في الوقت الذي يطالب فيه صندوق النقد الدولي الحكومة المصرية بسرعة تنفيذ برامج التخارج الحكومي، وتقليص اقتصاد الجيش، وتقليل الإعفاءات الضريبية للجهات السيادية المعفاة منها، مع تقليص الدعم الحكومي وتحرير أسعار الكهرباء والمياه والغاز، من أجل استكمال برنامج الصندوق لإتمام المراجعة الرابعة لقرض صندوق النقد الدولي، لم يجد السيسي بدًا أمام تلك المطالب، فتوسّع في برامج تقليص العمالة الحكومية وإلغاء الدعم ورفع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والمياه وتسليع مياه الري وتسليع الخدمات الصحية وبيع المستشفيات، بجانب التفريط في أصول مصر الاقتصادية والعقارية والأراضي المتميزة، من أجل توفير الدولار.
ومع مطالبة السيسي للجيش بإتمام صفقة طرح أسهم شركتي “وطنية” و”صافي” بالبورصة، وهو ما يتمنّع الجيش عن تنفيذه حتى الآن، رغم طرحه كخيار منذ أكثر من عامين، إلا أن الجيش يتلاعب ويحاول التملّص من الأمر، وهو ما دفع السيسي لتحميله مهام تحصيل الدولارات لسداد أقساط الديون الكثيفة قبل نهاية العام الحالي، عبر بيع الشركات الرابحة والاستراتيجية، التي تمثّل جزءًا من الأمن القومي المصري.
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة عن تجهيز 15 شركة اقتصادية لطرحها للبيع، وهو ما أثار جدلًا بين الخبراء، نظرًا لأهمية تلك الشركات في الاقتصاد المصري.
ومن بين الشركات المرتقب طرحها من جانب الحكومة للبيع للمستثمرين من دول الخليج، تشمل شركة حلوان للأسمدة، وشركة تنمية الصناعات الكيماوية (سيد)، والشركة المصرية لإنتاج البولي بروبيلين والبولي بروبيلين، وشركة البويات والصناعات الكيماوية (باكين).
ومن الصناعات التحويلية الأخرى، شركة مصر لأعمال الأسمنت المسلح، وشركة سيناء للمنجنيز، وشركة النصر للتعدين، والشركة المصرية للسبائك الحديدية. وضمت القائمة أيضًا شركة الأمل الشريف للبلاستيك، وشركة مصر للمستحضرات الطبية.
وبجانب ذلك، تأتي شركات عقارية تشمل أربع شركات عقارية مملوكة للدولة، وهي: النصر للإسكان والتعمير، والمعادي للتنمية والتعمير، والمستقبل للتنمية العمرانية، والصالحية للاستثمار والتنمية.
ومؤخرًا، كشفت التقارير الإعلامية الرسمية عن استحواذ الإمارات العربية المتحدة على حصص في ثلاث شركات مصرية متخصصة بمجال الطاقة، مُدرجة ضمن برنامج الطروحات الحكومية.
وشملت هذه القرارات استحواذ شركة طاقة في دولة الإمارات – وهي “إيه دي كيو” – على حصص كبرى في ثلاث شركات مصرية متخصصة بقطاع النفط ومشتقاته، ومُدرجة ضمن برنامج الطروحات الحكومية.
وتمثلت حصص الإمارات في شركات الطاقة المصرية بصفقات استحواذ أجرتها شركة أبوظبي التنموية القابضة “إيه دي كيو” على نسبة 25% من أسهم شركة الحفر المصرية.
ومن شأن هذه الصفقة أن تخول الجهة المستحوذة – وهي شركة أبوظبي التنموية القابضة – التأثير المادي في الشخص المستهدف.
كما شملت عمليات استحواذ الشركة الإماراتية في قطاع النفط المصري، الحصول على 30% من أسهم شركة “المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته” (إيثيدكو)، وفق البيان الذي اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن).
