في ظل تعنت حكومي بعدم الاستماع لآراء أهل المهنة والاتجاه نحو إقرار قانون المسئولية الطبية، الذي يجيز حبس الأطباء، بالمسئولية الطبية، وعدم قناعة العسكريين بأن الإجراءات الطبية قد تنجح وقد تفشل في علاج المرضى، بشرط عدم الإهمال والتقصير، فاتجه الأطباء نحو التصعيد، إذ دعا مجلس النقابة العامة للأطباء، جموع أطباء مصر للمشاركة في جمعية عمومية طارئة يوم الجمعة 3 يناير 2025، لإعلان رفض مشروع قانون المسؤولية الطبية بصيغته الحالية، وبحث التحركات والإجراءات اللازمة للتصدي لمشروع القانون الذي يتضمن موادا تقنن حبس الأطباء في القضايا المهنية، وناشدت النقابة العامة للأطباء، جميع أعضائها، الحضور والمشاركة بقوة في الجمعية العمومية، والتعبير عن رفضهم القاطع لمشروع القانون بصيغته الحالية الذي يهدد المنظومة الصحية بالكامل.
وسبق أن جددت النقابة العامة للأطباء، رفضها المطلق والقاطع لمشروع قانون المسؤولية الطبية، بصيغته التي وافقت عليها لجنة الصحة بمجلس الشيوخ المصري، قبل عدة أيام، وأكدت النقابة العامة للأطباء، أنها اعترضت بشدة وأعلنت موقفها الرافض تماماً لما تضمنه مشروع القانون من مواد تقنن الحبس في القضايا المهنية، وذلك أثناء المناقشات التي جرت في لجنة الصحة بمجلس الشيوخ وشارك فيها النقيب العام للأطباء أسامة عبد الحي، ونقيب الأسنان إيهاب هيكل.
وأعلن نقيب الأطباء، خلال الاجتماع، تمسكه بمجموعة من الثوابت والمطالب الأساسية والعادلة للنقابة والتي لم تستجب لجنة الصحة بمجلس الشيوخ لأي منها، وهي رفض حبس الأطباء في القضايا المهنية، وإقرار وقوع المسؤولية المدنية على الطبيب حال التسبب في ضرر للمريض نتيجة خطأ، لكنه يعمل في تخصصه وملتزم بقواعد المهنة وقوانين الدولة، وتكون العقوبة هنا تعويضات لجبر الضرر وليس الحبس، ووقوع المسؤولية الجنائية على الطبيب فقط حال مخالفته لقوانين الدولة، أو عمله في غير تخصصه، أو قيامه بإجراء طبي ممنوع قانوناً.
كما تمسك النقيب بـعدم جواز الحبس الاحتياطي في الاتهامات التي تنشأ ضد مقدم الخدمة الصحية أثناء تأدية مهنته أو بسببها؛ إذ إن مبررات الحبس الاحتياطى غير متوفرة في القضايا المهنية. وضرورة أن تكون اللجنة العليا للمسؤولية الطبية هي الخبير الفني لجهات التحقيق والتقاضي، وتتلقى كل الشكاوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة الطبية بجميع الجهات المعنية وذات الصلة بتلقي شكاوى المواطنين بشأن الأخطاء الطبية، وأن يتحمل صندوق التعويضات التعويض كاملاً وليس المساهمة فيه كما نصت مسودة القانون.
موافقة الشيوخ
وكان مجلس الشيوخ قد أصدر مساء الأحد الماضي، بياناً، بعد موافقة لجنة الصحة من حيث المبدأ على مشروع قانون المسؤولية الطبية.
الطب الدفاعي
وأمام الحبس الذي يتهدد الأطباء ،بات اللجوء للطب الدفاعي هو الخيار الأمثل لهم، وهو ما سياتي بلا شك على حساب صحة المصريين.
وكانت نقابة أطباء مصر، نشرت يوم الجمعة الماضي، نتائج دراسة طبية وصفتها بـ”الصادمة”، التي تكشف عن ممارسة ثلث الأطباء المصريين ما يُعرف بـ”الطب الدفاعي” ويعني هذا التوجه اتخاذ الأطباء إجراءات طبية وتشخيصية وعلاجية مبالغاً فيها تجنباً للمسؤولية القانونية ومخاوف من قضايا المسؤولية الطبية.
وأوضحت النقابة في بيانها الرسمي أنّ الدراسة التي نشرت أخيراً، شارك فيها مجموعة من العلماء والأطباء المصريين، من بينهم محمد جاب الله، استشاري الطب الشرعي وعضو مجلس نقابة أطباء الدقهلية، عرفت النقابة الطب الدفاعي بأنه ذلك الذي يعتمد على إجراء فحوصات وتشخيصات وعلاجات زائدة عن الحاجة، مع تجنب التعامل مع الحالات الخطرة والمعقدة، بالإضافة إلى التهرب من مرضى سابقين قدموا شكاوى قانونية.
وقد أظهرت الدراسة أن أغلبية الأطباء في التخصصات الجراحية، خاصة في المستشفيات الحكومية، يمارسون الطب الدفاعي، ولا سيما كلما زادت سنوات الخبرة، كما تبين أن معظم الأطباء الذين يتبعون هذا الأسلوب كانوا قد تعرضوا سابقاً لشكاوى قانونية وتهديدات بالمقاضاة من المرضى وذويهم.
وأوضحت الدراسة أن الحل الوحيد لتقليل ممارسة الطب الدفاعي يكمن في إنشاء محاكم وهيئات متخصصة للنظر في قضايا المسؤولية الطبية، وتوفير شركات تأمين ضد مخاطر وأخطاء مهنة الطب، بالإضافة إلى ضرورة التدريب والتثقيف المستمر للأطباء في الجوانب الطبية والقانونية.
تاثيرات سلبية على المرضى
وأكد الفريق البحثي أن الطب الدفاعي يترك أثراً سلبياً كبيراً على المرضى في المقام الأول، حيث يسعى الأطباء لتأمين أنفسهم قانونياً ومهنياً عن طريق طلب فحوصات تشخيصية وعمل خطط علاجية مبالغ فيها، مما يرهق المريض مادياً، كما يتجنب الأطباء التعامل مع الحالات الخطيرة والمرضى الذين سبق لهم تقديم شكاوى قانونية، في محاولة منهم لتفادي المساءلة القانونية.
وهكذا يدفع المرضى ثمن سياسات الغشم الحككومي مع الاطباء، في وقت تعج به المستشفيات باوجه القصور والعجز في المستلزمات الطبية وبيئة العمل الضاغطة على الأطباء.
