبيا، والجنوبية المتاخمة للسودان، هما أخطر جبهتين تواجههما مصر حاليًا. فالغرب يشهد نشاطًا لمجموعات مسلحة وتهريب أسلحة عبر الحدود الليبية، بينما الجنوب يعيش على وقع حرب أهلية سودانية معقدة، تتداخل فيها أطراف إقليمية ودولية. وفي هذا السياق، فإن سقوط قادة ميدانيين بهذا المستوى – رئيس أركان مشاة ورئيس أركان حرس حدود – لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا، بل مؤشر على عمليات عسكرية حقيقية تجري في الظل.
وتزداد الصورة غموضًا مع ورود أسماء أخرى لضباط قُتلوا خلال الفترة نفسها، بينهم المقدم أحمد عادل جودة من قوات حرس الحدود، والمقدم رمضان فاروق من سلاح القوات الجوية، وفق ما نشره ضباط سابقون على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التتابع السريع في الوفيات يثير مخاوف داخلية، عبّر عنها بعض العسكريين السابقين الذين تساءلوا علنًا عمّا إذا كانت دماء الضباط تُبذل في معارك وطنية واضحة، أم في صراعات سياسية وإقليمية لا يعرف الرأي العام عنها شيئًا.
https://x.com/EgyPunZ/status/2034018967854133508
ويشير مراقبون منهم الرائد أيمن الكاشف إلى أن الصمت الرسمي ليس مجرد غياب للمعلومات، بل سياسة متعمدة تهدف إلى تجنب الاعتراف بوجود خسائر بشرية في عمليات خارج الحدود، أو في مواجهات داخلية لم يُعلن عنها. ففي جيوش العالم، يُعلن عن مقتل القادة الميدانيين ببيانات رسمية، وتُمنح أسرهم التكريم اللائق، ويُقدَّم للرأي العام تفسير واضح للظروف التي أدت إلى مقتلهم. أما في الحالة المصرية، فإن التعتيم يحوّل هؤلاء الضباط إلى “أرقام صامتة”، ويترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات والتسريبات.
وتعكس بعض التحليلات أن ما يجري على الحدود الجنوبية قد يكون مرتبطًا بصراع داخل دوائر صنع القرار في مصر حول الموقف من الحرب السودانية. فبحسب تصريحات منسوبة لضباط سابقين، فإن المؤسسة العسكرية المصرية تميل إلى دعم الجيش السوداني باعتباره المؤسسة الوطنية الشرعية، بينما تميل دوائر أخرى داخل الدولة – ذات ارتباطات إقليمية – إلى مساندة قوات الدعم السريع. هذا التباين قد يفسر ضعف الدعم المصري للجيش السوداني، وتردد الدولة في الإعلان عن أي دور رسمي لها داخل السودان.
https://x.com/sadamisr25/status/2033991257949937931
أما على الحدود الغربية، فإن نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب عبر ليبيا يشكل تهديدًا مستمرًا، وقد شهدت السنوات الماضية مواجهات متكررة بين الجيش المصري ومجموعات مسلحة حاولت التسلل عبر الحدود. وفي ظل غياب المعلومات الرسمية، يبقى من غير الواضح ما إذا كان مقتل العقيد أمجد خضر مرتبطًا بعملية عسكرية، أم بحادث أمني، أم بظروف أخرى لم يُكشف عنها.
وتثير هذه التطورات قلقًا متزايدًا داخل المجتمع المصري، خاصة مع تداول أخبار عن مقتل أربعة ضباط خلال أيام قليلة، إضافة إلى جنود لم يُعلن عنهم رسميًا. ويعبّر بعض المعلقين عن خشيتهم من أن تكون مصر منخرطة في صراعات إقليمية دون إعلان، أو أنها تواجه تهديدات أمنية أكبر مما يُعلن عنه، بينما يظل الرأي العام في الظلام.
وفي ظل هذا الغموض، يطالب كثيرون المؤسسة العسكرية بتقديم توضيحات رسمية حول ملابسات مقتل هؤلاء الضباط، ليس فقط تكريمًا لهم، بل حفاظ على ثقة المجتمع في مؤسساته. فالتعتيم لا يحمي الأمن القومي، بل يفتح الباب أمام الشكوك، ويجعل المواطنين يتساءلون عن حقيقة ما يجري على حدود البلاد.
وبينما تستمر الجنازات العسكرية في القرى والمحافظات، يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة: هل تخوض مصر حربًا غير معلنة على حدودها، أم أن ما يحدث هو نتيجة فوضى إقليمية تتسرب إلى الداخل؟ وفي كلتا الحالتين، فإن غياب الشفافية يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، ويزيد من حساسية اللحظة التي تمر بها البلاد.