وتضمنت الصفقات – كذلك – استحواذ شركة أبوظبي التنموية القابضة “إيه دي كيو” على نسبة تصل إلى 35% من أسهم الشركة المصرية لإنتاج الألكيل بنزين الخطي “إيلاب”، بالإجراءات المتبعة نفسها.
وعلى الرغم من خطورة التفريط في تلك الأصول الاقتصادية الاستراتيجية، وتسببها في فقدان مصر السيطرة على أمنها القومي، ورفع أسعار كل السلع والخدمات المرتبطة بتلك الشركات، علاوة على تسببها في أزمة دولار وعملات أجنبية مستقبلية، نظرًا لاشتراط الاتفاقات السماح للمستثمرين والمستحوذين على تلك الشركات بتحويل أرباحهم السنوية للخارج بالدولار، وهو ما يخلق أزمة دولار مستقبلية، وعلى الرغم من ذلك يروّج السيسي وإعلامه لتلك الخسائر على أنها إنجازات اقتصادية وأنها مفيدة للاقتصاد!!
حيث تعدّدت تصريحات النواب ونقاشات اللجان البرلمانية حول بيع الشركات لمن يدفع، باعتبارها دليل نجاح، ولا مانع من بيع الشركات التي تدر دولارات، مشيرين إلى أن “مصر ليس لديها مشكلة أو حساسيات من أي استحواذ خليجي على الشركات المصرية”!!
وتأتي إشادات النواب وإعلاميي السيسي بالصفقات المتوقعة، على الرغم من أن اللجنة الاقتصادية في البرلمان لم يصلها أي تفاصيل تخص الشركات التي تنوي الحكومة طرحها في البورصة خلال الأيام المقبلة!!
وهو أمر غير دستوري، تعوّد السيسي على تمريره بالأمر المباشر، دون نقاش مع أحد، إذ يتفاجأ الجميع بأنباء الاستحواذ وإتمام الصفقات فجأة وبلا مقدمات أو إقرار تشريعي، حيث حَصّن السيسي قراراته وصفقاته حتى من مجرد التقاضي حول أضرارها للمصريين.
سبوبة للسيسي
ومن ضمن المخاطر المتوقعة أيضًا، عدم استفادة الاقتصاد المصري بشكلٍ كامل من تلك التنازلات والتفريط في الأصول الاقتصادية، إذ كشف الكاتب الصحفي جمال سلطان، أن شخصيات غربية مرموقة نقلت إليه تزايد المبالغ المحوّلة لحسابات سرية مصرية، تمت في الفترات الأخيرة، بالتزامن مع كل إعلان عن صفقات بيع لشركات أو أصول مصرية أو أراضٍ، كان أكبرها بعد إتمام صفقة بيع رأس الحكمة.
وتابع سلطان، في تصريحات إعلامية، أن الشخصيات والخبراء الغربيين باتوا يراهنون على حجم الأموال المحولة مع كل صفقة!!
وبدأت سبوبة الاستحواذ الخليجي على الشركات والأصول المصرية في أبريل 2022، حين تم الإعلان عن استحواذ شركة أبوظبي القابضة، إحدى الشركات التابعة لصندوق أبوظبي السيادي، على حصص في خمس شركات مصرية مدرجة في البورصة، في صفقة نُفّذت خلال يوم واحد.
كما شملت صفقة الاستحواذات حصة 32% من “شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع” بقيمة 186 مليون دولار، وحصة الحكومة في “فوري للمدفوعات الرقمية”، قُدرت بـ 12%، بقيمة 68.6 مليون دولار.
وكذلك 18.5% من البنك التجاري الدولي، كانت ملكًا لبنكي الأهلي ومصر، عبر صفقة بلغت قيمتها 911 مليون دولار، وجزءًا من حصة وزارة المالية في “شركة موبكو للأسمدة” بنسبة 20%، وبقيمة 266.6 مليون دولار، وحصة بنك الاستثمار القومي في “شركة أبو قير للأسمدة”، البالغة 21.52%، بقيمة 391.9 مليون دولار، وكان عام 2022 هو عام الاستحواذات الخليجية بامتياز.