بعد حياة حافلة بالكتابة والعطاء والألم.. ترجل الصحفي الشاب محمد أبو الغيط تاركا إرثا كبيرا من الكتابة الاحترافية والألم في نفوس معارفه، كما ترك أيضا قدرا كبيرا من التقدير والإعزاز بين الآلاف الذين لم يعرفوه إلا بعد أزمته المرضية الأخيرة التي حولت جسده إلى هيكل عظمي ، بينما فشلت في أن تؤثر على كفاءته الصحفية وقلمه السيال الذي لم يتوقف عن الكتابة حتى قبيل وفاته حين أخرج كتاب" أنا قادم أيها الضوء" الذي نشرته له "دار الشروق". 

 

بين "مفيد" و"أبو الغيط"

وفي مفارقة غريبة؛ جاء رحيل "أبو الغيط" وما تلاه من آلاف الدعوات بالرحمة والمغفرة عقب يوم واحد من رحيل أحد أكبر الصحفيين والإعلاميين المصريين سنا، مفيد فوزي، وما تلا رحيله من جدل واسع بسبب الدعوات التي جاءت تترى عليه قبل حتى أن يوارى الثرى عمر يناهز التاسعة والثمانين.

وكان التشابه بين الراحلين في المرض حيث توفيا تأثرا بالسرطان، كما جمعهما العمل الصحفي لسنوات؛ طالت كثيرا مع "مفيد" فيما لم تطل مع "أبو الغيط" الذي رحل عن عمر ناهز 34 تاركا زوجة "إسراء" وابنا صغيرا.

توفي أبو الغيط، بعد أسبوع فقط، من تكريمه في حفل ختام منتدى مصر للإعلام، نظير "إسهاماته المتميزة وتجربته الملهمة في مجال الصحافة والإعلام".

وبعث الراحل الذي لم يتمكن من حضور الحفل نظرا لظروفه الصحية، بكلمة بالفيديو، قال فيها "هذا تكريم خاص جدا بالنسبة لي، كنت أنوي جديا الحضور، حتى أشعر بدفء المشاعر المتبادلة بيننا قبل أي شيء آخر، لكن داهمني الخبيث بتدهور جديد، ولا يعزيني في تلك الظروف، إلا تواصل قلوب لا يحده حدود".وبلغة الصحفي الطبيب كان أبو الغيط يوثق رحلته مع السرطان منذ أن دهمه وحتى قبل أن غرق في غيبوبة الموت التي لم يفق كمها. مستعرضا، لأصدقائه ومتابعيه، آلامه وكيفية تعامله مع المرض، في مجموعة من المقالات على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقبل أيام قليلة، أعلن الراحل عن إصدار كتابه الذي تضمن تصديره: "هذا كتاب مُلهم وإنساني، يحمل في كلماته روح المقاتل وعزيمة المثابر وحكمة المتأمل، لا يحكي فيه محمد أبو الغيط عن المعركة الشرسة بينه وبين أبغض أمراض العصر، بل يحكي عن العشرات والعشرات من التفاصيل في جوانب الحياة المختلفة".

وقال  أبو الغيط عن كتابه الجديد "وجدتني لا أكتب يوميات مريض، بل أكتب أحداثا ومشاعر، ما جربته وما تعلمته، سيرة ذاتية لي ولجيلي أيضا".

وتابع "دون أن أشعر عبرت كتابتي من الخاص إلى العام، وهكذا تنقلت بين شرح علمي إلى أخبار التطورات السياسية، ومن تفنيد خرافات حول ما يسمى بالطب البديل، إلى متابعة وفاة الملكة إليزابيث، أتأمل في الموت والحياة".

وتخصص الراحل في الصحافة الاستقصائية، وأشرف على إنتاج تحقيقات ودرّب صحفيين لصالح عدة مؤسسات، كما عمل بمجال الإنتاج التليفزيوني لقنوات عربية وأجنبية.

وعمل  أبو الغيط، في التلفزيون العربي في لندن منذ تأسيسه، وعمل معدا رئيسيا لبرامجه، إلى جانب كتابته مقالا أسبوعيا في صحيفة العربي الجديد لسنوات.

 

تجارب قاسية

بدأ "أبو الغيط" عمله الصحفي في مؤسسات مختلفة أبرزها تلفزيون "أون" وجريدة "الشروق" ثم عمل في قناة "الحرة" الأمريكية، لينتقل إلى التلفزيون "العربي" إلى جانب عمله مع شبكة "أريج" للصحافة الاستقصائية، علما أن مسيرته المهنية بدأت عام 2012 كطبيب في مستشفى إمبابة العام.

وخلال مسيرته فاز أبو الغيط بجوائز عدة، نتيجة عمله الاستقصائي منها:

جائزة "مصطفى الحسيني" عام 2013 عن فئة المقال الصحفي للصحفيين الشبان العرب، عن مقاله "وكأن شيئا لم يكن" المنشور في "المصري اليوم".

عام 2014، جائزة سمير قصير لحرية الصحافة التي يمنحها الاتحاد الأوروبي في بيروت عن مقاله "موسم الموتى الأحياء" المنشور في "بوابة الشروق".

عام 2019، الميدالية الذهبية في جائزة ريكاردو أورتيجا للصحافة المرئية والمسموعة المرتبطة بالأمم المتحدة عن تحقيقه المتلفز العابر للحدود "المستخدم الأخير" الذي كشف فيه كيف انتهكت عشر دول غربية عقودا ثنائية لبيع أسلحة وخرقت قوانين دولية ذات صلة، ما أدى إلى وصول أسلحة مقيدة تعاقديا إلى أطراف الصراع في اليمن.

عام 2020، جائزة فستوف الأولى عن فئة المساهمة في صناعة السلام، مع الصحفيين نيك دونوفان وريتشار كنت، عن تحقيقهم عن التمويل السري لـ"قوات الدعم السريع" السودانية (مؤلفة من مليشيات الجنجويد).

عام 2021، جائزة مؤسسة هيكل للصحافة العربية، عن تحقيقاته حول قضايا اليمن وسورية.

وقد ساهم أبو الغيط خلال مسيرته بتحقيقات استقصائية جماعية عدة، أبرزها التحقيق مع مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد مع 163 صحافيا حول العالم لجمع وتعريب وتحرير ونشر التسريبات السويسرية Swiss Leaks التي كشفت تفاصيل الحسابات الخارجية لشخصيات بارزة، بينهم رؤساء وملوك حول العالم.

 

مطاردة ورحيل 

كان الدكتور محمد أبو الغيط من بين المعتقلين في مدينة أسيوط الجنوبية عام 2011 بعد انضمامه إلى ثورة يناير 2011 ، وقضى جزءا من الانتفاضة في زنزانة ضيقة، بعد أن أطلق سراحه وسط الفوضى، انطلق في أجواء الحرية السياسية ، وعمل كصحفي وبعد الإطاحة بمبارك، كان هناك الحكام العسكريون المؤقتون وفي 2012 ووسط احتجاجات حاشدة، أطاح الجيش  بقيادة وزير الدفاع آنذاك السيسي بالرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2013، وحل البرلمان وفي النهاية حظر جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها "جماعة إرهابية".

تلا ذلك حملة قمع ضد المعارضة، وفاز السيسي بفترتين في الانتخابات التي انتقدتها جماعات حقوق الإنسان باعتبارها غير ديمقراطية.

وفي هذا السياق، قال أبو الغيط "بدرجة كبيرة، بدأت أشعر بمزيد من الخوف والتهديدات".

اعتقلت السلطات أصدقاءه، ولفتت كتاباته التي تنتقد الحكومة الانتباه، وأضاف "لن انتظر حتى يحدث لي ذلك".

بعد وصول السيسي إلى السلطة، غادر أبو الغيط إلى لندن، حيث نشر تقارير استقصائية عن أجزاء أخرى من العالم العربي.

في منزله السابق في مصر، سأل عنه رجال الأمن الوطني عندما عادت زوجة أبو الغيط آخر مرة لزيارة الأقارب، تم استدعاؤها للاستجواب حول أنشطته.

وكباقي المصريين الذين فروا من الاضطهاد السياسي مثل أبو الغيط، تتزايد الأوجاع والآلام.

تُظهر بيانات البنك الدولي زيادة في عدد المهاجرين من مصر منذ عام 2011. وغادر 3 ملايين و444 ألف و832 شخصا عام 2017، بزيادة تقدر بنحو 60 ألف مهاجر مقارنة بعام 2013، وهي السنوات التي تتوفر عنها الأرقام.

فهناك من انتقل إلى برلين وباريس ولندن، وهناك من هاجر إلى تركيا وقطر والسودان وحتى دول آسيوية مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية.

Facebook Comments